«الباريسي»... تغيرات النسيج الاجتماعي في الدول العربية الناشئة

الراوية الأولى للكاتبة البريطانية من أصل فلسطيني إيزابيلا حمد

«الباريسي»... تغيرات النسيج الاجتماعي في الدول العربية الناشئة
TT

«الباريسي»... تغيرات النسيج الاجتماعي في الدول العربية الناشئة

«الباريسي»... تغيرات النسيج الاجتماعي في الدول العربية الناشئة

رواية «الباريسي» هي الراوية الأولى للكاتبة البريطانية من أصل فلسطيني إيزابيلا حمد (27 عاماً). وقد نشرت الرواية مطلع هذا العام عن دار «جوناثان كيب»، التابعة لـ«راندوم هاوس»، ونالت منذ صدورها ترحيباً نقدياً ملحوظاً في بريطانيا وأميركا.
تدور أحداث الرواية على هامش الثورة العربية الكبرى ضد السيطرة العثمانية، وفي أثناء غليان المنطقة قبيل الحرب العالمية الأولى، من خلال مدحت كمال، الشاب الفلسطيني الذي رحل من نابلس إلى مارسيليا على متن باخرة أبحرت من الإسكندرية سنة 1915، لدراسة الطب في جامعة مونبيليه. ومدحت هو الابن الوحيد للحاج طاهر من زوجته الأولى، عزيزة التي توفيت وهي شابة تاركة إياه بعمر لا يتجاوز السنتين.
كان الحاج طاهر، بعقلية التاجر الذكي المستشرفة، يخطط لبناء أول مشفى في نابلس، ولن يجد خيراً من ابنه لإدارة المشفى وترؤس طاقمه. وقد أمن الحاج طاهر سكناً لابنه في بيت أحد أساتذة الجامعة، الدكتور فريدريك مولينو.
يلتقي مدحت في رحلة الأيام الأربعة، على متن السفينة، بفاروق العظمة السوري، مدرس اللغة العربية في السوربون المقيم في باريس، لتنعقد بينهما صداقة وأخوة حميمية ستستمر لسنوات مقبلة، بعد أن ينتقل مدحت للإقامة في باريس، وتحديداً في منزل فاروق الواقع في حي سان جيرمان.
ستبدأ رحلة الاستكشاف المعرفي لمدحت منذ وصوله لمحطة القطار في مونبيليه، حيث يجد بانتظاره فتاة شابة اسمها جانيت، كلفها مضيفه الدكتور مولينو باستقباله. وجانيت هي البنت الوحيدة للدكتور فريدريك، وقد فقدت والدتها بحادث تراجيدي وكانت لا تزال مراهقة.
تمر السنة الأولى بسرعة، ويتعرف مدحت خلالها على عادات وتقاليد المجتمع الفرنسي، عبر مناسبات كثيرة تدعوه إليها العائلة المضيفة، وكان دوماً محط انتباه كل من يعرف أن الشاب ذا الشعر الغامق والهيئة الأنيقة... هو العربي أو المشرقي، «لا أوغينتال»! ويندهشون أكثر حين يعرفون أنه يحضر لدراسة الطب، ويتحدث الفرنسية بشكل جيد.
كان مدحت سعيداً من جهة بهذه التجربة المعرفية، ومتضايقاً ممن تعاملوا معه كشخص من الدرجة الثانية أو الثالثة... قادم من الصحراء.
يقول لجانيت في إحدى المرات: «لا فرق بين هذه التلال وشبيهاتها في فلسطين، أو بين الأشجار والأزهار هنا وهناك... نابلس مدينة جميلة، وكذلك القدس والإسكندرية والقاهرة ودمشق. ولدينا جامعات قد لا تكون بعراقة مونبيليه أو باريس، ولكنها موجودة».
ستساعده جانيت على التخلص من شعور الخوف تجاه الغرباء: «لا تخف كما خفت أنا حين درست الفلسفة مع مجموعة من الذكور في باريس. كانوا يدفعونني للشعور كما تشعر الآن، بأنني أقل منهم، لكنني تخلصت من ذلك مع الوقت، امنح نفسك وقتاً».
يسير كل شيء بين مدحت وجانيت باتجاه تشكل قصة حب رقيقة هشة في الوقت نفسه، هي انعكاس لحالتيهما. فمدحت حدد والده مستقبله، وجانيت قرر والدها مصيرها، بانتقالها إلى مونبيليه. إلا أن قصة حبهما ستجهض، فقد اكتشف مدحت أن د. مولينو يراقبه، ويطبق عليه تجاربه الاستشراقية كفأر مخابر: كيف يأكل، وكيف يشرب، وكيف ينظر لجانيت، وكيف يجيب عن الأسئلة... إلخ.
مطعوناً بقيمته ومشاعره، سيغادر مدحت كمال مونبيليه متجهاً لباريس، حيث يصبح نزيلاً دائماً في منزل فاروق العظمة، الذي بدوره يشكل ملتقى القوميين العرب في باريس. هناك يلتقي مدحت بهاني مراد، المحامي الشاب اللامع الناشط من أجل استقلال الدول العربية عن السلطنة العثمانية والانتدابات البريطانية والفرنسية، التي كانت بدأت تتخمر أمام أعينهم.
يقرر مدحت دراسة التاريخ، الأمر الذي يخفيه عن والده وأقربائه في نابلس، حيث الجميع ينتظر الاحتفال بعودة «الدكتور مدحت».
في تلك المرحلة الباريسية تتشكل شخصية مدحت، وسيصبح لقبه لاحقاً في نابلس «الباريسي»، فقلما يشارك في الحلقات السياسية في البيت؛ كان يفضل عيش تجربته كشاب فشل في قصة حبه الأهم، عبر التنقل بين أحضان فتيات الليل اللواتي كن بالنسبة له تنويعات فاشلة وتخييلية عن جانيت.
الفترة الفلسطينية من حياة مدحت ستبدأ بسرعة، ويتمثل أبرز أحداثها بزواجه من فاطمة، ابنة الحاج نمر حمد، الفقيه الإسلامي أخو المحافظ السابق لنابلس. إلا أن زواج مدحت وفاطمة، كشابين توّاقين لتشكيل أسرة مرموقة، على أساس نسَبيهما وثروات عائلتيهما، سيسفر عن بداية متعثرة بأسرع مما توقع مدحت. يصله نبأ وفاة والده في القاهرة، بجلطة قلبية، بعد أيام قليلة من زواجه. وسيتم يتم دفن الحاج طاهر على عجل. وتقوم زوجته ليلى بتوزيع الميراث، بين أولادها وبين مدحت وجدته. لكن حين يعود مدحت إلى نابلس، سيجد أمامه خبراً أسوأ من خبر وفاة الأب، وهو أن والده المتوفي قد سجل تجارته باسم زوجته ليلى.
يجد مدحت نفسه على أرض رخوة، بسبب وفاة أبيه من جهة، وفقدانه الميراث من جهة أخرى. وتأخذه دوامة أفكار مضطربة: ماذا عساه يفعل... وهو من كان يتباهى أمام أهل زوجته بنسبه وثروته؟!
تتسارع أحداث الفترة الفلسطينية، التي تمتد بين العشرينات وأوائل 1936، وتشير الرواية لتشكيل مجموعات الثوار، بقيادات قادمة من سوريا، كعز الدين القسام، وتعرّج قليلاً على المحاكمات الثورية التي يقيمونها على عجل لمحاسبة «الخائنين» وإعدامهم.
صدفة عمياء تقود مدحت للطابق العلوي في البيت الذي كان له مرة قبل الزواج، وأصبح فيما بعد سكناً لوصفي ابن عمه، ليعثر في إحدى الغرف على رسالة كانت قد أرسلتها جانيت له منذ سنوات بعيدة، إلا أن والده قد أخفاها عنه.
في لحظة خيبة عاصفة، وقهر من والده الذي حرمه من ميراثه، وصادر عليه حتى عاطفته، بحرمانه من حق الاطلاع على رسالة موجهة له تحديداً، سيصاب مدحت بانهيار عصبي، ويقع في حالة هياج يفقد خلالها السيطرة على نفسه، فيصب انتقامه الأعمى ضرباً لهاني مراد صديقه الذي رافقه لزيارة بيت العائلة في ذلك النهار.
يتم إدخال مدحت للعلاج في دار الراهبات في نابلس، إلا أن ابن عمه جميل وصديقه هاني مراد يقرران نقله لدار المجانين في بيت لحم، حيث يدير المركز كادر إنجليزي.
يزداد مدحت عزلة وحزناً، وبضغط من جدته، وتدبير من زوجته، يتمكنون من إخراجه من المصحة، والعودة به إلى نابلس.
جميل، ابن عم مدحت وصديق الطفولة والمراهقة، الذي كان دوماً محط إعجاب مدحت، سينضم للثوار، ويشارك في عمليات هجوم ضد جنود بريطانيين، لينتهي به المطاف للموت وإعلانه شهيداً.
كان موت جميل صادماً بالنسبة لمدحت الذي سيغسل جسده ويضمد جراحه ويكفنه ويدفنه ويشرب قهوة عزائه، مستحضراً في كل لحظة تلك الأيام التي لن تستعاد بين نابلس والقسطنطينية.
تعكس الرواية حالة المزيج الإثني الذي عرفته المنطقة عبر التاريخ، حيث تعايش الجيران المسيحيون وبعض العائلات اليهودية الأصلية، وأيضاً الأرمنية التي يمر ذكرها كأصحاب مهن عريقة ومستحدثة، كالتصوير مثلاً والصياغة وتجارة القماش؛ تعايش مفتقد بسبب هجرة اليهود المتزايدة إلى فلسطين، وليس فقط بسبب الانتداب.
ترصد الكاتبة، عبر سرد الشخصيات، ما طرأ على النسيج الاجتماعي من تغيير، فالثوار أوعزوا للفلسطينيات بارتداء الحجاب كي يتم تمييزهن عن اليهوديات والمسيحيات، وحين يتأكدون من هوية الأهالي يطالبونهم بالمال والسلاح.
استخدمت الروائية لغة الذكريات، وقصة الحب التي قتلتها الثقافات المتناقضة، على أرضية لحظة زمنية حارة مهمة من نشوء الدول العربية الحديثة، لترسم خطوطاً متعددة توازت وتشابكت عبر الأمكنة بين باريس ونابلس والقدس والقاهرة.
وكما يلاحظ في كتابات كثير ممن يكتبون بالإنجليزية والمتأثرين بأصولهم العربية، تمتلئ هذه الرواية بكثير من المفردات العربية، مثل: «تيتا» ويا الله وحرام وزيت وزعتر وأبو زيد الهلالي، عدا عن أسماء الشخصيات والأمكنة.
«الباريسي» هي الرواية الأولى للكاتبة الشابة إيزابيلا حمد، وقد أهدتها لـتيتا، وكل التفاصيل تعد بكاتبة متميزة تدخل تحت جلد شخصياتها الحقيقة والمتخيلة بأسلوب يمزج بين ستاندال وفلوبير.
وفي احتفاء الكاتبة البريطانية المهمة زيدي سميث برواية «الباريسي» الصادرة هذا العام، قالت: «تكتب إيزابيلا بروح نثرية متطلعة وذكاء». أما صحيفة «الغارديان»، فرحبت باكتشاف «موهبة فريدة».



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».