عشرات الآلاف يتظاهرون في هونغ كونغ ضد تسليم مطلوبين للصين

رئيسة السلطة التنفيذية تعتذر... والمحتجون يطالبون بإلغاء القانون

مظاهرات حاشدة ضد مشروع قانون تسليم المطلوبين في هونغ كونغ أمس (أ.ف.ب)
مظاهرات حاشدة ضد مشروع قانون تسليم المطلوبين في هونغ كونغ أمس (أ.ف.ب)
TT

عشرات الآلاف يتظاهرون في هونغ كونغ ضد تسليم مطلوبين للصين

مظاهرات حاشدة ضد مشروع قانون تسليم المطلوبين في هونغ كونغ أمس (أ.ف.ب)
مظاهرات حاشدة ضد مشروع قانون تسليم المطلوبين في هونغ كونغ أمس (أ.ف.ب)

احتشد عشرات الآلاف من المتظاهرين في وسط هونغ كونغ، أمس، مع ازدياد الغضب الشعبي في أعقاب مواجهات غير مسبوقة بين محتجين والشرطة، على خلفية مشروع قانون مثير للجدل يسمح بتسليم مطلوبين إلى الصين رغم قرار الحكومة تعليقه.
وقدمت رئيسة السلطة التنفيذية لهونغ كونغ الموالية لبكين، كاري لام، أمس «اعتذاراتها» عن الطريقة التي حاولت من خلالها الحكومة تبنّي مشروع قانون تسليم المجرمين إلى الصين، متسببة في «نزاعات وخصومات». وقال بيان صدر عن مكتب لام: «أقرّت رئيسة السلطة التنفيذية بأن التقصير في عمل الحكومة تسبب في كثير من النزاعات والخصومات في مجتمع هونغ كونغ، وخيّب آمال كثير من المواطنين وأقلقهم». وأضاف أن «رئيسة السلطة التنفيذية تقدم اعتذاراتها للمواطنين، وتعد بقبول النقد بأكبر قدر ممكن من الإخلاص والتواضع».
ولم ينجح تعليق مشروع القانون ولا اعتذار لام في إخماد غضب المتظاهرين، الذي تعهدوا بمواصلة الاحتجاج حتى إلغاء المشروع كاملاً. وهتف المتظاهرون: «ألغوا القانون الرديء». وسار متظاهرون ارتدوا ملابس سوداء من إحدى الحدائق باتجاه البرلمان، في تكرار لمسيرة حاشدة خرجت قبل أسبوع، وأفاد المنظمون بأن أكثر من مليون شخص شاركوا فيها.
ويخشى معارضو مشروع القانون المدعوم من بكين أن يوقع سكّان هونغ كونغ في دوامة النظام القضائي الصيني المسيّس، الذي يفتقد إلى الشفافية، وأن يضر بسمعة المدينة كمركز آمن للنشاط التجاري. وقال المتظاهر تيرينس شيك (39 عاماً) الذي اصطحب معه أطفاله إلى المسيرة: «كان رد كاري لام غير صادق أبداً. قررتُ القدوم اليوم لأن الحكومة لن تلغي مشروع القانون».
وشهدت هونغ كونغ الأربعاء أسوأ أعمال عنف سياسي منذ إعادتها إلى الصين عام 1997؛ حين نزل آلاف المحتجّين إلى الشوارع وفرقتهم شرطة مكافحة الشغب باستخدام الغاز المسيل والرصاص المطاطي. وكُتب على إحدى اللافتات الموجّهة للشرطة التي رفعت أمس: «عليكم حمايتنا، لا إطلاق الرصاص علينا»، بينما رفع بعض المشاركين صوراً للشرطة وهي تفرّق الحشود خلال مواجهات الأربعاء، كما ذكر تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
ورغم إعلان تعليق العمل بمشروع القانون، فإن لام لم تعلن إلغاء المقترح، ما حمل قادة الاحتجاجات على رفض تنازلها ودعوتها للاستقالة وإلغاء مشروع القانون بشكل دائم، والاعتذار عن طريقة تعامل الشرطة مع المحتجين.
وقال الناشط لي شويك – يان، إن «تعليق مشروع قانون تسليم المطلوبين يعني فقط أنه سيكون من الممكن إعادة إحيائه في أي وقت تريده كاري لام». وأصيب نحو 80 شخصاً بجروح خلال الاضطرابات هذا الأسبوع، بينهم 22 شرطياً، بينما توفي متظاهر ليل السبت، بعدما سقط من مبنى لدى مشاركته في مظاهرة. واصطف كثيرون خارج مركز التسوق «باسيفيك بليس»؛ حيث تكدست الزهور والرسائل تكريماً له.
ولم يساهم تعليق مشروع القانون كثيراً في التخفيف من حدة الغضب الشعبي، بينما دعا منظمو الاحتجاجات إلى إضراب في أنحاء المدينة، الاثنين، إلى جانب مسيرة الأحد. وشبّه جيمي شام من مجموعة «جبهة حقوق الإنسان المدنية» المنظمة للمظاهرات عرض لام بـ«سكين» طعنت به المدينة. وقال: «لم يساهم خطاب كاري لام بالأمس إطلاقاً في تهدئة الغضب الشعبي». وأثار قرار لام المضي قدماً بعرض مشروع القانون لمناقشته في البرلمان الأربعاء، متجاهلة الأعداد القياسية التي شاركت في المظاهرات قبل ثلاثة أيام من ذلك، مظاهرات جديدة شلت الحركة في المدينة، وتسببت في مواجهات عنيفة مع الشرطة.
وتجمع الاحتجاجات شرائح واسعة من مجتمع هونغ كونغ، تشمل هيئات قانونية وتجارية نافذة ورجال دين، وسط تأييد من دول غربية. وتحولت الحركة الاحتجاجية في الأيام الأخيرة من حركة تهدف بالتحديد إلى إلغاء مشروع قانون تسليم المطلوبين، إلى تعبير أوسع عن الغضب حيال لام وبكين، على خلفية تراجع الحريّات على مدى سنوات.
ورفعت لافتة ضخمة على جبل «لايون روك» أمس في المدينة، كُتب عليها: «دافعوا عن هونغ كونغ».
وازدادت عزلة لام، إذ نأى النواب المؤيدون لبكين بأنفسهم في الأيام الأخيرة عن مشروع القانون المثير للجدل.
واعتبرت الحكومة الصينية بدورها أن تعليق مشروع القانون هو قرار جيد «للاستماع بشكل أوسع إلى آراء المجتمع، وإعادة الهدوء إليه في أسرع وقت ممكن».
من جهتها، التزمت وسائل الإعلام الحكومية والشبكات الاجتماعية الصينية الصمت أمس حيال المظاهرات، التي قدر منظموها المشاركين فيها بمليونين.
وباستثناء مقال رأي موجز في صحيفة «الشعب» اليومية، الجهاز الرسمي للحزب الشيوعي، لم تذكر وسائل الإعلام الحكومية الصينية أمس تراجع حكومة هونغ كونغ. كما تجنّب التلفزيون الصيني الرسمي هذا الموضوع في نشراته الإخبارية طوال اليوم. وأكد المقال الذي نشرته صحيفة «الشعب» اليومية، أن مشروع القانون الذي يسمح بتسليم المجرمين إلى الصين «حظي بدعم أغلبية الرأي العام في هونغ كونغ». وقال: «يريد الناس ملء الفراغ القانوني، للحؤول دون أن تصبح هونغ كونغ ملاذاً للمجرمين».
في المقابل، ذكر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إن الرئيس دونالد ترمب ينوي بحث الوضع في هونغ كونغ مع نظيره الصيني شي جينبينغ، خلال قمة مجموعة العشرين نهاية يونيو (حزيران) في اليابان. وقال بومبيو رداً على سؤال لقناة «فوكس نيوز» عن المظاهرات في هونغ كونغ، احتجاجاً على مشروع قانون يجيز تسليم المجرمين إلى سلطات الصين، إن ترمب «كان دائماً مدافعاً متحمساً عن حقوق الإنسان». وأضاف: «أنا على يقين بأن هذه المسألة ستكون جزءاً من المواضيع التي سيتطرق إليها» الرئيسان ترمب وشي في لقائهما على هامش قمة مجموعة العشرين في أوساكا. وقال بومبيو: «نحن مهتمّون بما يحدث في هونغ كونغ (...) وبما يقوله سكانها بشأن الأمور التي يتمسكون بها».
بدورها، أكدت الشرطة أنه لم يكن أمامها خيار سوى استخدام القوة لمواجهة المتظاهرين في محيط البرلمان، الأربعاء. لكن جهات عدة، بينها مجموعات قانونية وحقوقية، أشارت إلى أن عناصر الشرطة تذرعوا بتحركات مجموعة صغيرة للغاية من المتظاهرين العنيفين، لإطلاق عملية أمنية ضد متظاهرين، معظمهم سلميون ومن الشباب.
وقال المحلل السياسي ويلي لام لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «المؤيدين للديمقراطية لن يتوقفوا عند هذه النقطة. يريدون زيادة الزخم ضد كاري لام. يريدون مواصلة الضغط». وحض قادة الاحتجاجات الشرطة على إسقاط التهم بحق أي شخص تم توقيفه لأسباب مرتبطة بمواجهات الأربعاء.
وأفاد الناشط لي بأن المعارضين يخشون تنفيذ الحكومة عمليات انتقامية، ويرغبون في الحصول على تطمينات بأن «شعبنا في هونغ كونغ ومتظاهرينا لن يتعرضوا لمضايقات، ولن تتم ملاحقتهم سياسياً من قبل هذه الحكومة».
وتصرّ لام على وجوب التوصل إلى اتفاق بشأن تسليم المطلوبين مع البر الصيني، وتشير إلى وجود ضمانات بألا يشمل الاتفاق القضايا السياسية أو المعارضين.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».