تفوق مؤيدي استقلال اسكتلندا على المعارضين للمرة الأولى يربك لندن

الحكومة البريطانية تعرض ميزات لغلاسكو قبل 11 يوما من الاستفتاء

مؤيدون لحملة استقلال اسكتلندا يشاركون في «جلسة شاي» في بلدة بيرويك - أبون - تويد على الحدود بين إنجلترا واسكتلندا أمس للمطالبة باستقلال اسكتلندا (رويترز)
مؤيدون لحملة استقلال اسكتلندا يشاركون في «جلسة شاي» في بلدة بيرويك - أبون - تويد على الحدود بين إنجلترا واسكتلندا أمس للمطالبة باستقلال اسكتلندا (رويترز)
TT

تفوق مؤيدي استقلال اسكتلندا على المعارضين للمرة الأولى يربك لندن

مؤيدون لحملة استقلال اسكتلندا يشاركون في «جلسة شاي» في بلدة بيرويك - أبون - تويد على الحدود بين إنجلترا واسكتلندا أمس للمطالبة باستقلال اسكتلندا (رويترز)
مؤيدون لحملة استقلال اسكتلندا يشاركون في «جلسة شاي» في بلدة بيرويك - أبون - تويد على الحدود بين إنجلترا واسكتلندا أمس للمطالبة باستقلال اسكتلندا (رويترز)

أظهر استطلاع جديد للرأي نشر أمس تفوق نسبة المؤيدين لاستقلال اسكتلندا على المعارضين، وذلك لأول مرة قبل 11 يوما من موعد إجراء الاستفتاء على الاستقلال.
ويشير هذا الاستطلاع لموقع «يوغوف» ونشرته صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية إلى حصول فريق المؤيدين للاستقلال على 51 في المائة من نيات التصويت، مقابل 49 في المائة لفريق المعارضين. وأحدثت هذه النتائج ضجة في لندن أمس، حيث هذه المرة الأولى الذي يرصد فيه استطلاع لأي نسبة أكثر من 50 في المائة لصالح مؤيدي الاستقلال، على الرغم من استطلاعات الرأي شبه اليومية. ويذكر أن فارق النقطتين يندرج في هامش الخطأ المعترف به في الاستطلاع، إلا أن النتائج تزيد بشكل كبير حالة الترقب قبل موعد الاستفتاء في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي، مع إعطاء فرص جدية للحزب الوطني بزعامة رئيس الوزراء الاسكتلندي أليكس سالموند. وهناك مخاوف في المملكة المتحدة أن تسارع وتيرة حملة «نعم» من أجل الاستقلال لن يسمح للندن إقناع الاسكتلنديين بالبقاء في اللحظة الأخيرة.
وأعلن وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن أمس، أن الحكومة ستضع خططا في الأيام المقبلة لمنح اسكتلندا مزيدا من الاستقلالية في مجالات الضرائب والإنفاق والرعاية الاجتماعية إذا رفضت الانفصال في الاستفتاء المقرر في 18 سبتمبر.
وكان أوزبورن يتحدث إلى قناة هيئة الإذاعة البريطانية الإخبارية «بي بي سي» بعد أن تقدم مؤيدو الاستقلال في استطلاعات الرأي للمرة الأولى منذ انطلاق حملة الاستفتاء. وقال أوزبورن: «سنرى في الأيام القليلة المقبلة خطة عمل لمنح اسكتلندا مزيدا من السلطات.. مزيدا من السلطات الضريبية.. مزيدا من السلطات في مجال الإنفاق.. سلطات بشأن الرعاية الاجتماعية.. وسيسري ذلك فور التصويت (بلا) في الاستفتاء». وأضاف أن الخطة تحظى بموافقة الأحزاب الرئيسة الثلاثة في البرلمان البريطاني. وتنسجم تصريحات وزير المالية مع موقف رئيس الوزراء السابق غوردن براون الذي قال يوم الجمعة الماضي، إنه سيقود حملة لمنح اسكتلندا مزيدا من السلطات إذا صوتت ضد الانفصال. وتتمتع اسكتلندا بالفعل بدرجة كبيرة من الاستقلالية ولديها برلمان خاص بها منذ عام 1999 ويملك سلطة سن القوانين في مجالات مثل التعليم والصحة والبيئة. وأظهرت استطلاعات سابقة أن كثيرا من مواطني اسكتلندا يفضلون تفويضا للسلطات بدلا من الاستقلال الكامل.
وإذا صوتت اسكتلندا لصالح الانفصال فسيعقب ذلك مفاوضات مع لندن بخصوص مسائل من بينها العملة والدين العام ونفط بحر الشمال ومصير قاعدة الغواصات النووية البريطانية في اسكتلندا وذلك قبل الموعد المقرر لسريان الاستقلال في 24 مارس (آذار) 2016.
وبحسب إليستير دارلينغ مدير حملة «معا أفضل» فإن الاستطلاع الأخير يظهر أن الاستفتاء سيكون «محتدما للغاية». وقال دارلينغ: «إننا مرتاحون لهذه المعركة»، مضيفا: «إنها ليست معركة إنجلترا، بل معركة اسكتلندا من أجل أبناء اسكتلندا وأحفادها والأجيال المقبلة. وسنكسب هذه المعركة».
وسيثير أي تصويت مؤيد لانفصال اسكتلندا عن بريطانيا تساؤلات حول وضع بريطانيا على الساحة العالمية، وقد يؤدي إلى ضغوط على كاميرون تدفعه للاستقالة.
وأظهر استطلاع آخر أجراه معهد «بانلبيس» لحساب حملة «نعم» ونشر أمس، أن مجموعة «لا» تفوقت بـ4 نقاط، حيث بلغت نسبة المعارضين للاستقلال 52 في المائة، ونسبة المؤيدين له 48 في المائة.
وطلب المدير التنفيذي لحملة «نعم» للاستقلال بلير جنكينز من فريقه إبقاء تركيزه على الهدف، وقال: «رغم أن هذا الاستطلاع يضعنا في المقدمة بفارق ضئيل فإن استطلاعات أخرى تظهر أنه ما زال علينا إحراز مزيد من التقدم للفوز». وأكد: «سنعمل بكل جد من الآن حتى 18 سبتمبر لضمان حصولنا على التصويت بنعم».
وقبل شهر أعطى استطلاع ليوغوف نشر في 7 أغسطس (آب) 61 في المائة من نيات التصويت لمعارضي الاستقلال و39 في المائة لمؤيديه، أي بفارق 22 نقطة بين الفريقين. إلا أن استطلاعات رأي عدة أشارت إلى أن أصوات «غير المقررين» ستكون هي الحاسمة في هذا الاستطلاع. ويوم الثلاثاء الماضي أشار استطلاع آخر أجراه «يوغوف» لصحيفة «ذي تايمز» إلى تقلص واضح للفارق مع تأكيد 47 في المائة من الأشخاص الذين شملهم استعدادهم للتصويت مع الاستقلال مقابل 53 في المائة من الرافضين.
كما ذكرت صحيفة «صنداي تايمز» أن الملكة إليزابيث الثانية تشعر «بقلق بالغ» حول الاستفتاء على الاستقلال وطلبت من الصحيفة إطلاعها على المستجدات.
وكشفت الحكومة البريطانية بزعامة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون أمس، خطة لتسليم مزيد من السلطات إلى الاسكتلنديين في محاولة للمحافظة على وحدة المملكة التي عمرها 304 سنوات. وقال سالموند إنه يرغب في أن تبقى الملكة إليزابيث على رأس دولة اسكتلندا المستقلة، إلا أن صحيفة «صنداي تايمز» نقلت عن أحد مساعديه قوله، إن هذا «ليس أمرا مسلما به». ونقلت الصحيفة عن مصدر لم تكشف عنه «الملكة من أنصار الوحدة.. وهناك قدر كبير من القلق الآن». وتملك الملكة البريطانية منزلا في بالمورال في المرتفعات الاسكتلندية، وقامت بزيارتها التقليدية أول من أمس إلى ألعاب المرتفعات في بارامار المجاورة.
وكان من المقرر أن يزور كاميرون بالمورال أمس، وهي زيارة كانت مقررة قبل نشر الاستطلاع. وقالت صحيفة «صنداي تايمز» إن كاميرون قد يواجه ضغوطا من بعض المشرعين للاستقالة إذا كانت نتيجة الاستفتاء الموافقة على الانفصال، رغم أنه أكد الخميس الماضي أنه لن يستقيل إذا حدث ذلك. ولا يلقى أعضاء حزبه المحافظ شعبية في اسكتلندا، حيث يعتبرهم السكان نخبويين وليس لديهم إلمام بهمومهم. ولا يمتلك الحزب سوى مقعد واحد في مجلس العموم من بين 59 مقعدا مخصصة لأسكوتلندا. وحتى الآن، ترك كاميرون المجال لمنافسيه من حزب «العمال» المعارض، والأكثر شعبية في اسكتلندا، مهمة إقناع الاسكتلنديين على عدم الانفصال.
وذكرت صحيفة «ذا أوبزرفر» أنه من المتوقع أن يصدر معسكر «لا» بيانا خلال الأيام المقبلة حول خططه لإتاحة الفرصة للاسكتلنديين بالتصويت على مستقبل فيدرالي لبلادهم بعد محادثات بين مختلف الأحزاب. وكتب المعلق السياسي ويل هاتون في الصحيفة «في بعض الفترات التي تمر بها البلاد، علينا أن نفكر في الصورة الأكبر». وأضاف: «على قادة مجلس العموم أن يعرضوا قيام بريطانيا فيدرالية وأن يلتزموا بشكل لا رجوع عنه بميثاق دستوري لمناقشة تطبيق تلك الفيدرالية في حال صوتت اسكتلندا بلا».
وتشكل اسكتلندا ثلث أراضي بريطانيا وتضم نظام الردع النووي البريطاني الذي قال الحزب الوطني الاسكتلندي إنه يجب أن يخرج من اسكتلندا في حال استقلالها بحلول عام 2020. وكان الوحدويون في حملة «معا أفضل» المؤيدون لبقاء اسكتلندا ضمن المملكة المتحدة يتقدمون في استطلاعات الرأي طوال أشهر، لكن الفارق بينهم وبين دعاة الاستقلال تقلص إلى حد كبير في استطلاعات الأيام الأخيرة.



احتجاجات تجتاح مدناً إيطالية اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة

تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
TT

احتجاجات تجتاح مدناً إيطالية اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة

تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)

شهدت مدن إيطالية كبرى، السبت، احتجاجات اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة تخللت بعضها أعمال عنف، وذلك بعد أسبوع من اندلاع اضطرابات في أنحاء البلاد.

ونشرت السلطات أعداداً كبيرة من الشرطة، بينما أغلقت متاجر كثيرة أبوابها احترازياً خشية وقوع أضرار محتملة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت التظاهرات عقب اشتباكات وقعت، مطلع الأسبوع الماضي، بين محتجين والشرطة والتي شهدت أعمال نهب للمتاجر وتخريب للممتلكات.

واتسمت تظاهرات اليوم بالعنف في تورينو وروما وبولونيا، حيث اندلعت مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين. أما في ميلانو، فكانت الاحتجاجات سلمية إلى حد بعيد.

متظاهر يحمل لافتة أمام الشرطة خلال تظاهرة في بولونيا بإيطاليا (رويترز)

ولم يرصد مراسلو وكالة «رويترز» أي أعمال نهب للمتاجر أو تخريب للممتلكات.

وبعد انتشار دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم مزيد من التظاهرات خلال الأسبوع الحالي، اتخذت السلطات ترتيبات أمنية واسعة، ونشرت أعداداً كبيرة من الشرطة لمنع تكرار أعمال العنف التي وقعت، مطلع الأسبوع الماضي.

وفي وقت سابق من اليوم، قالت الشرطة الإيطالية إنها احتجزت شخصاً يشتبه في صلته بتنظيم «حركة 17 أكتوبر» التي قادت احتجاجات، الأسبوع الماضي، واقتادته إلى مقر الشرطة في ميلانو لاستجوابه.


إعادة انتخاب بارديلا رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا

مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
TT

إعادة انتخاب بارديلا رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا

مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

أعيد انتخاب جوردان بارديلا، المقرب من مارين لوبان والمرشح الرئاسي الفرنسي المحتمل، رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، خلال مؤتمر للحزب انعقد في مدينة أورليون، جنوب باريس، وفقاً لما أعلنه الحزب عبر منصة «إكس» اليوم السبت.

وتزامن المؤتمر مع احتجاجات مناهضة للحزب.

وذكرت وسائل إعلام فرنسية أن بارديلا حصل على نحو 99 في المائة من الأصوات، فيما بلغت نسبة المشاركة قرابة 68 في المائة. ولم تكن النتيجة مفاجئة، حيث كان بارديلا 31 عاماً المرشح الوحيد للمنصب الذي يتولاه منذ عام 2022.

وينظر إلى بارديلا باعتباره مقرباً من لوبان، وتشير استطلاعات الرأي إلى أنها ستتصدر حالياً قائمة المرشحين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

وفي حال تعذر ترشح لوبان بسبب إدانتها في قضية اختلاس أموال من الاتحاد الأوروبي، فإن بارديلا يعد البديل الأبرز في صفوف الحزب.

ومن المقرر أن تنظم لوبان أول فعالية رئيسية ضمن حملتها الانتخابية غداً الأحد، عقب إعادة انتخاب رئيس الحزب.

ووفقاً للسلطات الإدارية المحلية، تظاهر نحو 13 ألف شخص ضد فعالية الحزب في أورليون، قرابة منتصف نهار اليوم. وأفادت السلطات بأن المسيرة مرت بصورة سلمية عبر المدينة، وعدلت السلطات مسارها مسبقاً.

وفي تلك الأثناء، أعلن عمدة المدينة فرض حظر تجوال ليلي على الأطفال والشباب، بهدف منع الإخلال بالنظام العام والحد من مخاطر اندلاع اضطرابات.


إجراءات أمنية غير مسبوقة تجنّب فرنسا تكرار «السبت الأسود»

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
TT

إجراءات أمنية غير مسبوقة تجنّب فرنسا تكرار «السبت الأسود»

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

نادراً ما عرفت فرنسا انتشاراً أمنياً كالذي شهدته البلاد في سبت التعبئة الثاني، الذي دعت إليه النقابات و«السترات الصفراء» والطلاب بدعم ومشاركة من أحزاب اليسار والخضر.

فالهم الأول للسلطات كان ألّا تشهد البلاد نسخةً جديدةً من العنف والمواجهات والحرائق، خصوصاً أعمال الشغب والنهب والسرقة التي طالت ما لا يقل عن 3 آلاف مخزن ومتجر، فضلاً عن إحراق مبنى بلدية مدينة ليموج التاريخي ومبنى المركز السياحي التاريخي أيضاً في مدينة ليون، ثالث المدن الفرنسية، ومقر رئيسة بلدية بوردو، واقتحام مقر بلدية مرسيليا.

جانب من الاشتباكات التي شهدتها مدينة ستراسبورغ يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

والصور التي نقلتها القنوات العالمية عمّا حصل في باريس ومدن أخرى كانت سيئة، لا بل مهينة للحكومة الفرنسية، التي أقرَّ وزير داخليتها، لوران نونيز، الاثنين الماضي، بأن قواته «فقدت السيطرة على الوضع». ورغم اعتقال، نهاية الأسبوع الماضي، 3 آلاف من المتظاهرين والمشاغبين والسارقين وسوقهم أمام المحاكم، فإنَّ الحذر الحكومي كان سيد الموقف.

وانعكس ذلك في التعبئة الأمنية الاستثنائية ليوم السبت. وبحسب وزارة الداخلية، فقد تمَّ نشر 70 ألف رجل شرطة ودرك مدعومين بفرق مكافحة الشغب وفرق النخبة المتخصصة الأخرى في قوى الأمن الداخلي. كذلك، استُدعيت وحدات من الجيش وفرق الخيالة والطوافات والمسيّرات والسيارات المصفحة. وباختصار، فإن السلطات أخرجت من ثكناتها كل ما تمتلكه للمحافظة على الأمن ودرء اتهامها بـ«التقصير». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد اتهم جماعات من أقصى اليسار بأنها «تسعى لإسقاط الجمهورية».

شرطي يقف وراء سحابة من الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة في بوردو يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

واستبق نونيز، في كلمة له صباح السبت، انطلاق المظاهرات عبر البلاد ليؤكد «وجود دعوات مهمة صادرة عن حركات سياسية ومجموعات من المشاغبين لإثارة البلبلة»، في إشارة إلى اليسار الأكثر تطرفاً وراديكالية. وفي ردٍّ مسبق على الاتهامات الموجَّهة للقوى الأمنية بالإفراط باستخدام القوة، طمأن نونيز قواته بأنها «تحظى بدعم القيادات ووزير الداخلية»، مشيراً إلى أنها «تعمل في الإطار الشرعي والقانوني»، وأنَّ ردود فعلها «متناسبة» مع ما يقتضيه الوضع. واستطرد قائلاً: «لن نتساهل مطلقاً مع مثيري الشغب وممارسي أعمال النهب»، متعهداً بتنفيذ تدخلات أمنية «تتسم بقدر كبير من الحزم».

اتهامات للسلطة

لم تكتفِ السلطات بذلك، إذ عمدت عبر المديرين الأمنيِّين في المدن الكبرى والأقاليم إلى حظر التجول في المناطق الحساسة في المدن، وتعطيل حركة النقل العام، ومنع كثير من المظاهرات.

شارك 110 آلاف شخص في مظاهرة باريس التي انتهت باشتباكات محدودة مع رجال الأمن يوم 24 أكتوبر (رويترز)

كذلك، لجأت إلى «تكتيك» معروف يقوم على تحديد مسارات للمظاهرات التي سمحت بحصولها بعيداً عن وسط المدن ومقرات السلطة والشوارع التجارية، بحجة تجنب التكسير والنهب، وهو ما حصل في باريس ومرسيليا وأورليان وغيرها من المدن. وصدرت قرارات بمنع التظاهر في مدن كثيرة منها نيس، ومونبلييه، وبوردو، ونانسي، وميتز، وبيزانسون، وروان، وتولون، ولو هافر.

وحتى صباح السبت، كان الجدل ما زال قائماً بين النقابات التي دعت إلى التظاهر في باريس وبين مديرية الشرطة حول مسار المظاهرة الوحيدة في العاصمة التي سمح بها. وغيَّرت مديرية الشرطة مسارها في الساعات الأخيرة ما أوجد حالةً من البلبلة. إلا أنها انطلقت، في النهاية، من «ساحة إيطاليا» باتجاه شرق باريس وصولاً لما يُسمى «مدخل فانسان». واتهم بنجامين بال، الناطق باسم «تنسيقية السترات الصفراء»، الحكومة بانتهاك «حرية التظاهر» وانتهاج «سلوك سلطوي».

وفي باريس، أغلقت المتاحف أبوابها بوجه الزوار، وأولها متحف اللوفر، وتبعته متاحف «أورسيه»، و«بيكاسو»، و«القصر الكبير»، و«القصر الصغير».

وبالتوازي، توقّفت الزيارات في «قصر فرساي» منذ الظهيرة، وكذلك حال «المكتبة الوطنية الكبرى» و«أوبرا باريس» و«أوبرا باستيل». ولإعاقة تنقلات المتظاهرين وقطع الطريق على المشاغبين، أُغلقت كثير من محطات المترو وتوقف السير في عدد من الخطوط، بينما الأمر نفسه ينطبق على حافلات التروماي. وعمدت الشركة المشغلة للدراجات الهوائية في باريس، التي أُحرق كثير منها الأسبوع الماضي في «السبت الأسود»، إلى إغلاق 110 مراكز.

وباختصار، فإنَّ باريس نادراً ما شهدت هذا النوع من التدابير الأمنية التي حوَّلتها بشكل ما إلى «مدينة تحت الحصار».

مناوشات محدودة

الواضح أن هذه التدابير، مقرونة بالطقس العاصف، نجحت في خفض حدة التوتر. فبدت مظاهر العنف التي سادت نهاية الأسبوع الماضي أقلّ انتشاراً.

في باريس، أفادت مصادر الشرطة بأن 110 آلاف شخص شاركوا في المظاهرة وهي الوحيدة التي سُمح بها. وهذا العدد يتطابق مع عدد متظاهري العاصمة الأسبوع الماضي. وبعد أن سارت المظاهرة في العاصمة بهدوء، حصلت اشتباكات محدودة بنهايتها بين مجموعة من الأشخاص الملثمين ورجال الشرطة الذين عمدوا إلى توقيف العشرات من الأشخاص.

متظاهر خلال اشتباكات مع قوات الأمن خلال مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وسعت هذه المجموعة إلى إقامة حواجز في الشوارع، وألقت الحجارة وكل ما وقع بين يديها على الأمن الذي ردَّ بالقنابل المسيلة للدموع. وتسعى القوى الأمنية إلى منع هؤلاء المشاغبين من التفرُّق والولوج إلى أحياء العاصمة، بينما المواجهات تدور على أحد مداخلها.

وفي مدينة ليون، ثالث أكبر المدن الفرنسية، جرت عمليات كر وفر، وسعت قوات الأمن إلى منع مجموعات من المتظاهرين من الوصول إلى وسط المدينة. كذلك حصلت مناوشات محدودة في مدينة بوردو، رغم منع المظاهرة التي جمعت 15 ألف متظاهر. والأمر نفسه تكرَّر في مدينة كليمرون فيران (وسط فرنسا) مع القوى الأمنية التي لجأت، كالعادة، إلى استخدام الغاز المسيل للدموع.

أما في مدينة أورليان (جنوب باريس)، حيث يلتئم المؤتمر العام لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده مارين لوبان، كان التوتر أكثر حدة. فقد خرج الآلاف من الرافضين لـ«التجمع الوطني» وآيديولوجيته للتظاهر. وحرصت مديرية الشرطة على منع الاحتكاك بينهم وبين أنصار لوبان، كما منعت مظاهرة مقررة الأحد.

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وتفيد استطلاعات الرأي بأن لوبان هي الأوفر حظاً في التأهل للجولة الانتخابية الحاسمة والفوز برئاسة الجمهورية في رابع محاولة لها. وليس سراً أن حالة فرنسا، خصوصاً المالية، تثير قلق شركائها في الاتحاد؛ بسبب ارتفاع مديونيتها (3600 مليار يورو)، وفائدة استدانتها (أكثر من 5 في المائة)، ونسبة الدين لناتجها الداخلي الخام (119 في المائة).

في أي حال، كان مرتقباً أن يتراجع العدد العام للمتظاهرين؛ بسبب منع التظاهر في عشرات المدن. كذلك، فإن كثيراً ممن تظاهروا الأسبوع الماضي (ما بين 550 ألفاً و800 ألف متظاهر) عدلوا عن النزول إلى الشوارع؛ إما بسبب الخوف من القنابل المسيلة للدموع، أو من الأسلحة الأخرى غير المميتة التي تستخدمها وحدات محاربة الشغب، ومن بينها القنابل الصوتية وقنابل فك الحصار (عن رجال الأمن) والرغبة في الابتعاد عن المشاغبين والغوغائيين واللصوص.

ولم يعرف ما إذا كان انفتاح الحكومة على الطلاب قد كان له أثر إيجابي. فالرئيس ماكرون استقبل ممثلين عنهم الجمعة، بينما يتوقّع أن يستقبلهم رئيس الحكومة الاثنين. ولم تتغيَّر المطالب؛ إن كان بالنسبة لطلبة التعليم الثانوي أو الجامعي، التي تتلخص بتوفير الأساتذة البدلاء، وإصلاح الأوضاع المادية للمدارس، والتخلي عن آلية توجيه الطلاب في المرحلة الجامعية، وتوفير ما لا يقل عن 250 ألف فرصة مقعد جامعي من مختلف الاختصاصات.

وسار التلامذة والطلاب، السبت، إلى جانب النقابات العمالية و«السترات الصفراء»، ما يعكس الترابط بين الأطراف؛ ذلك أن الجميع يشكو من غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية مع مطالبة عامة برفع الرواتب، وتحديداً رواتب الحد الأدنى. بينما «السترات الصفراء» تشكو من ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والغاز، وكلها تسهم في تدهور المستويات المعيشية. ويحصل ذلك كله وسط مناخ اجتماعي وسياسي متوتر بينما البلاد تتأهب لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أقل من 200 يوم.

ميلونشون يتصدَّر مظاهرة باريس

وكما في الأسبوع الماضي، تصدَّر جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي وزعيم حزب «فرنسا الأبية» المسيرة الباريسية، محاطاً بمسؤولين من حركته.

رجل شرطة خلال دورية قرب جادة «شانزليزيه» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وتتهم الحكومة واليمين، بجناحيه التقليدي والمتطرف والإعلام الموالي له، ميلونشون بالنفخ في نار التمرُّد، واستغلال المظاهرات سياسياً؛ الأمر الذي ينفيه قطعاً. ونبّه الأخير الرئيس ماكرون إلى أن عليه التجاوب مع المطالب المرفوعة. وحذَّره من أنه إذا لم يفعل، فإنه «سيفهم أن ما يحصل (اليوم) سوف يتكرَّر كل أسبوع».

وتتجه الأنظار منذ الآن إلى الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث أطلقت نقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» القريبة من «الحزب الشيوعي» دعوةً من أجل إضراب عام، ما يعني عملياً أن البلاد دخلت في دوامة من الحراك.

ويُجمع المراقبون على أن حصر التعامل مع الاحتجاجات في الجانب الأمني لن يسهم في إطفائها، وبالتالي فإنها تحتاج لحلول سياسية واقتصادية ومالية. لكن وضع ميزانية الدولة لا يتيح للحكومة أن تتجاوب مع رفع الرواتب أو تخصيص 10 مليارات يورو للتعليم الثانوي. من هنا، فإن ما يحصل راهناً لن يكون نهاية الحراك الاجتماعي.