التجارب النووية تساهم في اكتشاف الأعمال الفنية المزيفة

زيادة الكربون 14 في الجو أتاح الفرصة لتحديد عمر المادة المستخدمة

TT

التجارب النووية تساهم في اكتشاف الأعمال الفنية المزيفة

كيف يمكنك التعرف على لوحة فنية مزيفة بطريقة عصرية حديثة؟ ربما يكمن الحل في اختبارات الأسلحة النووية التي بدأت منتصف القرن العشرين. فقد ظل العلماء يعملون لسنوات على تطوير طرق وأساليب لتحديد عمر لوحة فنية باستخدام تقنية الكربون المشع والآثار الممتدة للاختبارات. وقد حدد فريق من الباحثين عمر عمل فني باستخدام شريحة من الطلاء، بحجم بذرة خشخاش، بحسب دراسة تم نشرها خلال الأسبوع الماضي في دورية «إجراءات الأكاديمية الوطنية للعلوم». وقال غريغ هودغينز، أستاذ في جامعة «أريزونا» الأميركية، يشرف على معمل مخصص لتحديد عمر الأشياء باستخدام الكربون المشع، ولم يكن مشاركاً في الدراسة: «إنه إنجاز فني مذهل».

- «ذروة التجارب النووية»
تتيح طريقة تحديد عمر الأشياء بالكربون المشع، التي تم التوصل إليها في أربعينيات القرن العشرين، للعلماء معرفة عمر مجموعة متنوعة من المواد، بما فيها الوقود الحفري، ورسوم الكهوف، والمخطوطات الجلدية، من خلال فحص أنواع ذرات الكربون بها. تُعرف ذرات العنصر الواحد مختلفة الكتل، باسم النظائر، وتعد نظائر كربون 12 و13 مستقرة، على عكس كربون 14. تلك النظائر متقاربة لدى الكائنات الحية، لكن بمجرد موت المادة الحية تتحلل ذرات كربون 14، ما يمكّن العلماء من تحديد عمر تلك المادة الحية، حتى إن كانت الوفاة قبل آلاف السنوت، وذلك من خلال حساب النسبة بين نظائر الكربون تلك. مع ذلك، تعرقلت تلك المعادلة منذ نصف قرن مع ظهور التجارب النووية. فالكربون 14 يتكون بشكل طبيعي عندما تتصادم الأشعة الكونية ذات الطاقة الهائلة مع ذرات النيتروجين الموجود في الجو، لكن التجارب النووية القوية، التي يتم إجراؤها فوق الأرض، والتي بدأت منتصف القرن العشرين، أدت إلى زيادة كربون 14 الذي يخرج من النيتروجين الموجود في الجو. وقد ارتفع مستوى الكربون 14 بدرجة كبيرة خلال نحو عقد، ما دفع إلى توقيع معاهدة حظر تجارب الأسلحة النووية عام 1963. ومن المؤكد أن تلك المستويات قد تضاعفت في الجو الآن.
وقالت لورا هندريكس، باحثة دكتوراه في جامعة زيوريخ في سويسرا، والمؤلفة الرئيسية لهذه الدراسة: «ذروة التجارب النووية طريقة فريدة حقاً»، في إشارة إلى ارتفاع مستوى الكربون 14 في الجو. وأضافت قائلة: «يمكن استخدام تلك الطريقة في كثير من المجالات، فهي رائعة، وإن لم تكن مؤشراً جيداً».
يشبه تأثير التجارب النووية دفع عقارب الساعة إلى الأمام، بحسب هودغينز؛ حيث يوضح قائلاً: «بحسب مصطلحات تحديد عمر الكربون الكوني، يشبه الأمر السفر عبر الزمن إلى المستقبل بنحو 5 آلاف عام. تظهر تلك الزيادة في كربون 14 في أي مادة عاشت أو ماتت بعد عام 1963، بما في ذلك الخشب والألياف، وينطبق ذلك على الدعامات أو قماش الكنفاس المستخدم في أي عمل فني معاصر أو المادة الحية المستخدمة لتثبيت الصبغات في اللوحات الحديثة».

- تجربة الطريقة
ظهرت فكرة التعرف على حالات التزييف من خلال تحديد عمر مادة التثبيت المستخدمة في تلوين اللوحات، كما فعلت هندريكس وزملاؤها، في الدراسة عام 1972. وفي عام 2015 استخدم خبراء في إيطاليا أليافاً من قماش الكنفاس المستخدم في الرسم في اكتشاف زيف لوحة منسوبة إلى الفنان الفرنسي فرناند ليجيه ومملوكة لمؤسسة «سولومون غاغينهايم». مع ذلك، لطالما كانت هناك وسائل للتحايل على تلك الطريقة وتفاديها؛ حيث يعيد المزيفون استخدام قماش الكنفاس القديم، لإحكام عملية التزييف، ما يبطل فعالية اختبار ألياف ذلك القماش. وكانت هناك حاجة على مدى التاريخ إلى إجراء عمليات تحليل مثلما فعل العلماء في نهاية الثمانينات، عندما اكتشفوا زيف كفن تورينو، الذي كان يتم نسبه إلى المسيح؛ حيث استخدموا عينات بحجم طابع البريد لإجراء اختبارات الكربون المشع.
كانت العينات، التي استخدمها الفريق في الدراسة، والتي تم نشرها في 3 يونيو (حزيران)، صغيرة جداً. وقد مكّن التقدم التكنولوجي الباحثين من تحليل عينات بحجم شعيرات دقيقة من ألياف قماش الكنفاس، لا يزيد طولها عن بضع مليمترات وعينة من الطلاء لا يزيد حجمها على نصف مليمتر مكعب.
تم أخذ تلك العينات من عمليات تزييف معروفة، من بينها لوحة تصور مشهد قرية تعود إلى القرن التاسع عشر، تم الزعم أنها تعود إلى عام 1866. لكن في الواقع تم رسم تلك اللوحة في ثمانينات القرن العشرين على أيدي روبرت تروتر، فنان تم سجنه لاحقاً وفرض غرامة عليه لبيعه عشرات من تلك اللوحات المزيفة. وأصدر قاضٍ حكماً بتسليم بعض تلك اللوحات إلى خبراء، من أجل دراسة الطرق التي يستخدمها المزوّرون. وقام الفريق بتنظيف العينات، بوضعها في مادة مذيبة وحمض لإزالة الملوثات والطلاء، ثم تسخين العينات إلى 1.750 درجة فهرنهايت، من أجل إطلاق ثاني أكسيد الكربون، على حدّ قول هندريكس. ويتم بعد ذلك جمع الغاز ووضعه في مسرع جسيمات حيث يمكن تصنيف ذرات الكربون الموجودة في العينة والمقارنة بينها.
لم تكن نتائج ألياف القماش قاطعة أو واضحة، وقام تروتر بإعادة تدوير القماش القديم المستخدم في اللوحات المزيفة، وتمكنت هيندريكس بالتعاون مع زملائها من معرفة أن تلك الألياف يعود تاريخها إلى الفترة بين نهاية القرن السابع عشر ومنتصف القرن التاسع عشر. مع ذلك، كانت تروي مادة التثبيت في اللوحة قصة أخرى؛ حيث كانت حديثة وقت رسم اللوحة. بحسب تحليل فريق هيندريكس، احتوى الزيت المستخدم كمادة تثبيت في لوحة تروتر على كمية كبيرة من الكربون 14. وكان مصدره من بذور تم حصادها خلال الفترة من 1958 حتى 1961، أو من 1983 حتى 1989، أي بعد التاريخ الزائف الذي ذكره تروتر.

- ليس هو الحل المباشر السهل
رغم أن تلك الطريقة الموضحة في الدراسة نافعة ومفيدة في اكتشاف عمليات تزييف الأعمال الفنية، هناك حدود تحكمها وتقيدها. ويقول هودغينز: «إنه تقدم مهم، لكنه ليس حلاً سهلاً ومباشراً»، فاستخدام الكربون المشع في تحديد عمر الأشياء مدمر بطبيعته. وفي الوقت الذي أوضح فيه الفريق القائم على الدراسة إمكانية إجراء التحليل باستخدام عينات صغيرة، لا يزالون بحاجة إلى إزالة المواد من اللوحة. إلى جانب ذلك، ربما تكون عملية تنظيف العينة من الملوثات المحتملة صعبة. كذلك يبدو أن نفع الاسترشاد بذروة التجارب النووية في تراجع أيضاً، نظراً لبدء عودة الكربون 14 الموجود في الجو إلى مستوياته قبل التجارب النووية بعد امتصاص المحيط له، ومن المتوقع أن ينخفض مستواه بدرجة أكبر، مع استمرار انبعاثات الوقود الحفري وتأثيرها عليه. نتيجة لذلك، من المرجح أن يؤدي استخدام تلك الطريقة في المستقبل إلى نتائج متباينة قبل وبعد فترة التجارب النووية.
كذلك من المرجح أن يظل لتلك الطريقة بعض القيمة، لكن سيكون من الضروري استخدامها، إلى جانب طرق أخرى للتحقق من عمر المادة، على حد قول خبراء. وتقول هندريكس: «ربما تظل تلك الطريقة مفيدة، لكنها ستزداد صعوبة. سيكون الأمر بمثابة أحجية يتم تجميع أجزائها».
- خدمة «نيويورك تايمز»



«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة السعودية الرياض خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، مع تنوع تشهده بين حي وآخر في الميزات المختلفة، والمظاهر الجاذبة.

وعلى الرغم من وجود إحدى فعاليات «الحوامة» في حي حطين (شمال الرياض) أثناء تصدِّي وزارة الدفاع السعودية لـ4 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه العاصمة، أُقيمت «الحوامة» في الحي ذاته بمشاركة العوائل، والأطفال الذين جابوا البيوت طلباً للحلوى وسط أجواء يغمرها الفرح والبساطة، ويسودها الأمن والاستقرار.

ونظّمت مؤسسة الحوامة هذه الفعالية، التي انطلقت عام 2015 كمبادرة بسيطة بين جيران الحي، وتحولت مع مرور السنوات إلى تجربة مجتمعية ينتظرها كثيرون كل عام.

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

وترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد، وارتبطت هذه المناسبة بعادات الجيران وتقاربهم، قبل أن تتراجع ممارستها مع تغير أنماط الحياة، غير أن إحياءها في مدينة الرياض جاء بدافع من مجموعة من سكان المنطقة لإعادة هذه العادة إلى الواجهة، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار، وتلقت توسعاً تدريجياً عاماً بعد آخر.

وقالت نجلاء المنقور، المديرة التنفيذية لـ«الحوامة»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهدف من الفعالية لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمتد إلى إحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، إضافة إلى تعزيز روح الجيرة والتواصل الاجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع هذه المظاهر في الحياة اليومية».

وأضافت المنقور أن «رسوم المشاركة، البالغة نحو 185 ريالاً (49 دولاراً)، تمثل مساهمة مجتمعية لدعم إقامة الفعالية، في غياب الرعايات الرسمية»، مشيرةً إلى أنها «تُستخدم لتغطية تكاليف التنظيم، بما في ذلك تجهيز الشوارع، وتركيب الإنارة والزينة، وإعداد أكياس الحلوى والأنشطة المصاحبة، بما يضمن تجربة آمنة ومنظمة للأطفال».

تحولت «الحوامة» من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات (تصوير: تركي العقيلي)

وشهدت «الحوامة» منذ انطلاقتها إقبالاً متزايداً، إذ تحولت من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات، ويتم خلالها توزيع الحلوى على الأطفال والعروض الترفيهية والثقافية المرتبطة بالتراث الشعبي، بالإضافة إلى الشوارع المزينة بالأنوار.

وبحسب المنقور، يحرص كثيرون على تكرار التجربة لما تحمله من أجواء تراثية واجتماعية مميزة، لكن تنظيم الفعالية لا يخلو من التحديات، حيث يحمل كثيراً من الجهد المطلوب لإقامتها سنوياً، ومع ذلك، يواصل فريق عمل المؤسسة الحفاظ على هذا التقليد وإحياءه بروح معاصرة.

وأكدت نجلاء حرصها على إقامة «الحوامة» في كل عام، واستيفاء التراخيص اللازمة من «أمانة الرياض»، إيماناً منها بأهمية استمرار هذا الموروث، مُنوِّهة أنه رغم التحديات، فإن الحماس الذي تبديه الأطفال والعائلات يدفعها إلى مواصلة العمل سنوياً بإصرار وشغف، وتسعى لتطوير الفعالية تدريجياً في السنوات المقبلة، مع الحفاظ على طابعها التراثي.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.


محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
TT

محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)

تحدث المؤلف محمد سيد بشير عن كواليس كتابته مسلسل «الست موناليزا»، الذي عُرض في موسم الدراما الرمضاني الحالي، وحقق جدلاً وحضوراً لافتاً، مؤكداً أن «الفكرة بدأت من رغبته في تقديم قضية لها علاقة بالمرأة، وأن هذا الشعور نتج من الحكايات التي تدور من حوله أو اطلع عليها عامة»، كما تحدث بشير عن علاقته بالمخرج محمد سامي، وتفاصيل الأيام الأخيرة من تصوير «الست موناليزا»، خصوصاً بعد وفاة والد الفنانة مي عمر بطلة العمل.

وقال محمد سيد بشير، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت حكاية (الست موناليزا) عندما تم التوافق بيني وبين الفنانة مي عمر على طرح قضية تخص المرأة، وشعرنا أن أحداث (الست موناليزا) هي هدفنا المشترك لتنفيذ الفكرة».

يذكر أن مسلسل «الست موناليزا»، مستوحى من قصة حقيقية، حسبما أكد الكاتب محمد سيد بشير، من بطولة مي عمر، وأحمد مجدي، وشيماء سيف، وسوسن بدر، ومحمد محمود، ومصطفى عماد، وإنجي المقدم، ومحمود عزب، ووفاء عامر، وإخراج محمد علي.

ويصف بشير الفنانة مي عمر بأنها «فنانة محترفة ومهنية جداً، ومن أمهر مَن عملت معهم في الدراما، فهي دؤوبة بشكل لا يوصف، وقبل بداية التصوير جمعتنا جلسات عمل مطولة فيما يتعلق بكل تفاصيل السيناريو، وهذا أفاد الشخصية التي خرجت للناس طبيعية على الشاشة ونالت إعجابهم».

الملصق الترويجي لمسلسل «الست موناليزا» (الشركة المنتجة)

وعن تعمده جذب الناس واستفزازهم عبر إظهار البطلة ساذجة وغبية أحياناً، أوضح بشير أنه عرض الشخصية بكل تفاصيلها، مضيفاً: «لدينا فئات بالمجتمع لا تملك الوعي الكافي، و(موناليزا) كانت طيبة، وليس لديها إدراك بالشخصيات السامة بالمجتمع، ولم تكن ساذجة كما يقال، لذلك كانت ضحية لهم».

ويستكمل بشير حديثه قائلاً: «(موناليزا) كانت تملك مشكلة فقد أسرتها منذ الصغر، ولذلك كانت متعلقة بكل مَن تحبهم وقلقة من فكرة ابتعادهم، وعندما أحبت (حسن) كان لديها هذه الأزمة ولم تكن ترغب في فقدانه، وبالتالي كانت تصدقه وتجد له مبررات طوال الوقت، وهذا الأمر استفز الجمهور الذي يرى المشكلة من منظوره ومدى وعيه وتربيته، ولا يعرفون أن هناك شخصيات بهذا الشكل فعلاً، ويملكون هذا الشعور»، مؤكداً أن الطيبة هي السبب في إيصال بعض الفتيات لمثل هذا المصير والتدمير المعنوي.

وعن استعانته أو تأثره أثناء الكتابة ببعض أبطال حوادث حقيقية شهيرة انتشرت أخيراً على «السوشيال ميديا» من بينها حادث «عروس المنوفية»، خصوصاً شخصيتي «الحماة والزوج»، نفى محمد سيد بشير هذا الأمر، مؤكداً أن «نهاية القصة الحقيقية التي استوحى منها (الست موناليزا) كانت أسوأ مما شاهده الناس، وأن هذا النوع من القصص كثير جداً، فقد عرض علينا بعد المسلسل أسوأ من ذلك وأتمنى ألا يخوض أحد مثل هذه التجربة مطلقاً».

كواليس مسلسل «الست موناليزا» (فيسبوك)

وكشف المؤلف المصري أن نهاية العمل كانت مكتوبة منذ البداية وقبل التصوير، ولم يحصل تعديلات أثناء العرض مثلما يعتقد البعض، مضيفاً: «عندما حدثت أزمة وفاة والد مي عمر، كان قد بقي 3 أيام تصوير ومروا بصعوبة بالغة، ولكن في حقيقة الأمر مي عمر كانت بطلة وقوية، وعلى قدر المسؤولية لاستكمالها التصوير في هذه الظروف، وعلى الرغم من قسوة الموقف لكنها عبرت بالعمل وفريقه لبر الأمان».

وعن حديث البعض عن وجود تدخلات مستمرة بالعمل من ناحية المخرج محمد سامي زوج الفنانة مي عمر، قال بشير إن «المخرج محمد سامي بالنسبة لي (الأب الروحي) وأول عمل لي ضمن ورشة كان من إخراجه، ولم أرَ منه أي تدخلات في (الست موناليزا) بل كان يعطينا رأيه ونتناقش معه ويدعمنا طوال الوقت، كما أنني حريص على التواصل معه دوماً للحديث عن أعمالي»، لافتاً إلى أن «السوشيال ميديا»، بالغت في هذا الجانب، خصوصاً أنه العمل الأول لمي عمر بعيداً عن محمد سامي سواء في الإخراج أو الكتابة.

ونفى محمد سيد بشير أن يكون المؤلف في أي عمل هو العامل الأساسي في تغيير جلد الفنان وتقديمه على الشاشة بشكل مختلف، مؤكداً أنه من أنصار العمل الجماعي، وأن جميع صناع العمل الدرامي يفضلون التغيير عادة، كما أن فريق (الست موناليزا)، كان يرغب في تقديم دراما مختلفة تنال رضا واستحسان الناس».