إيطاليا تعد العالم بمغامرة جديدة مع التطرف الشعبوي

في ظل تصاعد نفوذ سالفيني بعد اختبار الانتخابات الأوروبية

إيطاليا تعد العالم بمغامرة جديدة مع التطرف الشعبوي
TT

إيطاليا تعد العالم بمغامرة جديدة مع التطرف الشعبوي

إيطاليا تعد العالم بمغامرة جديدة مع التطرف الشعبوي

لو عُدنا إلى التاريخ السياسي الإيطالي الحديث منذ مطالع القرن الماضي، أو إلى المراحل القديمة على أبواب عصر النهضة، يتبدّى بوضوح كيف أن هذا البلد الذي لم ينعم باستقرار الحكم حتى في أوج ازدهاره الاقتصادي وتألقه الفني والحضاري، كان على الدوام مختبراً سياسياً تولّدت فيه تيّارات ومنازعات لم تقف تداعياتها عند حدود شبه الجزيرة الإيطالية.
هنا ظهر «الشعبوي» الأول في الحقبة الحديثة عندما قفز سيلفيو برلسكوني إلى الشهرة والحُكم على متن إمبراطوريته الإعلامية، التي كانت تتيح له تسويق ما شاء من وعود خلّبيّة ومزايا وهمية وافتراءات على خصومه، قبل أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي هي السلاح الأمضى بيد «الشعبويين الجدد»، الذين فرّخوا في التربة التي خصّبها برلسكوني طوال سنوات بلا محاسب أو رادع.
وقبل برلسكوني و«شعبويته»، هنا شهدت «الفاشيّة» النور على يد بينيتو موسوليني، وأيضاً بدأت الأحزاب الشيوعية الأوروبية رحلة العودة إلى الديمقراطية الاجتماعية مع زعيم «المساومة التاريخية» إنريكو برلينغوير... وهنا أيضاً كانت بداية النهاية للأحزاب التاريخية الكبرى: الديمقراطية المسيحية يميناً والاشتراكية يساراً.
وأيضاً، في إيطاليا دشّنت أوروبا ظهور الحركات الانفصالية مع «رابطة الشمال»، وشهدنا كيف تكفي أشهر قليلة لكي تتبخّر الأحزاب والقوى اليسارية، وكيف يعود اليمين المتطرف إلى الحكم للمرة الأولى في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

التحوّلات السياسية التي شهدتها إيطاليا خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي ترسّخت في الانتخابات الأوروبية، أواخر الشهر الماضي، تعلن بداية فصل جديد في المشهد السياسي أخطر ما فيه أنه قد يكون عنوان المرحلة المقبلة في أوروبا المُبحرة بين أنواء عاتية من الداخل كما من الخارج.
إنها المرحلة التي بدأ ينتقل فيها اليمين المتطرّف من دكّ أسوار القلعة الأوروبية إلى التمركز في أبراجها العالية لإملاء شروطه عند وضع خريطة الطريق المقبلة.
عندما تشكّلت الحكومة الائتلافية الحالية في إيطاليا قبل سنة بين «حركة النجوم الخمس» وحزب «الرابطة» (بعد إسقاط كلمة «الشمال» من اسمه) في أعقاب مخاض عسير طال ثلاثة أشهر، حقّق زعيم «الرابطة» ماتّيو سالفيني الهدف الأول، والأساسي، في خطته الاستراتيجية: الوصول إلى الحكم بأسرع وقت ممكن، والمباشرة في تطبيق الوصفات وتنفيذ الوعود التي كانت وراء انتصاراته الانتخابية المتلاحقة.
لم يتردد الزعيم اليميني المتطرف في استغلال رفض الحزب الديمقراطي (اليسار المعتدل) التحالف مع «النجوم الخمس»، ليعرض على الحركة توقيع عقد حكومي مشترك، بل وترك للحركة الاعتراضية لها اختيار الرئيس والحقائب الرئيسية مقابل تولّيه حقيبة وزارة الداخلية التي تشمل صلاحياتها ملفّي الهجرة والسياسة الأمنية.
منذ ديكتاتورية موسوليني لم تشهد الساحة السياسية الإيطالية تغييراً واسعاً وعميقاً كالذي شهدته منذ وصول سالفيني إلى وزارة الداخلية، متأهباً للصعود إلى مركز القوة السياسية الأولى، وطامحاً لرئاسة الحكومة.
لم يتوقف زعيم «الرابطة» (الذي أشرف على تحويلها من قوة انفصالية إلى قوة ترفع ألوية الشعبوية اليمينية المتطرفة على مستوى إيطاليا كلها) عند كسر التوازن الدقيق الذي كانت تقوم عليه معادلة توزيع القوى السياسية في إيطاليا، إطلاقاً، بل أغرق البلاد في بحر من التوتّر والغضب، وحوّل وزارة الداخلية إلى ما يشبه البث التلفزيوني المباشر؛ ينقل تحرّكاته ومهرجاناته وتصريحاته وتفاصيل حياته الخاصة على مدار الساعة.

«الفيسبوك»... و«الغريزة» الكاسرة

«الفيسبوك» هو عدّته الانتخابية الأساسية التي لا تكفّ عن الحركة، ولا يجاريه فيه أي من الزعماء الأوروبيين. وهو ينطلق فيه من برنامج متطوّر (يُقال إن المنظّر الأميركي اليميني المتطرف ستيف بانون، «مهندس» سياسات دونالد ترمب ساعده على تطويره) يرصد مزاج الشارع وينشر عبره التعليق المناسب في كل لحظة.
غير أن المحرّك الرئيس لـ«الماكينة السالفينية» هو الغريزة الكاسرة التي أخطأ خصومه طوال سنوات في تقدير تأثيرها على مجتمع يغلي في مرجل الركود الاقتصادي والبطالة والنقمة على الفساد والهجرة.
راهناً، يتولّى ماتّيو سالفيني منصب نائب رئيس الحكومة (بجانب وزارة الداخلية) بموجب الاتفاق الذي أبرمه مع «حركة النجوم الخمس» في السنة الماضية. يومذاك، جلس زعيم «الرابطة» إلى طاولة المفاوضات، وفي جعبته نصف الأصوات التي كانت قد حصلت عليها الحركة، لكنه اليوم يتصدّر المشهد السياسي الإيطالي بعدما حصد 34.5 في المائة من أصوات الإيطاليين في الانتخابات الأوروبية، مضاعفاً أصوات حلفائه في الحكم الذين يحارون كيف يتعاملون معه، ويترددون في معارضته خشية انفراط الائتلاف الحاكم.
سالفيني كان قد انقلب على أومبرتو بوسي، على «عرّابه» السياسي الأول ومؤسس «رابطة الشمال» الانفصالية، ثم انقلب على «عرّابه» الثاني روبرتو ماروني، قبل أن يهشّم برلسكوني الذي كان يتعامل معه بفوقيّة حتى الانتخابات العامة الأخيرة... التي التهمت فيها الرابطة الأصوات التي جمعها حزب «الفارس» طوال 24 سنة.
انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة كرّست هيمنة سالفيني على المعسكر اليميني والمحافظ في إيطاليا، ورفعت حزب الرابطة إلى مركز القوة السياسية الأولى، في حين خسر حلفاؤه في «حركة النجوم الخمس» نصف مجموع أصواتهم، فتراجعوا إلى المركز الثالث، بعد الحزب الديمقراطي، الذي استعاد قسماً من التأييد الذي كان قد خسره في الانتخابات العامة الأخيرة.
للعلم، نتائج الانتخابات الأوروبية، رغم أهميتها وتأثيرها المعنوي، لا تغيّر شيئاً في التوزيع الراهن للقوى البرلمانية في إيطاليا. ولأن سالفيني يدرك ذلك جيداً، ولا يريد المجازفة برصيده الكبير في بلد مشهور بتقلّب مناخه السياسي، فإنه أحجم منذ اللحظة الأولى عن المطالبة بتعديل توزيع القوى والنفوذ داخل الحكومة... مكتفياً بالتشديد على الإسراع في تنفيذ مقترحاته الأساسية التي قام عليها الاتفاق الحكومي، مثل خفض الضرائب وإعطاء مزيد من الصلاحيات الإدارية والمالية للحكومات الإقليمية.

رجل المرحلة المقبلة

هذا الموقف الحذر لسالفيني، الذي ما عاد يشكّك أحد في أنه رجل المرحلة المقبلة في إيطاليا، أحرج حلفاءه في الحكومة، وبات من المتعذَّر عليهم رفض مطالبه أو الالتفاف عليها، كما في السابق، خصوصاً بعد الهزيمة المريرة التي مُنيت بها «النجوم الخمس» أوروبياً. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الحركة تراجعت أيضاً في معظم الانتخابات المحلية التي أُجريت خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما في محافظات الجنوب التي كانت تعتبر خزّانها الانتخابي، لكن سالفيني تقدّم فيها أيضاً.
برلسكوني، من جهته، يواصل تركيز كل نشاطه على إقناع سالفيني بالتخلّي عن تحالفه الحكومي مع «النجوم الخمس»، والعودة إلى صيغة الانتخابات العامة الأخيرة التي شهدت انطلاقة الرابطة، التي يمكن أن تتعزّز بانضمام «الفاشيين الجدد» إليها بعد التقدّم الذي أحرزوه في الانتخابات الأوروبية، عندما حصلوا على 6.7 في المائة من الأصوات.
غير أن سالفيني يفضّل التريّث، ويقاوم الضغوط القوية لفك الائتلاف الحاكم. كذلك، لا يريد الإقدام على أي خطوة في هذا الاتجاه، بانتظار اتضاح مسار أزمة انهيار الحركة، التي نشأت فيما يشبه المختبر، لتستقطب الاستياء العارم الذي كان يجتاح إيطاليا، والتي تواجه اليوم أسوأ أزمة منذ تأسيسها. وكانت الحركة قد بلغت ذروة شعبيتها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حصلت على 33 في المائة من الأصوات بعد عشر سنوات فقط على انطلاقها، لكنها خسرت نصف شعبيتها في الانتخابات الأوروبية، تحت وطأة الركود الاقتصادي الذي فشلت الإجراءات الحكومية في معالجته، وأمام «إعصار سالفيني» الذي بسط هيمنته على أداء الحكومة منذ اليوم الأول.
وبجانب الركود، من الأسباب الأخرى التي أسهمت في تراجع الحركة: غياب البعد الأوروبي في مشروعها السياسي، وافتقارها إلى حلفاء في بلدان الاتحاد. وفشل الحركة الذريع في إدارة العاصمة روما التي فازت برئاسة بلديتها في الانتخابات البلدية الأخيرة. وفضلاً عن انحسار شعبيتها في الجنوب الذي خصّصت له أبرز إجراءاتها بتوفير دخل ثابت لكل مواطن عاطل عن العمل قدره 780 يورو شهرياً. وكان لافتاً، بالفعل، أن حزب الرابطة، الذي كان منذ أربع سنوات يطالب بانفصال مقاطعات الشمال عن إيطاليا، ويوجّه الاتهامات والانتقادات العنصرية ضد سكّان الجنوب متهماً إياهم بالفساد والكسل، حقق أفضل النتائج في المحافظات الجنوبية.

أزمة «النجوم الخمس»

الخسارة المرّة التي أصابت «النجوم الخمس» في الانتخابات الأخيرة فتحت باب أزمة قيادية سرعان ما حُسِمت باستفتاء أكّد زعامة لويجي دي مايو، الذي أعلن خطة لإعادة هيكلة الحركة وتنشيط حضورها الميداني بعدما كانت حتى الآن تنشط حصراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبعد اعتراف دي مايو بـ«المسؤولية المشتركة عن الهزيمة الانتخابية» الأخيرة، أكّد «أن البديل الوحيد الآن هو المقاومة والتأكيد على أن الحركة لن تتنازل عن مبادئها الأساسية، ورصّ الصفوف لمواجهة الأزمة».
على أي حال، ثمّة من يرى أن أزمة «النجوم الخمس» ناشئة عن خلل في التواصل مع القاعدة، وفشل في تعبئة المناصرين إبان الانتخابات، وأن الحركة بحاجة إلى زعيم من طينة سالفيني يشغل وسائل الإعلام يومياً بتحركاته وتصريحاته الناريّة. ويشير مراقبون إلى أن هذه المواصفات متوفرة في أحد زعماء الحركة، أليسّاندرو دي باتّيستا، الذي اكتفى بدور ثانوي حتى الآن، ولكن لم يعد مُستبعَداً أن يعود إلى الواجهة قريباً، بحيث «تتعادل» الحركة والرابطة في «الأسلوب القيادي» الذي لم يعد يشكّ أحد في أنه الأعلى مردودية في المشهد السياسي الإيطالي.
في المقابل، بينما تحاول الحركة لملمة هزائمها واستعادة أنفاسها، يتقدّم سالفيني بثبات نحو أهدافه فارضاً مشيئته على الحكومة بانتظار التوقيت المناسب للانقضاض عليها. وهو يفتح جبهات في الداخل والخارج على كل المستويات، فيفرض عقوبات على المواطنين الذين يقدّمون المساعدة للمهاجرين غير الشرعيين، ويحيل إلى القضاء رئيس بلدية رياتشي، القرية الجنوبية التي تحوّلت إلى مختبر اجتماعي وسياسي يستقطب اهتمام العالم منذ 15 سنة لتجربتها الناجحة في استقبال المهاجرين ودمجهم.

معركة مع الفاتيكان

لكن طموحات سالفيني لا تقف عند حد، ولا شيء يردعه عن خوض أي معركة يستشفّ أنها ستزيد من رصيده الانتخابي الذي يبدو بلا قاع. وكانت معركته الأخيرة ضد البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الذي جعل من قضيّة المهاجرين والعناية بهم أحد المحاور الرئيسية لحبريّته، والذي رفض حتى الآن استقبال سالفيني. ففي أواخر الشهر الماضي، بختام المهرجان الضخم الذي نظمته الرابطة افتتاحاً لحملة للانتخابات الأوروبية، وقف سالفيني أمام جمهوره محاطاً بقيادات الأحزاب اليمينية المتطرّفة المتحالفة معه في أوروبا. وبعد إطلاقه سلسلة من الانتقادات للإسلام والمهاجرين المسلمين، شن هجوماً مباشرا (لأول مرة) على البابا فرنسيس... منتقداً رؤيته ومواقفه من قضية الهجرة، بينما كانت الشاشة الضخمة وراءه تعرض صوراً للبابا يوحنا بولس الثاني والبابا بنديكتوس السادس عشر والكاردينال روبرت سارا مرشّح التيّار المتطرّف في الكنيسة الكاثوليكية لخلافة البابا الحالي. وعندما لفظ سالفيني اسم البابا فرنسيس ضجّ المهرجان بهتافات معادية تردّدت أصداؤها في أروقة الفاتيكان الذي تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى السدّ الأعلى في وجه سياسة الهجرة التي يفرضها الزعيم المتطرف على الحكومة الإيطالية.
جدير بالذكر أن الهجرة أيضاً من الملفّات التي تتضارب فيها مواقف الرابطة و«النجوم الخمس» التي، بعكس سالفيني، تتمتع بعلاقات ممتازة مع البابا فرنسيس، الذي غالباً ما يكرر قول هنري كيسنجر بأن «السياسة الإيطالية مفرطة في التعقيد ويعجز عن فهمها». وعندما يُسأل البابا عن سالفيني، يرد: «لا يجوز للمسؤول السياسي أن يزرع الحقد ويبذر الخوف».
الفاتيكان يعرف أن الرابطة بزعامة سالفيني هي اليوم الحزب المفضّل بين الناخبين الكاثوليكيين المحافظين. وثمّة استياء في بعض أوساط الكنيسة من هذا التوتّر غير المألوف في العلاقات مع الحكومة الإيطالية، لكن ثمّة من يذكّر أن البابا بيّوس الثاني عشر أعلن الحرمان الكنسي في حق مَن ينتخب الحزب الشيوعي في العام 1949، لكنه رفض أن يفرض الحرمان في حق الذين ينتخبون موسوليني.

بصمات ستيف بانون

قرار المواجهة المفتوحة مع البابا لم يتخّذه سالفيني وحده، بل جاء عملاً بنصيحة ستيف بانون، «مرشده» وحليفه الأميركي، الذي يعتبر أن البابا فرنسيس «ليس معصوماً عن الخطأ في القضايا السياسية»، ولذا يقترح على زعيم الرابطة أن يهاجمه بشكل مباشر ومركّز. ولقد بات واضحاً في ضوء التحالفات السياسية الأخيرة بين القوى اليمينية المتطرفة في الدول الغربية، والمواقف العلنية لرموز التيّار المحافظ في الكنيستين الكاثوليكية والإنجيلية، أن المعركة والرهانات أكبر بكثير، وأبعد من مجرّد الصراع على مكاسب انتخابية.
وفي غضون ذلك، تبقى إيطاليا في حال من الترنّح الحكومي الذي أصبح متوطّناً في المشهد السياسي، متأرجحة على ائتلاف عجيب بين «حركة» أسسها ممثّل كوميدي، و«رابطة» سياسية كانت منذ أربع سنوات تنادي بانفصال المحافظات الشمالية وتعتبرها غير إيطالية.
كل ذلك يؤشر إلى أن إيطاليا تسير، مرة أخرى، نحو كتابة فصل جديد في التاريخ السياسي للتطرف، لم تتضّح معالمه بعد، لكنه حتماً يثير القلق في أكثر من اتجاه وعلى مستويات عدة.
لا بد من المراقبة اليقظة لمسرى الرمال الإيطالية المتحرّكة في هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي والدولي، لأن فيه (ربّما) معالم النظام السياسي والاجتماعي الذي قد يتشكّل في المستقبل القريب.
ولا شك أن إيطاليا تتفرّد بخاصيّات لا نجدها في البلدان الأخرى: منظمات إجرامية على علاقة وطيدة بالنشاط السياسي، ومصالح خاصة واسعة النفوذ والتأثير، وفساد راسخ في النسيج الاجتماعي مصحوب بانعدام الثقة بالمؤسسات العامة.
لكن ما يُقلق أن العالم سائر نحو التشبّه بإيطاليا، وإن بنسبة أقل من الجمال الذي يفيض في هذا البلد... وبمعزل عن القدرة التي يتمتّع بها الإيطاليون على الإبحار فيما يشبه الهدوء فوق كل الأمواج.

ما الذي سيخرج في النهاية من المختبر الإيطالي؟

هل سيعود اليمين المتطرف لفرض تعصبه وظلاميته على أوروبا مجدداً، وعلى العالم أيضاً، هذه المرة؟ هل ستكون بداية نهاية نظام المؤسسات وإدارة الدول مثل الشركات الخاصة؟
وأين ستكون الحدود الفاصلة بين ما نرى ونسمع وما يحصل في الواقع؟
وهل ستُخرج إيطاليا من قبّعتها أرنباً جديداً لم يخطر بعد على بال أحد؟



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.