الصحافي سوتلوف تابع قصص العالم العربي من مصر واليمن وليبيا.. إلى سوريا حيث أصبح محور الأخبار

روى لـ «الشرق الأوسط»: حبه للعالم العربي وزيارته منزل أبو مصعب الزرقاوي

مراسل «الشرق الأوسط» عبد الستار حتيتة مع ستيفن سوتلوف الصحافي الأميركي
مراسل «الشرق الأوسط» عبد الستار حتيتة مع ستيفن سوتلوف الصحافي الأميركي
TT

الصحافي سوتلوف تابع قصص العالم العربي من مصر واليمن وليبيا.. إلى سوريا حيث أصبح محور الأخبار

مراسل «الشرق الأوسط» عبد الستار حتيتة مع ستيفن سوتلوف الصحافي الأميركي
مراسل «الشرق الأوسط» عبد الستار حتيتة مع ستيفن سوتلوف الصحافي الأميركي

كان شهر رمضان، والشمس حارقة، والثوار غير قادرين على اجتياز حواجز قوات القذافي في منطقة الوادي الأحمر، إلى الشرق قليلا من مدينة سرت التي كان يتحصن فيها العقيد الراحل. الوقت أغسطس (آب) من عام 2011. يقف ستيفن سوتلوف، الصحافي الأميركي الذي ذبحه عناصر ممن يسمون بـ«داعش» الأسبوع الماضي، بينما لم يكن في ذلك الوقت، يدرك، وهو يضحك ويكتب عن «الربيع العربي» في مصر، وليبيا، واليمن، أن مصيره سينتهي على شاشات التلفزيون عبر العالم في بدلة برتقالية والسكين على عنقه.
ظل سوتلوف، خريج جامعة «سنترال فلوريدا» الأميركية، مصرا على العمل بصفته مراسلا في منطقة الشرق الأوسط، متعاونا مع مجلة «تايم»، و«فوريين بوليسي»، ومطبوعات صحافية أميركية أخرى، وبين كل رحلة ورحلة، يأتي صوت والدته عبر الهاتف ومن وراء المحيط الأطلنطي، وهي تتوسل أن نقنع ابنها الحبيب للكف عن التردد على هذه البلاد الخطرة، بينما هو يستمع للمكالمة ويضحك قائلا إن والدته تبالغ، ويمسك الهاتف ويقول لها: «أنا الآن أسهر في ميدان التحرير بالقاهرة مع أصدقائي، أكلنا الكشري وندخن الشيشة».
وفي حديث سابق أجريته معه عن زيارته لمنزل عائلة أبو مصعب الزرقاوي الذي كان زعيما لتنظيم القاعدة بالعراق، قال سوتلوف: «نعم.. كان هذا من أهم الموضوعات.. وزرت من أجل هذا مدينة الزرقا التي ينتمي إليها الزرقاوي. أتذكر حين زرت عائلة الزرقاوي أن قام أحد الأطفال من أقاربه، وكان عمره نحو 6 سنوات، بقذفي بالحجارة حين علم أنني أميركي، بدأ بقذفي بالحجارة فجريت وقفزت داخل السيارة، وعرفت أن عائلة الزرقاوي كانت تكره الأميركيين ومن بينهم هذا الطفل أيضا. كان الزرقاوي عمه».
كان سوتلوف يدرس اللغة العربية في أحد المعاهد اليمنية قرب صنعاء، مستغلا هدوء المعارك بين الحوثيين والحكومة اليمنية عقب مفاوضات الصلح بعد «الحرب السادسة».. لكن حين تفجرت الأحداث في تونس في أواخر عام 2010، اضطر للانتقال على عجل من هناك لتغطية الثورة على الرئيس زين العابدين بن علي. ترك حقيبة ملابسه وكتبه، وهو أمر يتكرر معه دائما.. تركها وترك دراسة اللغة العربية وانتقل لتونس، على أمل أن يرجع منها سريعا لاستكمال حياته المؤقتة في اليمن، لكن الثورة انتقلت سريعا إلى مصر، فليبيا.
في حافلة أجرة صغيرة تنقل الصحافيين من السلوم إلى بنغازي كان الخوف هو العامل المشترك بين الجميع. من يضمن أن السائق لا يتبع قوات القذافي، أو أنه لن يسلمنا في أقرب نقطة تابعة للكتائب الموالية للنظام الذي كان يقاوم ضربات حلف الناتو من السماء وضربات المتمردين المسلحين على الأرض. وبدأ سوتلوف يجرب نتفا من اللغة العربية بلكنة يمنية، فطلب منه أحد الركاب، وكان صحافيا مصريا، الصمت، حتى لا يتسبب في إثارة الريبة في هذه البلاد المضطربة.
في بنغازي كان الهاجس أمام كثير من مراسلي الصحف الورقية العربية، يدور حول كيفية التوفيق بين أمرين، الأول: التدفق الإخباري اليومي الذي يملأ الإنترنت والفضائيات التلفزيونية عن الأحداث لحظة بلحظة، والثاني: محاولة الحصول على قصص مختلفة لم يسبق نشرها، وبينما كانت الطابعة الموجودة في مبنى محكمة بنغازي (مقر غرفة عمليات الثوار حينها) تخص العاملين في الغرفة شبه العسكرية، كانت أيضا تستغل لطباعة تقارير مراسل مجلة «تايم» عن الأحداث في ليبيا.
«إنه يكتب بطريقة يمكن التعلم منها»، هكذا يصيح المراسل المصري محاولا إقناع سالم المنفي، أحد مسؤولي غرفة العمليات في ذلك الوقت، من أجل طباعة المزيد من تقارير سوتلوف عن ليبيا، مثل قصته التي بناها على ظروف صاحب متجر في المدينة يكره القذافي، لكنه يتشكك في وجود مستقبل آمن لأولاده في حال سقوط نظام العقيد.
وكان سوتلوف يقوم بعملين متلازمين، الأول: متابعة ما يبث ويذاع، دون التورط في اجترار هذه الموضوعات التي أصبحت معلومة للعالم، والثاني: البحث عن زوايا جديدة لقصص إخبارية وإنسانية، ويحولها من حكايات على الهامش إلى قصص رئيسة، مثل التقاطه للتفاصيل الخاصة بتفجير مخازن الذخيرة في مطار بنغازي في ذلك الوقت. وهكذا أصبحت طريقة عمل سوتلوف مصدر إلهام لكثير من المراسلين الذين لم يكونوا قد تدربوا بعد على وسائل التغلب على التدفق الإخباري في عصر الإنترنت والفضائيات.
صحافيون يأتون ويمضون، بينما الاقتتال بين الليبيين لا يتوقف.. مراسلون يطلون برؤوسهم على خطوط الجبهات، ثم يرجعون سريعا خوفا من الرصاص المتطاير وقذائف الصواريخ، لكن سوتلوف، قصير القامة بجسده العريض المستدير، ولحيته الصفراء، ووجهه الطفولي، تجده يبتسم في صندوق واحدة من سيارات الدفع الرباعي وهي تنطلق ضمن رتل من أرتال المقاتلين إلى ما بعد مدينة إجدابيا؛ حيث الموت المحقق على أيدي قوات القذافي. كل رجل يمسك ببندقيته، وسوتلوف يمسك بـ«اللابتوب»؛ سلاحه الخاص به.
وتوغلت قوات «الثوار» إلى الأمام تحت الشمس الحارقة، بمعاونة كبيرة من قصف طائرات الناتو لكتائب القذافي. وبدأ شهر رمضان، وكان التراب الأحمر والنباتات الجافة والبارود، لها روائح نفاذة، وكان اليوم يبدو طويلا جدا دون طعام ولا ماء ولا تبغ. وكان سوتلوف لا يدخن، لكنه بين وقت وآخر يمكن أن يدخن سيجارة أو سيجارتين. ورغم ذلك صام مع المقاتلين 3 أيام، لكنه في اليوم الرابع، وكان يوما شديد الحرارة، غير رأيه.
ففي نحو الساعة الثانية ظهرا، أخذ سوتلوف قدرا صغيرا وحفنة من الأرز وقطعا من الطماطم والبصل، وقنينة زيت وزجاجتي مياه، وأخذ يمشي في الصحراء، إلى أن اختفى، وبعد ذلك بدأ الدخان ينبعث من أحد الأودية، وصاح أحد المقاتلين مازحا: «الأميركي يفطر.. كيف لم تتمكنوا من إدخاله الإسلام، إنه يحفظ سورة الفاتحة، وصام أول أيام رمضان، ويعرف قليلا من اللغة العربية، كان يمكن أن يهتدي».
وقال سوتلوف إنه كان يريد أن يكتب تقريرا صحافيا، وأنه لم يكن يمكنه كتابة ما يريد وهو يشعر بالجوع والعطش، وطلب من المقاتلين أن يغفروا له إفطاره في النهار، لكن عددا منهم رد عليه بمزيد من المزاح ما زالة الحرج، وقال أحدهم: حتى نحن لدينا من لا يستطيع القتال إلا إذا أفطر ودخن السجائر.
وضحكوا، وضحك معهم، ثم كتب تقريرا مطولا كشف فيه للعالم عن سر فشل المقاتلين في اجتياز منطقة الوادي الأحمر والبريقة طوال كل تلك الأسابيع.. «إنهم غير مدربين، هذا معلم في مدرسة لا يعرف أبسط قواعد صيانة سلاح كية 47 لدرجة أن السلاح انفجر في وجهه وشوهه تماما، وهذه مجموعة من سائقي الشاحنات الذين جاءوا للجبهة ويجربون منذ أيام إطلاق النيران من مدفع عيار 14.5، وفي كل مرة يخطئون الهدف ويفرون عائدين إلى إجدابيا».
وبدأ سوتلوف العمل بمنطقة الشرق الأوسط قبل 6 سنوات، وطاف في كثير من البلدان؛ حيث عمل أيضا معدا لبعض القنوات التلفزيونية الغربية.. وله هيئة رجل روسي، كما كان يتعامل معه السوريون للمرة الأولى، بسبب وجهه الأحمر المستدير ولحيته التي تضفي عليه ملامح سيبيرية. أما في ليبيا في ذلك الوقت، فقد انتقل في قارب من بنغازي إلى مصراتة الملتهبة، قبيل دخول الثوار مقر القذافي في طرابلس.
واختفى سوتلوف مجددا.. ربما سافر إلى اليمن أو إلى سوريا أو إلى الأراضي المحتلة، هذا خط سيره المعتاد، يكون حيث يكون النزاع والاقتتال والضحايا، هنا تنفتح شهيته ويجري وراء الناس العاديين ليعرف كيف يعيشون في هذا الجحيم. كنت في طرابلس الغرب، وفجأة ظهر مرة أخرى عبر اتصال هاتفي من بنغازي، كان الاتصال من أجل العمل؛ أن نجري تنسيقا للتحقيق في ملابسات تفجير القنصلية الأميركية في بنغازي في سبتمبر (أيلول) 2012، لم يكن أحد يعرف من هم المهاجمون، وما إذا كان الهجوم الذي قاموا به، وتسبب في مقتل السفير الأميركي في ليبيا و3 من زملائه، كان مخططا له أم عفويا، وفي بنغازي أخذنا نبحث عن الحراس الذين كانوا داخل القنصلية لحظة الهجوم عليها.
كان الحراس السبعة الذين كانوا داخل القنصلية لحظة الهجوم عليها قد جرى إخفاؤهم، ولم تستمع أي جهة تحقيق، بما فيها الـ«إف بي آي»، إليهم أو حتى التقوا بأي من هؤلاء الحراس، كان محققو «إف بي آي» في المبنى الذي يقع قرب الطريق الدائري للمدينة، وطلبوا من ضابط ليبي، أعتقد أنه كان يلقب بالمقدم «العومي»، تفتيشنا وتجريدنا من أجهزة التسجيل والتصوير وتركها في السيارة؛ أي على بعد 500 متر من مقر المبنى، وحين دخلنا عليهم كان سوتلوف غاضبا، وبدأ في التحدث معهم، إلا أنهم رفضوا إعطاءنا أي إفادات، ثم أخذ صوته يرتفع، وهو يتحدث بصفته أميركيا عن حق دافعي الضرائب في معرفة الحقيقة وما يدور، لكن رئيس المحققين كان يرد بكلمة واحدة يكررها مرة بعد مرة: «آسف.. آسف».
وبعد 3 أيام من البحث في أزقة بنغازي وحواريها، اتصل سوتلوف: «أريدك فورا.. يوجد رجل جريح في منزل أسرته في ضاحية الهواري.. هو من حراس القنصلية، وأصيب وقت الهجوم عليها»، كان الأب يجلس عند رأس ابنه المصاب، حالة من الذعر تسيطر على الأسرة، وقال لنا الأب إنه توجد تعليمات بعدم التحدث للصحافيين أو المحققين إطلاقا، وبعد مساومات تمكنا من الحصول على أرقام هواتف اثنين من الحراس الذين تصدوا للهجوم على القنصلية مع ابنه.
وبعد مناورات أخرى وافق الحارسان اللذان اتصلنا بهما، على مقابلتنا في الليل على شاطئ قرية سياحية تقع إلى الغرب قليلا من بنغازي، ولم نتحدث، ونحن في السيارة، عن الرعب التي بدأنا نشعر به.. فربما نقع في فخ، ولا نعود من هذا المشوار، لأن حراس قنصلية أميركا، وهذه المفاجأة الغريبة، كانوا جميعا من كتيبة 17 فبراير (شباط) التي يقودها إسلاميون متشددون، وأعتقد أن سوتلوف بدأ يتحدث عن فريقه المفضل لكرة السلة في أميركا «ميامي هيت»، لطرد الخوف.
وجلسنا على الشاطئ ننتظر لمدة ساعة، وأخيرا ظهر 3 حراس، وليس اثنين فقط، وأمضينا أكثر من ساعتين نطرح الأسئلة الدقيقة عليهم ونتلقى الإجابات عن أوصاف المهاجمين والطريقة التي اقتحموا بها المبنى، وكيفية مقتل السفير، واختفى الحراس في الجانب الآخر في الظلام ناحية البحر، وتوجهت مع سوتلوف بحثا عن سيارة أجرة، وحين شعرنا أن هناك من يتعقب خطواتنا في شوارع بنغازي، حملنا حقائبنا وهربنا من المدينة. وانفردت «الشرق الأوسط» بنشر تلك الشهادات في حينه، ولا أعرف إن كان سوتلوف قد تمكن من نشر القصة في أي من الصحف الأميركية، لأن ما حصلنا عليه كان يبدو منه أنه يدين بشكل أو بآخر وزارة الخارجية الأميركية، التي كانت مسؤولة عن الاستجابة لطلبات تأمين مقار السفارات في الخارج.
ومرة أخرى يختفي سوتلوف دون أن تعرف إن كان في غرب منطقة الشرق الأوسط أم في شرقها، ويأتي صوت والدته من أميركا، عبر البحار والمحيطات، لتسأل: «أين طفلي.. انصحه بالعودة والعمل في أميركا. أنا أخاف عليه بشدة. قل له ذلك»، وبعد أسابيع يرن الهاتف: «أين أنت؟»، إنه هو، سوتلوف مجددا، وقد شد الرحال إلى القاهرة قادما من الأراضي المحتلة عبر الأردن، يفتح الإنترنت ويقول: «انظر.. هذه قصة صحافية نشرتها أخيرا عن تجريف إسرائيل لمزرعة زيتون عبد الله؟ ومن هو عبد الله؟ مواطن من رام الله يعيش على هذه المزرعة ولديه 3 أولاد وبنت وعمره 55 سنة ولديه جرار زراعي.. إلخ»، إنه يحفظ كل شيء عن ظهر قلب، «والآن هيا لنأكل كشري».
وبسبب «الكشري» دخل سوتلوف في كثير من المشكلات في القاهرة، ففي الأيام الأولى لثورة 25 يناير 2011؛ حيث كانت اللجان الشعبية تحرس شوارع العاصمة بالسكاكين والسيوف، اتصل وقال إنه يريد أن نخرج لأكلة كشري، واعتقدت أنني أقنعته بأن الوضع خطير في الشوارع، وأن عليه أن يبقى؛ حيث هو في الليل؛ حيث كان يقيم وقتها في فندق ماريوت على نيل ضاحية الزمالك؛ لكن حين نظرت من النافذة لأعرف مصدر الجلبة في الخارج، وجدته وسط أكثر من 30 شابا يشهرون حوله السكاكين التي تلمع تحت الضوء، وقال أحدهم: هل تعرف هذا الجاسوس الإسرائيلي؟ فنزلت مسرعا، وأجريت اتصالا بقوات الجيش، التي جاءت وتسلمته مني بعد أن فحصت جواز سفره الأميركي وعمله كصحافي، وأعادته إلى الفندق.
وفي أواخر عام 2012 اتصل سوتلوف من الولايات المتحدة، لقد نسي حقائب ملابسه مرة أخرى، لكن في القاهرة هذه المرة، في فندق يقع في منطقة معروف بوسط القاهرة، مع العلم أنه لم يستعد ملابسه التي كان قد تركها في اليمن في أواخر عام 2010 حتى مقتله الأسبوع الماضي، وفي آخر مرة جاء فيها إلى القاهرة، بداية صيف العام الماضي، رسم لي طريق دخول الصحافيين إلى سوريا، عبر الحدود التركية، في حراسة الجيش الحر المعارض للرئيس بشار الأسد.
قال: «الصحافي صاحب رسالة، لا يعمل من وراء مكتب، بل يعمل من على الأرض.. تعال معنا لتكتب قصصا عن المقاتلين الإخوان، والسلفيين، والعلويين، والأكراد، والخليط المتصارع في تلك البلاد..»، لكن ارتباطات العمل في القاهرة كانت تحول دون ذلك وقتها، إلى أن جاءت الأخبار، في أغسطس العام الماضي، عن اختفائه هناك، ليظهر اسمه أخيرا ثاني صحافي أميركي يجري إعدامه على يد مقاتلي تنظيم «داعش»، بعد ذبح زميله جيمس فولي، انتقاما من الضربات الجوية الأميركية على مواقع التنظيم في العراق.
وظهر في شريط نشره تنظيم «داعش» يوم الثلاثاء الماضي سوتلوف راكعا على ركبتيه ومرتديا قميصا برتقاليا وإلى جانبه مسلح ملثم يحمل سكينا، وفي الشريط يدين المسلح الملثم الهجمات الأميركية على «الدولة الإسلامية» ويقطع عنق سوتلوف، ثم يعرض رهينة آخر بريطانيا متوعدا بقتله.
وجرى دفن سوتلوف قرب كنيسة تقع في ضواحي مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأميركية، وقد بلغ من العمر 31 سنة.. كان مرحا محبا لتدبير المقالب والنكات، ومحبا للحياة والناس أيا كانت دياناتهم أو معتقداتهم أو آرائهم السياسية. وقالت والدته: «أفتخر بابني.. لقد بقي متمسكا بمبادئه إلى النهاية»، بينما استنكر الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قطع رأس سوتلوف، وقال: «إننا ساخطون للمعلومات الواردة من العراق بشأن جرائم رهيبة يرتكبها تنظيم (داعش) بحق مدنيين بمن في ذلك الذبح المروع لصحافي آخر».



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».