12 «يتيماً» من «داعش» وصلوا إلى باريس... وتمسك برفض عودة البالغين

فرنسا تستعيد بـ«القطارة» القاصرين من أبناء التنظيم في شمال شرقي سوريا

طفل يجر عربة في مخيم الهول المخصص للخارجين من مناطق سيطرة «داعش» شمال شرقي سوريا (رويترز)
طفل يجر عربة في مخيم الهول المخصص للخارجين من مناطق سيطرة «داعش» شمال شرقي سوريا (رويترز)
TT

12 «يتيماً» من «داعش» وصلوا إلى باريس... وتمسك برفض عودة البالغين

طفل يجر عربة في مخيم الهول المخصص للخارجين من مناطق سيطرة «داعش» شمال شرقي سوريا (رويترز)
طفل يجر عربة في مخيم الهول المخصص للخارجين من مناطق سيطرة «داعش» شمال شرقي سوريا (رويترز)

من أصل 450 من المتطرفين الفرنسيين وعائلاتهم (نساء وأطفال) الذين تحتجزهم «قوات سوريا الديمقراطية» في المناطق التي تسيطر عليها في الشمال والشمال الشرقي لسوريا، استعادت باريس أمس 12 طفلاً، أكبرهم في العاشرة من العمر، وهم إما أيتاماً أو معزولين، بحسب البيان الصادر عن وزارة الخارجية.
وبذلك تكون فرنسا ماضية في تنفيذ سياستها إزاء هؤلاء الأشخاص، القائمة على رفض استعادة البالغين، أكانوا رجالاً أو نساء، والمطالبة بمحاكمتهم حيث هم موجودون، وقبول القاصرين، شرط التعامل مع كل حالة على حدة.
ومن بين هذه الحالات، يبدو وضع اليتامى هو الأسهل. فمن جهة، لا يعارض الرأي العام الفرنسي بالشدة نفسها عودة هؤلاء. ومن جهة ثانية، لا تحتاج السلطات الفرنسية لترحيل الأمهات مع أولادهن لأن هؤلاء هم إما يتامى أو معزولون. وتواجه السلطات إشكالية حقيقية لاسترجاع القاصرين الذين ما زال أهلهم، خصوصاً الأمهات، على قيد الحياة، إذ إنها تحتاج لقبولهن الانفصال عن أبنائهن، فيما هن يتمسكن بمرافقتهم، الأمر الذي ترفضه باريس.
وتأتي عملية الأمس التي تسلم بموجبها وفد فرنسي رسمي الأطفال الـ12 «إضافة إلى طفلين هولنديين سلما لاحقاً إلى رسميين هولنديين في باريس»، استكمالاً لاستعادة 5 أطفال في شهر مارس (آذار) الماضي. وفي بيان رسمي، قالت الخارجية الفرنسية إن الـ12 «يتامى أو معزولون أو ضعفاء»، وبعضهم يعاني من المرض وسوء التغذية. وقد نقل الجميع، بمن فيهم الوفد الرسمي، بطائرة عسكرية إلى باريس. وجاء في البيان أيضاً أن الـ12 «سلموا إلى السلطات القضائية الفرنسية»، وأنهم يحظون برعاية طبية خاصة، وسوف يسلمون إلى مكتب الخدمات الاجتماعية التي تتولى متابعة أوضاعهم. وبررت باريس استعادة هذه المجموعة بـ«هشاشة أوضاع» هؤلاء القاصرين، مما يفتح الباب لاسترجاع قاصرين آخرين في الأسابيع المقبلة، الأمر الذي يخفف الضغوط على الحكومة الفرنسية التي توجه إليها دورياً سهام الانتقاد لإغفالها وضع الأطفال في مخيمات الاعتقال الخاضعة للسلطات الكردية.
وسبق لعائلات بعض الأطفال أن تقدمت بشكاوى أمام المحاكم الفرنسية، كذلك توجهت إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وحتى إلى الأمم المتحدة، للضغط على الحكومة ودفعها للتحرك. كذلك تأتي الخطوة الحكومية عقب انقضاء أيام قليلة على أحكام الإعدام التي صدرت بحق 11 متطرفاً فرنسياً أدانتهم المحاكم العراقية بتهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش» الإرهابي. وتبدو حالة البالغين أكثر صعوبة، حيث تجد باريس نفسها «محشورة» من جهة بين رفضها استعادتهم بسبب رفض الرأي العام الشديد، ومن جهة ثانية رفضها تنفيذ أحكام الإعدام بمواطنيها، بغض النظر عما ارتكبوه من جرائم. وللخروج من هذا المأزق، تعول باريس على السلطات القضائية العراقية، لتحويل أحكام الإعدام لاحقاً إلى أحكام بالسجن مدى الحياة. كما أنها تدرس مع عدد من البلدان الأوروبية إمكانية إنشاء محكمة دولية خاصة في الأردن أو العراق لمحاكمة المتطرفين الأوروبيين. وفي الوقت عينه، ثمة معلومات تتحدث عن مساومات بين العواصم الأوروبية وبغداد، لتوفير «مقابل» مادي أو خدمي للعراق لقاء إبقائه المتطرفين محتجزين في سجونه عقب محاكمتهم. وحتى اليوم، لم يتم الحسم في هذا الاتجاه أو ذاك.
ولم تتأخر باريس في توجيه الشكر لمن سمتهم «المسؤولين المحليين» في شمال شرقي سوريا لـ«تعاونهم». وأفاد الرئيس المشترك لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية عبد الكريم عمر، الذي أعلن على حسابه على «تويتر» أن تسليم الأطفال الـ12 والطفلين الهولنديين إلى وفد من وزارة الخارجية الفرنسية تم في بلدة عين عيسى «بناء على طلب الحكومة الفرنسية»، في شمال سوريا.
وإذا كانت الخطوة الفرنسية تأتي في السياق الصحيح، فإنها لا تتعدى كونها غيضاً من فيض، بالنظر للأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين تحتجزهم «قسد» في مخيمات الاعتقال، والذين تريد «التخلص» منهم لما يشكلونه من أعباء مادية وأمنية. والمشكلة أن الدول المعنية تتعامل ببطء كبير مع هذه المسألة. وتتحدث التقارير الدولية، أو تلك الصادرة عن الجمعيات الإنسانية، عن الأحوال المعيشية الصعبة لما يقدر بـ12 ألف أجنبي، من النساء (4 آلاف) والأطفال (8 آلاف)، يعيشون في المخيمات المكتظة، أبرزها مخيم الهول (محافظة الحسكة). وحتى اليوم، خرج عدة مئات من الأجانب من المخيمات الكردية. ورغم النداءات التي أطلقتها «قسد» و«مسد» (مجلس سوريا الديمقراطية) باتجاه الدول التي لديها مواطنون محتجزون، فإن نداءاتها بقيت ضعيفة الأصداء، ويغلب التلكؤ على ردود فعلها بسبب المخاوف الأمنية من عودة عناصر «داعش» من جهة، وبسبب رفض الرأي العام رؤية هؤلاء يعودون إلى بلادهم بعد ما ارتكبوه في سوريا والعراق. وفي أي حال، ثمة عامل قانوني آخر يدفع الغربيين للتمسك ببقاء مواطنيهم حيث هم. ففي فرنسا مثلاً، لا تكفي تهمة الانتماء إلى «داعش» لإنزال أحكام مشددة بالمتهم، في حال محاكمته أمام المحاكم الفرنسية، بل يتعين إثبات مسؤوليته الشخصية في الأعمال الإرهابية، الأمر الذي لا يتوافر في الأكثرية الساحقة من الحالات.


مقالات ذات صلة

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

المشرق العربي قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على المعتقلات وتتمسك بالتطبيق الكامل لمضمون الاتفاق بين دمشق و«قسد».

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)

هولندا توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش»

أعلنت الشرطة الهولندية، الثلاثاء، توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش» على تطبيق «تيك توك»، واتهمتهم بمحاولة «تحريض الآخرين على ارتكاب جرائم إرهابية».

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
المشرق العربي قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

شدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين من سوريا إلى العراق جاء «بقرار سيادي».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

السوداني: نقل سجناء «داعش» من سوريا جاء بقرار عراقي

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، اليوم (الثلاثاء)، موقف العراق وحرصه على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».