زيارة ترمب إلى بريطانيا تختبر «العلاقة الخاصة»

لقي استقبالاً ملكياً حافلاً... ومواقفه من «هواوي» و«بريكست» تثير الجدل

مصافحة الرئيس الأميركي والملكة إليزابيث في قصر باكنغهام أمس (أ.ف.ب)
مصافحة الرئيس الأميركي والملكة إليزابيث في قصر باكنغهام أمس (أ.ف.ب)
TT

زيارة ترمب إلى بريطانيا تختبر «العلاقة الخاصة»

مصافحة الرئيس الأميركي والملكة إليزابيث في قصر باكنغهام أمس (أ.ف.ب)
مصافحة الرئيس الأميركي والملكة إليزابيث في قصر باكنغهام أمس (أ.ف.ب)

استهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب «زيارة دولة» إلى بريطانيا بسلسلة تغريدات مثيرة للجدل، هاجم في إحداها رئيس بلدية لندن صديق خان، وبمصافحة غير تقليدية مع الملكة إليزابيث الثانية التي استقبلته برفقة ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز وزوجته في قصر باكنغهام.
وتأتي زيارة ترمب، وهي الثانية بعد زيارة العمل التي قام بها العام الماضي، في وقت تعيش فيه بريطانيا على وقع أزمة سياسية حادة، دفعت رئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى الاستقالة، وإطلاق سباق لخلافتها بين سياسيين محافظين بارزين. وبالإضافة إلى الصعوبات المرتبطة بـ«بريكست»، تختبر زيارة ترمب العلاقة التاريخية «الخاصة»، كما وصفها وينستون تشرشل، في ضوء عدة قضايا خلافية، أبرزها دور عملاق الاتصالات الصيني «هواوي» في شبكة الجيل الخامس ببريطانيا، والعلاقات التجارية بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، والسياسات الأوروبية تجاه إيران.

استقبال ملكي
حظي الرئيس الأميركي وزوجته ميلانيا باستقبال ملكي حافل. وبعد أن تبادل مع الملكة بضع كلمات تحت أنظار ابنته إيفانكا وزوجها جاريد كوشنر، اللذين أمكن رؤيتهما على شرفة القصر، استمع إلى النشيدين الوطنيين الأميركي والبريطاني، وحضر استعراض الحرس الملكي الذي عزف أفراده ألحان النشيدين مرتدين الأزياء الحمراء التقليدية مع القبعات السوداء.
وباستثناء مصافحته غير التقليدية مع الملكة إليزابيث، التزم ترمب بالبرتوكول الملكي إلى حد كبير، عقب «حادث» السنة الماضية عندما أغلق الطريق أمام الملكة عن طريق الخطأ، وهو مشهد مسلّ بقي راسخاً في أذهان البريطانيين.
وخُصّص اليوم الأول من الزيارة التي تستمر حتى الأربعاء للتشريفات الملكية، إذ ضم برنامج أمس غداء مع الملكة، واحتساء الشاي مع الأمير تشارلز وزوجته كاميلا، في مقر سكنهما في «كلارنس هاوس»، ثم عشاء دولة.
أما اليوم، فمن المتوقع أن تنظم رئيسة الوزراء تيريزا ماي لقاء بين ترمب ورجال أعمال بارزين، بينهم رؤساء وممثلون عن «بي آي إي سيستمز» و«باركليز» و«لوكهيد مارتن» و«جي بي مورغان»، قبل أن تعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع الرئيس الأميركي.

معارك «تويتر»
رغم الطابع الرسمي للزيارة يوم أمس، لم يتردد ترمب في توجيه هجوم حاد لرئيس بلدية لندن صديق خان أثار كثيراً من الجدل. وقبل لحظات من هبوط طائرته في بريطانيا، كتب ترمب في تغريدة: «صديق خان الذي قام بعمل سيء للغاية كرئيس لبلدية لندن أدلى بتصريحات (شريرة) تتعلق بالرئيس الأميركي»، معتبراً أنه يستحسن أن يركز هذا «الفاشل» على مكافحة الجريمة في لندن. وتابع في تغريدة أخرى أن خان «يذكِّرني كثيراً بالعمدة الغبي وغير الكفؤ (لمدينة نيويورك، بيل) دي بلاسيو الذي قام أيضاً بعمل مروع، لكنه لا يتجاوز نصف طوله».
وعُرف عن خان انتقاداته المستمرة لتصريحات الرئيس الأميركي وتصرفاته، وقرر مقاطعة مأدبة عشاء أمس. وقاد خان حملة المعارضة لزيارة ترمب، وشبهه في مقال بـ«طغاة أوروبا في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي». كما انتقد عشية الزيارة في مقابلة مع سكاي نيوز «فرش المملكة المتحدة للسجاد الأحمر» استقبالاً لترمب.
وكتب خان «دونالد ترمب هو أحد أكثر الأمثلة فظاعة عن تهديد عالمي متنام». ووصف متحدث باسم خان تغريدات ترمب بأنها «صبيانية» و«لا تليق برئيس الولايات المتحدة»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
كما ردّ خان على الرئيس الأميركي بفيديو نشره على «تويتر»، يدعو فيه إلى احترام حقوق الفتيات والنساء في الولايات المتحدة، في إشارة إلى قوانين منع الإجهاض التي تدفعها عدد من الولايات الأميركية.
من جهته، انتقد زعيم المعارضة العمالية جيريمي كوربين استقبال ترمب، ورفض كذلك دعوة حضور مأدبة العشاء. وانتقد كوربين تصريحات ترمب خلال اليومين الماضيين حول «بريكست» والسباق الانتخابي على منصب رئيس الوزراء، واعتبر أنها «تدخل غير مقبول في ديمقراطيتنا».
وكان ترمب قد قال في مقابلة مع صحيفة «صنداي تايمز»، إنه يحتاج إلى «معرفة كوربين قبل السماح لأجهزة الاستخبارات الأميركية بمشاركة أسرارها مع حكومة عمالية من أقصى اليسار».

توقيت الزيارة
تساءل كثيرون عن الحكمة وراء قيام الرئيس الأميركي بزيارة دولة إلى بريطانيا، هي الأولى منذ أن تسلّم منصبه، والثالثة لرئيس أميركي بعد باراك أوباما وجورج بوش، في وقت يعيش فيه البلد الأوروبي على إيقاع أزمة سياسية حادة فاقمتها استقالة ماي.
وفي الواقع، فإن «زيارة الدولة» تأجلت عدة مرات في السابق بفعل موجة احتجاجات هددت بإفشالها، واكتفت بريطانيا بـ«زيارة عمل» قام بها ترمب العام الماضي. ورحب سياسيون محافظون بزيارة ترمب في هذه الفترة، خصوصاً منهم الطامحين في خلافة ماي. وفي مقدمة هؤلاء وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، الذي حظي بدعم كبير من الرئيس الأميركي. وقال ترمب في مقابلتين صحافيتين مع «ذا صن» و«صنداي تايمز» عشية الزيارة إن وزير الخارجية البريطاني السابق سيكون رئيساً «ممتازاً» لحكومة بريطانيا، خلفاً لماي التي ستستقيل رسمياً من منصبها الجمعة، على خلفية فشلها في تمرير اتفاق «بريكست» في البرلمان.
وتحدث ترمب مراراً عن «صداقته» مع جونسون المؤيد الشرس لـ«بريكست»، وكذلك السياسي المثير للجدل زعيم حزب «بريكست» نايجل فاراج. وقال ترمب: «أحبهما حقاً، إنهما صديقان (...) إنهما رجلان جيدان». وفيما لم يعلن البيت الأبيض عن لقاء مقرر مع الرجلين في لندن، فإن تقارير صحافية أشارت إلى احتمال اجتماعهما مع ترمب في مقر إقامة السفير الأميركي في لندن. ورداً على سؤال صحيفة «ذي صن» الشعبية حول المرشّحين الـ12 لمنصب رئيس الوزراء، قال ترمب إنّ «بوريس سيقوم بعمل جيّد. أعتقد أنّه سيكون ممتازاً».
وأميركياً، يأتي الاستقبال الملكي الحافل الذي حظي به ترمب في بريطانيا كدليل على قوة العلاقات الثنائية، وتعززها في عهد ترمب، قبل أشهر من انطلاق الحملات الانتخابية الرئاسية لعام 2020.

تهديد «هواوي» ونصائح «بريكست»
لم تُثن قوة «العلاقة الخاصة» بين واشنطن ولندن الرئيس الأميركي ووزير خارجيته مايك بومبيو عن التهديد بـ«إعادة النظر» في تبادل المعلومات الاستخباراتية مع بريطانيا، في حال سمحت لعملاق الاتصالات الصيني «هواوي» بتطوير شبكاتها للجيل الخامس (5G)، وقال وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، أمس، إن بلاده تهتم بما تقوله الولايات المتحدة عن مخاطر استخدام شبكات الجيل الخامس التي تؤسسها شركة هواوي، وإنها لا ترغب في الاعتماد بشكل مفرط على دولة ثالثة في تقنيات تكنولوجية محددة. وأضاف هانت لراديو هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «نتابع بعناية كل ما تقوله الولايات المتحدة عن تلك المسائل... وسننصت بدقة لما يقولون».
وكان ترمب قد طلب من بريطانيا أن تكون «في منتهى الحذر» حيال إشراك «هواوي» في تطوير شبكة الجيل الخامس على أراضيها. ورداً على تقارير تُفيد بأنّ بريطانيا تنوي منح «هواوي» دوراً محدوداً في ذلك المشروع، قال ترمب: «لديكم بدائل أخرى، ويجب علينا أن نكون حذرين جداً من وجهة نظر أمنية»، وأضاف: «تعلمون أنّ لدينا مجموعة مهمة من الاستخبارات، وأننا نعمل عن كثب مع بلدكم (بريطانيا)، ولذا يجب عليكم أن تكونوا حذرين للغاية».
وبعد أن فرضت عقوبات على شركة «هواوي»، وسعت لمنعها من شراء معدات أميركية، طلبت إدارة ترمب من حلفائها عدم استخدام تكنولوجيا ومعدات الجيل الخامس التي تقدمها «هواوي» بسبب مخاوف من أنها قد تمكن الصين من التجسس على اتصالات وبيانات حساسة. وقال هانت: «لم نتخذ قرارنا النهائي، لكننا أوضحنا أننا ندرس المسائل الفنية، أي كيفية ضمان عدم وجود باب خلفي يتيح لدولة ثالثة استغلال شبكات الجيل الخامس في التجسس علينا، وأيضاً المسائل الاستراتيجية حتى نضمن عدم الاعتماد تقنياً بشكل مفرط على دولة ثالثة، فيما يتعلق بهذه التكنولوجيا الحيوية للغاية»، كما نقلت عنه وكالة «رويترز».
ويتوقع أن تكون هذه القضية حاضرة في المؤتمر الصحافي بين ترمب وماي اليوم.
أما القضية الثانية التي ستهيمن على المؤتمر الصحافي، فتتعلق بالعلاقات التجارية بين البلدين، بعد بريكست ونصائح ترمب المثيرة للجدل في هذا الإطار.
وقال متحدث باسم رئيسة الوزراء البريطانية، أمس، إنها ستبحث مستقبل العلاقات الاقتصادية مع الرئيس الأميركي، مضيفاً، وفق وكالة «رويترز»، أن ماي وترمب عبرا مراراً عن رغبة مشتركة في إبرام اتفاق تجاري بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وفي مقابلته مع «صنداي تايمز»، حث ترمب الحكومة البريطانية على اتباع نهجه التفاوضي في مسألة «بريكست»، وقال: «إذا كانوا لا يحصلون على ما يريدون، كنت لأنسحب... إذا لم تحصلوا على الاتفاق الذي تريدونه، إذا لم تحصلوا على اتفاق عادل، إذن انسحبوا». وبخصوص فاتورة الطلاق، صرح ترمب للصحيفة: «لو كنت مكانهم، ما كنت لأدفع خمسين مليار دولار. هذا موقفي. لم أكن لأدفع، هذا مبلغ هائل».
ووافقت ماي على دفع هذا المبلغ الضخم لتسوية التزامات بلادها في عضوية التكتل، التي بدأت قبل أكثر من 4 عقود.
كما أكد ترمب في المقابلة نفسها أنه نصح رئيسة الوزراء تيريزا ماي، في محادثة خاصة العام الماضي، بمقاضاة الاتحاد الأوروبي للحصول على «ذخيرة» إضافية في المفاوضات، وأوضح: «كنت سأجمع جميع الأخطاء التي ارتكبها الاتحاد الأوروبي بحق بريطانيا، والتي كلفتها كثيراً من الأموال وكثيراً من الأذى، وأضعها على الطاولة، سواء بشكل دعوى قضائية أو بشكل طلب، لكنهم (البريطانيون) اختاروا عدم القيام بذلك».

«الرضيع الطائر»
يحلّق فوق العاصمة البريطانية اليوم بالون رضيع ضخم على هيئة الرئيس ترمب، في تعبير عن الاحتجاج على زيارة الدولة. وسبق أن حلّق هذا البالون خلال زيارة ترمب الأخيرة إلى لندن، وحظي باهتمام عالمي، كما حلّ ضيفاً في الاستوديوهات الإخبارية البريطانية.
وفيما أغضب هذا «الاحتجاج المسيء»، كما وصفه أنصار الرئيس الأميركي، البعض، اعتبره آخرون احتجاجاً مشروعاً على سياسات الرئيس الأميركي. وبين هؤلاء زعيم حزب العمال جيريمي كوربن الذي أكد مشاركته وإلقاءه كلمة في مسيرة احتجاجية تنطلق اليوم باتجاه مقر البرلمان.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.