السجال حول ميزانية وزارة المهجرين يعيد فتح ملفات الحرب الأهلية

عطا الله لـ «الشرق الأوسط»: مسيحيو الجبل أصبحوا بعد الحرب بلا حقوق

البطريرك الراحل صفير مع وليد جنبلاط في الجبل في إطار المصالحة
البطريرك الراحل صفير مع وليد جنبلاط في الجبل في إطار المصالحة
TT

السجال حول ميزانية وزارة المهجرين يعيد فتح ملفات الحرب الأهلية

البطريرك الراحل صفير مع وليد جنبلاط في الجبل في إطار المصالحة
البطريرك الراحل صفير مع وليد جنبلاط في الجبل في إطار المصالحة

تجاوز السجال على خلفية ميزانية وزارة المهجرين في الحكومة اللبنانية الشأن المالي، ليعيد فتح ملفات الحرب الأهلية اللبنانية، وتحديداً حرب الجبل (في قضائي عاليه والشوف) التي اندلعت في خريف 1983 بين المسيحين والدروز، واُرتكبت خلالها مجازر في حق المدنيين من الفريقين، وتسببت بتدمير عشرات القرى بالمنطقة، وتهجير سكانها.
وفي حين اعتذر رئيس الحزب الاشتراكي، وليد جنبلاط، عن هذه الحرب، وغرد في شهر مارس (آذار) الماضي بأنه أجرى «مراجعة ونقداً ذاتياً ومصارحة»، وذلك في خطوة أرادها إيجابية. وبالتزامن مع تولي الوزير غسان عطا الله، من «التيار الوطني الحر»، حقيبة وزارة المهجرين، صرح الأخير بأن «بعض المسيحيين يخافون من النوم في الجبل».
وكانت الوزارة قد أنشئت لطي صفحة «حرب الجبل»، وإعادة المهجرين المسيحيين إلى قراهم عبر المصالحة والتعويضات، إلا أن المحطة الأبرز في مسيرة المصالحة كانت مع البطريرك الراحل نصر الله بطرس صفير الذي زار مناطق التهجير في الجبل برفقة جنبلاط عام 2001. وسجلت خطوته محطة تاريخية في أوج السيطرة السورية، لا سيما أنها جاءت عقب نداء البطاركة الموارنة الشهير في عام 2000 الذي تضمن دعوة لخروج الوصاية السورية من لبنان.
إلا أن التجاذبات السياسية أعادت فتح ملف التهجير، ويصر عطا الله على أن «العودة لم تحدث»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «عودة المسيحين إلى قراهم لا تزال خجولة غير ثابتة لعدة ظروف، منها الظروف المعنوية التي تحول دون ممارستهم لحقوقهم السياسية والدينية بحرية. ففي ظل الأحادية التي كانت سائدة، شعروا بأنهم مكسورون ولا زعيم لهم، ويعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، في حين يجب توفير الحياة الكريمة لهم. فهذه الأحادية فرضت واقعاً وتعاطياً استنسابياً مع الناس».
ويفرق عطا الله بين مشروعه لإنهاء عمل وزارة المهجرين وبين إنجاز العودة، ويقول إن «الأمرين مختلفين. ومع ذلك، سنقفل الوزارة لتخفيف الهدر، وليس لأن العودة حصلت، فالوزارة من دون فائدة. ونعمل على تحويلها إلى وزارة للإنماء الريفي، لترسيخ الناس في أرضهم، ووجود وزير من أبناء الجبل يحقق هذا الهدف».
ويرفض عطا لله ربط عدم عودة فئة من المهجرين بالفرز السكاني الذي كان أحد نتائج الحرب الأهلية في لبنان، ولم يقتصر على مناطق التهجير في عاليه والشوف، بل شمل كسروان وبيروت ومناطق الكرنتينا التي هجر منها المسلمون بشكل كامل، والضاحية الجنوبية التي هجر منها المسيحيون بشكل كامل.
ويوضح أن «من يترك القرية إلى بيروت لا تعود سهلة عودته. ففي حين خضعت الكرنتينا والضاحية الجنوبية إلى تغيير كامل للديموغرافيا، بقيت أملاك المسحيين في الجبل، وما زالت التركيبة السكانية ذاتها، إلا أن الحياة أصعب. لو راعينا الجبل بطريقة أفضل لعاد الجميع. هذه القرى بحاجة إلى مدارس وطبابة وإنماء ريفي ومساعدات زراعية وسياحة. تنشيط الحركة الاقتصادية يؤدي إلى بقاء العائلات في قراها».
لكن هذه الظروف تنسحب على الدروز كما على المسيحيين؟ يجيب عطا الله: «لو أرادت القوى المسيطرة على المنطقة العودة، كان يجب أن توفر هذه الأمور. قبل التسعينات، وقبل الحرب، كانوا يعيشون، وكانوا يمارسون طقوسهم وحريتهم. بعد الحرب، أصبحوا بلا حقوق. أنا لا أسعى إلى نبش القبور، ولكن هذه حقيقة. واليوم، تغيرت الأوضاع».
وعن مصالحة البطريرك صفير، يقول عطا لله: «المصالحة عندما لا تغير شيئاً، لا مفعول لها. لا أحد يستطيع أن يعطي معنويات عندما يمر كضيف. يجب أن يكون موجوداً ليريح الناس فيعودون. والتغيير بعد الانتخابات النيابية بقانون عادل أعطى دفعاً وفرصة لكسر الأحادية».
ويرفض أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي، ظافر ناصر، الدخول في سجالات للرد على عطا الله، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المصالحة في الجبل أنجزت مع الزيارة التاريخية للبطريرك صفير. فهذه المصالحة هي الأساس، وقد أعادت الناس والحياة. ومن يريد بناء أمجاده في السياسة بما يغاير الواقع سيساهم بإعادة الأمور إلى الوراء. يجب أن نفكر في المستقبل».
ويضيف: «بالنسبة إلينا، الحياة في الجبل طبيعية، سياسياً واجتماعياً. والعودة تمت، باستثناء بعض القرى التي لم تجرِ فيها المصالحات، ويجب أن تنجز في المرحلة المقبلة. وأي كلام له غايات سياسية لا يفيد أصحابه، ولا وجود للأحادية. فقد حصلت الانتخابات في السابق بنظام أكثري وبنظام نسبي. وخلال المراحل المتعاقبة، حرصنا على الشراكة مع القوى المتمثلة على الأرض، من «كتائب» و«قوات لبنانية» ومستقلين وأحرار، ولم نستفرد بالتمثيل الشعبي. وتبقى دعوتنا للتفكير بالمستقبل، وليس بناء أمجاد سياسية على ركام الماضي».
وفي إطار تجربته الخاصة، يقول رئيس رابطة الشبيبة الرشماوية، الإعلامي سعد إلياس، من بلدة رشميا في قضاء عاليه، إنه «لا مانع، سياسياً أو أمنياً، يحول دون عودة المسيحيين إلى قراهم في جبل لبنان»، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «إحجام البعض عن العودة ليس لأسباب سياسية أو اجتماعية، ولكن لأن الناس تأقلمت خلال سنوات الحرب، حيث استقرت بعيداً عن قراها، بسبب الفرز السكاني من جهة، وبسبب القرب من مراكز العمل والمستشفيات والمدارس من جهة ثانية. فكثير من اللبنانيين، وفي مختلف المناطق، بعيدون عن قراهم، للسبب ذاته».
وفي مراجعة نقدية لحرب الجبل، يقول: «ما حصل في الجبل كان مؤسفاً. وسببه التعاطي الخاطئ خلال الحرب مع خصوصية الجبل الذي أدى إلى التهجير، إلا أن الملف أقفل. مصالحة البطريرك صفير عبدت الطريق لكل الناس. ومن لم يعد بعد عام 2001، فذلك لأسباب خاصة. ونحن في قضاء عاليه نعيش صيفاً شتاءً. ومن لا يعيش طوال العام، يمضي فترات طويلة في قريته. الوزير عطا الله أخطأ عندما قال إن الناس تخاف من العودة».
وأشار إلى أن «أداء وزارة المهجرين في كل الفترات ومع كل الوزراء لم يكن صحيحاً. فقد عرفت الوزارة في بداية عهدها البحبوحة، وهدرت الأموال بشكل عشوائي غير مدروس، ولم يتغير الأداء أياً كانت الجهة السياسية التي تولت الوزارة، فقد تحولت إلى نبع مساعدات لأهداف سياسية أو انتخابية. واليوم، نضبت الموارد. فكل من تسنح له الفرصة بمد يده إلى المال العام لا يقصر».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.