«تقرير» في صحيفة روسية يطيح طاقمها السياسي

مراسلون بلا حدود: ضربة موجعة لاستقلال الصحافة

تعد {كوميرسانت} من أهم الصحف الروسية وليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع» وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام
تعد {كوميرسانت} من أهم الصحف الروسية وليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع» وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام
TT

«تقرير» في صحيفة روسية يطيح طاقمها السياسي

تعد {كوميرسانت} من أهم الصحف الروسية وليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع» وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام
تعد {كوميرسانت} من أهم الصحف الروسية وليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع» وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام

تعرضت صحيفة «كوميرسانت» الروسية الرصينة لأزمة شديدة هزت أركانها، نتيجة خلاف بين إدارة تحريرها وصحافيين اثنين من نخبة الكتاب في صفحاتها السياسية، حول تقرير كشفا فيه عن تغيرات محتملة في رئاسة المجلس الفيدرالي «نقلاً عن مصادر». وانتهت الأزمة بإقالة الصحافيين الأسبوع الماضي، ومعهما جميع الإعلاميين العاملين في القسم السياسي، الذين قرروا التضامن مع زميليهما. ورأت صحف روسية في هذا الوضع «إشارة سلبية تكشف عدم تمتع الصحافي بحماية أمام مالكي الصحيفة»، بينما قال العاملون في «كوميرسانت» في «خطاب للقراء» إن ما يجري «تدمير لواحدة من أفضل الوسائل الإعلامية في روسيا»، وعبروا عن قناعتهم بأن «روسيا جديرة بمستقبل أفضل. جديرة بحرية الكلمة». وانتقدت صحف رسمية تعامل المالكين مع الصحافيين، بينما وصفت «مراسلون بلا حدود» ما جرى «ضربة موجعة لاستقلال الصحافة في روسيا».
أزمة «كوميرسانت» ظهرت إلى العلن في 20 مايو (أيار) حين نشر الصحافي إيفان سافرونوف خبرا على حسابه الشخصي في «فيسبوك»، قال فيه: «بعد عشر سنوات كتبت خلالها حول عشرات ومئات قرارات إقالة مسؤولين ومديرين من مختلف المستويات، وغطيت التغيرات الإدارية في الشركات والمؤسسات الحكومية، آن الأوان لأكتب عن إقالتي»، وأوضح أنه سيتوقف قريبا هو وزميله مكسيم إيفانوف عن العمل في الصحيفة «دون إرادة مني، وإنما بموجب قرار مالكي أسهم الصحيفة، الذين عبروا عن اعتراضات جدية على التقرير الذي أشرنا فيه إلى احتمال مغادرة فالنتينا ماتفيينكو منصبها رئيسة للمجلس الفيدرالي».
ويدور الحديث حول مقال تحت عنوان «رؤساء المجالس يصنعونهم من هؤلاء الناس»، نشرته صحيفة «كوميرسانت» في 17 أبريل (نيسان) الماضي، وجاء في مقدمته: «علمت كوميرسانت أن سلسلة تغيرات ستجري خلال الشهر المقبلة»، ويوضح «نقلا عن عدة مصادر من مؤسسات الدولة» أن «فالنتينا ماتفيينكو ربما تغادر منصبها في رئاسة المجلس الفيدرالي، الذي تشغله منذ عام 2011. والمرشح المرجح ليحل بديلا عنها سيرغي ناريشكين، مدير الاستخبارات الخارجية حاليا، والرئيس السابق لمجلس الدوما. أما ماتفيينكو فقد يتم تعيينها في مؤسسة يتطلب تغيير صفتها، مثل الصندوق التقاعدي على سبيل المثال». ويؤكد معدوه أنهما حصلا على مكافأة مالية عنه تقديراً من إدارة التحرير حينها، وهو نفسه التقرير الذي أصبح لاحقا سبب إقالتهما.
وتُعد «كوميرسانت» واحدة من أهم الصحف الروسية، رغم التزامها إلى حد ما بنهج إعلامي لا يزعج السلطات، إلا أنها ليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع»، وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير تكشف فيها عن قضايا ومشاكل وأزمات، يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام. وتعتمد الصحيفة في تغطياتها للأحداث السياسية، الداخلية والخارجية، والاقتصادية والاجتماعية، على مصادر صحافييها في مؤسسات السلطة والأوساط الاقتصادية والتجارية. وغالبا تنقل عن تلك المصادر معلومات تتأكد صحتها لاحقا، إذ تسعى إلى التأكد من مصادر أخرى عند عرض أي معلومات حصلت عليها من «مصدر». وأثبتت خلال سنوات عملها درجة عالية جدا من المصداقية والدقة والموضوعية في نقل المعلومات. لذلك تحظى باحترام القراء من مختلف الفئات وثقتهم.
وقالت صحف روسية إن استقالة الصحافيين جاءت بموجب اتفاق بين الأطراف، أي اتفاقهما مع إدارة التحرير، إلا أن بعض العاملين في «كوميرسانت» قالوا عبر حساباتهم على «فيسبوك» إن قرار الإقالة اتخذه رجل الأعمال علي شير عثمانوف، مالك صحيفة «كوميرسانت»، لأنه غير راض عن التقرير الذي أشار فيه الصحافيان إلى احتمال مغادرة ماتفيينكو منصبها وتعيين سيرغي ناريشكين مدير الاستخبارات الخارجية، والرئيس السابق لمجلس الدوما، عوضا عنها. وسارع عثمانوف لنفي تلك الاتهامات، وقال المتحدث باسمه إن «عثمانوف لا يتدخل في سياسة التحرير، ولا سيما لا يتخذ القرارات حول فصل أو تعيين الصحافيين»، وأكد أن «علي شير سمع بخبر الإقالة من وسائل الإعلام». كما نفت فالنتينا ماتفيينكو، رئيسة مجلس الاتحاد علاقتها بالأمر، وعبرت عن أسفها لما حدث.
من جانبه أحال فلاديمير جيلونكين، رئيس تحرير «كوميرسانت» قرار الإقالة إلى «انتهاك معايير التحرير»، دون أن يوضح أي معايير تحديدا انتهكها الصحافيان. أما إيفان ستريشينسكي، رئيس مجلس إدارة «كوميرسانت» فقد قال في تصريحات لصحيفة (The Bell) إن «إشارات» وصلت له تشير إلى أن التقرير الذي أعده الصحافيان ربما جاء بطلب جهات ما، أي «مدفوع له». وأكد أنه طلب من رئيس التحرير التعامل وتوضيح الموقف، و«التأكد من أن الصحافيان التزاما بالمعايير». وبناء عليه طُلب منهما الكشف عن «المصادر» التي نقلا عنها ما جاء في تقرير بشأن تغيرات في رئاسة المجلس الاتحادي «لتأكيد نزاهة التقرير» إلا أنهما رفضا ذلك. وإذ يرى رئيس مجلس الإدارة أن رفضهما يمثل انتهاكا لقواعد العمل الداخلية في «كوميرسانت»، شدد العاملون في الصحيفة على حق الكاتب في التكتم على مصادره، حرصا على «الثقة المتبادلة مع أي مصدر»، ولعدم تعريض المصدر لمشاكل أو مساءلة أو خطر ما، ناهيك بأن هذا أمر متعارف عليه ضمن مبادئ وقوانين العمل الصحافي، لا سيما أن السؤال عن «هوية المصادر» جاء بعد النشر بفترة طويلة، وليس قبله.
كل تلك التصريحات وتوضيح المواقف لم يؤثر على الأزمة، وتم اتخاذ القرار بإقالة الصحافيان سافرونوف وإيفانوف. إثر ذلك أعلن 11 صحافيا آخرون، بينهم غليب تشيركاسوف، نائب رئيس التحرير، وآللا باروخوفايا رئيسة تحرير قسم السياسية، وجميع الكتاب الموظفين في قسم السياسية، عن تضامنهم مع زميليهما، واتخذوا قرارا جماعيا بالاستقالة من «كوميرسانت». وكتب هؤلاء جميعهم في «بيان» نشره كل منهم على حسابه في «فيسبوك»: «منذ عدة أيام بمبادرة من مالكي أسهم دار كوميرسانت للنشر، تم قطع علاقات العمل مع المراسل الخاص إيفان سافرونوف، ونائب رئيس تحرير القسم السياسي مكسيم إيفانوف. السبب المعلن تقرير نُشر حول احتمال تغيير رئيسة المجلس الفيدرالي. لدى مالكي الأسهم الحق في اتخاذ قرارات إدارية، ولدى الموظفين الحق في رفض تلك القرارات، عبر طريقة وحيدة هي تغيير مكان العمل»، ومن ثم يشيرون في البيان إلى أنهم جميعهم قدموا طلبات استقالة من الصحيفة. وهذا ما حصل عملياً، إذ أعلنت الصحيفة استقالتهم كلهم، وأكدت أنها مستمرة وستصدر بشكل طبيعي.
وعبرت بعض الصحف عن استيائها إزاء ما حدث. وقالت صحيفة «فيدموستي» في تقرير أعده بافل أبتيكار، ونشرته يوم 20 مايو (أيار)، إن «إقالة صحافيين بسبب تقرير أثار استياء مالكي الصحيفة نفسها، إشارة سيئة دوما لكل العاملين في هذا المجال، تعرض عدم توفر حماية لدى الصحافيين أمام إرادة المالكين وحاملي أسهم الوسيلة الإعلامية. ويعكس (ما جرى) الوضع اليوم، حيث مصالح أعمال مالكي الوسيلة الإعلامية، أهم بالنسبة لهم من إلحاق الضرر بسمعة الوسيلة الإعلامية وآفاق تطورها». ورأت «فيدموستي» أن «الإقالة الجماعية لعاملين في صحيفة شهيرة بتاريخ عريق وفق معايير الفضاء السوفياتي السابق، تعكس جملة المشاكل التي يواجهها الإعلام الوطني، حيث تغيب عن قانون الإعلام آليات تنظيم العلاقة ما بين الصحافي ومالك الوسيلة الإعلامية»، وأشارت إلى أن «قانون الإعلام يؤكد على استقلال عمل التحرير، إلا أنه من الصعب تطبيق هذا الأمر، بما في ذلك لأن أصحاب وسائل الإعلام، كما وأي صاحب بيزنس في روسيا، من الصعب جداً أن يحافظوا على استقلالهم عن السلطات»، موضحة أن «الصحافيين الروس (لا سيما في المحافظات) يواجهون من حين لآخر تدخلات من جانب المالكين في سياسة التحرير بأشكال مختلفة، مثل إقالة محررين وصحافيين، أو تغيير السياسة التحريرية، أو حظر نشر مادة ما ومراقبة التقارير وغيره».
من جانبها عبرت منظمة «مراسلون بلاد حدود» عن قلقها إزاء إقالة العاملين في «كوميرسانت»، وقالت إن «تدخل حاملي الأسهم في سياسة التحرير، يمثل ضربة موجعة لاستقلال الصحافة الروسية»، وأعادت إلى الأذهان أن حماية «المصادر» في الصحافة، واحد من المبادئ الرئيسية التي تنص عليها القوانين الروسية. وأكدت دعمها للصحافيين الذين «اتحدوا للدفاع عن مبادئ حرية واستقلال العمل الإعلامي، التي تتعرض لتدخلات متزايدة من جانب السلطات السياسية».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.