«تقرير» في صحيفة روسية يطيح طاقمها السياسي

مراسلون بلا حدود: ضربة موجعة لاستقلال الصحافة

تعد {كوميرسانت} من أهم الصحف الروسية وليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع» وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام
تعد {كوميرسانت} من أهم الصحف الروسية وليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع» وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام
TT

«تقرير» في صحيفة روسية يطيح طاقمها السياسي

تعد {كوميرسانت} من أهم الصحف الروسية وليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع» وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام
تعد {كوميرسانت} من أهم الصحف الروسية وليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع» وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام

تعرضت صحيفة «كوميرسانت» الروسية الرصينة لأزمة شديدة هزت أركانها، نتيجة خلاف بين إدارة تحريرها وصحافيين اثنين من نخبة الكتاب في صفحاتها السياسية، حول تقرير كشفا فيه عن تغيرات محتملة في رئاسة المجلس الفيدرالي «نقلاً عن مصادر». وانتهت الأزمة بإقالة الصحافيين الأسبوع الماضي، ومعهما جميع الإعلاميين العاملين في القسم السياسي، الذين قرروا التضامن مع زميليهما. ورأت صحف روسية في هذا الوضع «إشارة سلبية تكشف عدم تمتع الصحافي بحماية أمام مالكي الصحيفة»، بينما قال العاملون في «كوميرسانت» في «خطاب للقراء» إن ما يجري «تدمير لواحدة من أفضل الوسائل الإعلامية في روسيا»، وعبروا عن قناعتهم بأن «روسيا جديرة بمستقبل أفضل. جديرة بحرية الكلمة». وانتقدت صحف رسمية تعامل المالكين مع الصحافيين، بينما وصفت «مراسلون بلا حدود» ما جرى «ضربة موجعة لاستقلال الصحافة في روسيا».
أزمة «كوميرسانت» ظهرت إلى العلن في 20 مايو (أيار) حين نشر الصحافي إيفان سافرونوف خبرا على حسابه الشخصي في «فيسبوك»، قال فيه: «بعد عشر سنوات كتبت خلالها حول عشرات ومئات قرارات إقالة مسؤولين ومديرين من مختلف المستويات، وغطيت التغيرات الإدارية في الشركات والمؤسسات الحكومية، آن الأوان لأكتب عن إقالتي»، وأوضح أنه سيتوقف قريبا هو وزميله مكسيم إيفانوف عن العمل في الصحيفة «دون إرادة مني، وإنما بموجب قرار مالكي أسهم الصحيفة، الذين عبروا عن اعتراضات جدية على التقرير الذي أشرنا فيه إلى احتمال مغادرة فالنتينا ماتفيينكو منصبها رئيسة للمجلس الفيدرالي».
ويدور الحديث حول مقال تحت عنوان «رؤساء المجالس يصنعونهم من هؤلاء الناس»، نشرته صحيفة «كوميرسانت» في 17 أبريل (نيسان) الماضي، وجاء في مقدمته: «علمت كوميرسانت أن سلسلة تغيرات ستجري خلال الشهر المقبلة»، ويوضح «نقلا عن عدة مصادر من مؤسسات الدولة» أن «فالنتينا ماتفيينكو ربما تغادر منصبها في رئاسة المجلس الفيدرالي، الذي تشغله منذ عام 2011. والمرشح المرجح ليحل بديلا عنها سيرغي ناريشكين، مدير الاستخبارات الخارجية حاليا، والرئيس السابق لمجلس الدوما. أما ماتفيينكو فقد يتم تعيينها في مؤسسة يتطلب تغيير صفتها، مثل الصندوق التقاعدي على سبيل المثال». ويؤكد معدوه أنهما حصلا على مكافأة مالية عنه تقديراً من إدارة التحرير حينها، وهو نفسه التقرير الذي أصبح لاحقا سبب إقالتهما.
وتُعد «كوميرسانت» واحدة من أهم الصحف الروسية، رغم التزامها إلى حد ما بنهج إعلامي لا يزعج السلطات، إلا أنها ليست محسوبة على «الإعلام الرسمي أو التابع»، وهي أكثر جرأة من صحف أخرى في نشر تقارير تكشف فيها عن قضايا ومشاكل وأزمات، يفضل البعض عدم تناولها في الإعلام. وتعتمد الصحيفة في تغطياتها للأحداث السياسية، الداخلية والخارجية، والاقتصادية والاجتماعية، على مصادر صحافييها في مؤسسات السلطة والأوساط الاقتصادية والتجارية. وغالبا تنقل عن تلك المصادر معلومات تتأكد صحتها لاحقا، إذ تسعى إلى التأكد من مصادر أخرى عند عرض أي معلومات حصلت عليها من «مصدر». وأثبتت خلال سنوات عملها درجة عالية جدا من المصداقية والدقة والموضوعية في نقل المعلومات. لذلك تحظى باحترام القراء من مختلف الفئات وثقتهم.
وقالت صحف روسية إن استقالة الصحافيين جاءت بموجب اتفاق بين الأطراف، أي اتفاقهما مع إدارة التحرير، إلا أن بعض العاملين في «كوميرسانت» قالوا عبر حساباتهم على «فيسبوك» إن قرار الإقالة اتخذه رجل الأعمال علي شير عثمانوف، مالك صحيفة «كوميرسانت»، لأنه غير راض عن التقرير الذي أشار فيه الصحافيان إلى احتمال مغادرة ماتفيينكو منصبها وتعيين سيرغي ناريشكين مدير الاستخبارات الخارجية، والرئيس السابق لمجلس الدوما، عوضا عنها. وسارع عثمانوف لنفي تلك الاتهامات، وقال المتحدث باسمه إن «عثمانوف لا يتدخل في سياسة التحرير، ولا سيما لا يتخذ القرارات حول فصل أو تعيين الصحافيين»، وأكد أن «علي شير سمع بخبر الإقالة من وسائل الإعلام». كما نفت فالنتينا ماتفيينكو، رئيسة مجلس الاتحاد علاقتها بالأمر، وعبرت عن أسفها لما حدث.
من جانبه أحال فلاديمير جيلونكين، رئيس تحرير «كوميرسانت» قرار الإقالة إلى «انتهاك معايير التحرير»، دون أن يوضح أي معايير تحديدا انتهكها الصحافيان. أما إيفان ستريشينسكي، رئيس مجلس إدارة «كوميرسانت» فقد قال في تصريحات لصحيفة (The Bell) إن «إشارات» وصلت له تشير إلى أن التقرير الذي أعده الصحافيان ربما جاء بطلب جهات ما، أي «مدفوع له». وأكد أنه طلب من رئيس التحرير التعامل وتوضيح الموقف، و«التأكد من أن الصحافيان التزاما بالمعايير». وبناء عليه طُلب منهما الكشف عن «المصادر» التي نقلا عنها ما جاء في تقرير بشأن تغيرات في رئاسة المجلس الاتحادي «لتأكيد نزاهة التقرير» إلا أنهما رفضا ذلك. وإذ يرى رئيس مجلس الإدارة أن رفضهما يمثل انتهاكا لقواعد العمل الداخلية في «كوميرسانت»، شدد العاملون في الصحيفة على حق الكاتب في التكتم على مصادره، حرصا على «الثقة المتبادلة مع أي مصدر»، ولعدم تعريض المصدر لمشاكل أو مساءلة أو خطر ما، ناهيك بأن هذا أمر متعارف عليه ضمن مبادئ وقوانين العمل الصحافي، لا سيما أن السؤال عن «هوية المصادر» جاء بعد النشر بفترة طويلة، وليس قبله.
كل تلك التصريحات وتوضيح المواقف لم يؤثر على الأزمة، وتم اتخاذ القرار بإقالة الصحافيان سافرونوف وإيفانوف. إثر ذلك أعلن 11 صحافيا آخرون، بينهم غليب تشيركاسوف، نائب رئيس التحرير، وآللا باروخوفايا رئيسة تحرير قسم السياسية، وجميع الكتاب الموظفين في قسم السياسية، عن تضامنهم مع زميليهما، واتخذوا قرارا جماعيا بالاستقالة من «كوميرسانت». وكتب هؤلاء جميعهم في «بيان» نشره كل منهم على حسابه في «فيسبوك»: «منذ عدة أيام بمبادرة من مالكي أسهم دار كوميرسانت للنشر، تم قطع علاقات العمل مع المراسل الخاص إيفان سافرونوف، ونائب رئيس تحرير القسم السياسي مكسيم إيفانوف. السبب المعلن تقرير نُشر حول احتمال تغيير رئيسة المجلس الفيدرالي. لدى مالكي الأسهم الحق في اتخاذ قرارات إدارية، ولدى الموظفين الحق في رفض تلك القرارات، عبر طريقة وحيدة هي تغيير مكان العمل»، ومن ثم يشيرون في البيان إلى أنهم جميعهم قدموا طلبات استقالة من الصحيفة. وهذا ما حصل عملياً، إذ أعلنت الصحيفة استقالتهم كلهم، وأكدت أنها مستمرة وستصدر بشكل طبيعي.
وعبرت بعض الصحف عن استيائها إزاء ما حدث. وقالت صحيفة «فيدموستي» في تقرير أعده بافل أبتيكار، ونشرته يوم 20 مايو (أيار)، إن «إقالة صحافيين بسبب تقرير أثار استياء مالكي الصحيفة نفسها، إشارة سيئة دوما لكل العاملين في هذا المجال، تعرض عدم توفر حماية لدى الصحافيين أمام إرادة المالكين وحاملي أسهم الوسيلة الإعلامية. ويعكس (ما جرى) الوضع اليوم، حيث مصالح أعمال مالكي الوسيلة الإعلامية، أهم بالنسبة لهم من إلحاق الضرر بسمعة الوسيلة الإعلامية وآفاق تطورها». ورأت «فيدموستي» أن «الإقالة الجماعية لعاملين في صحيفة شهيرة بتاريخ عريق وفق معايير الفضاء السوفياتي السابق، تعكس جملة المشاكل التي يواجهها الإعلام الوطني، حيث تغيب عن قانون الإعلام آليات تنظيم العلاقة ما بين الصحافي ومالك الوسيلة الإعلامية»، وأشارت إلى أن «قانون الإعلام يؤكد على استقلال عمل التحرير، إلا أنه من الصعب تطبيق هذا الأمر، بما في ذلك لأن أصحاب وسائل الإعلام، كما وأي صاحب بيزنس في روسيا، من الصعب جداً أن يحافظوا على استقلالهم عن السلطات»، موضحة أن «الصحافيين الروس (لا سيما في المحافظات) يواجهون من حين لآخر تدخلات من جانب المالكين في سياسة التحرير بأشكال مختلفة، مثل إقالة محررين وصحافيين، أو تغيير السياسة التحريرية، أو حظر نشر مادة ما ومراقبة التقارير وغيره».
من جانبها عبرت منظمة «مراسلون بلاد حدود» عن قلقها إزاء إقالة العاملين في «كوميرسانت»، وقالت إن «تدخل حاملي الأسهم في سياسة التحرير، يمثل ضربة موجعة لاستقلال الصحافة الروسية»، وأعادت إلى الأذهان أن حماية «المصادر» في الصحافة، واحد من المبادئ الرئيسية التي تنص عليها القوانين الروسية. وأكدت دعمها للصحافيين الذين «اتحدوا للدفاع عن مبادئ حرية واستقلال العمل الإعلامي، التي تتعرض لتدخلات متزايدة من جانب السلطات السياسية».


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».