العراق يوازن بين حقوق الأسرى والخوف من ظهور تنظيم إرهابي جديد

كثيرون يرددون أنهم ظلوا مع «داعش» خوفاً من البطش بهم

نساء يتجولن وسط مخيم الهول للنازحين في محافظة الحسكة بسوريا حيث يعيش آلاف من أنصار «تنظيم داعش» المتمسكين بأفكاره (رويترز)
نساء يتجولن وسط مخيم الهول للنازحين في محافظة الحسكة بسوريا حيث يعيش آلاف من أنصار «تنظيم داعش» المتمسكين بأفكاره (رويترز)
TT

العراق يوازن بين حقوق الأسرى والخوف من ظهور تنظيم إرهابي جديد

نساء يتجولن وسط مخيم الهول للنازحين في محافظة الحسكة بسوريا حيث يعيش آلاف من أنصار «تنظيم داعش» المتمسكين بأفكاره (رويترز)
نساء يتجولن وسط مخيم الهول للنازحين في محافظة الحسكة بسوريا حيث يعيش آلاف من أنصار «تنظيم داعش» المتمسكين بأفكاره (رويترز)

يقول المزارع العراقي شاكر صالح إنه كان يشعر بالخوف من «تنظيم داعش»، لكن خوفه من هزيمته كان أعظم. وتتمثل مشكلته في إقناع الناس بأنه لم يكن يؤيد المتطرفين. فعندما أخرجت القوات العراقية التنظيم من مدينته بمحافظة صلاح الدين الواقعة شمال بغداد رحل صالح مع التنظيم المتطرف الذي اشتهر
بين خصومه باسم «داعش». وبقي قدر ما استطاع فيما يسمى دولة «داعش» التي أعلنها التنظيم وهي تتقلص رويدا رويدا. قال صالح (49 عاما): «اعتقدنا أن الفصائل ستقتلنا لأننا كنا نعيش تحت حكم (داعش) ولذلك هربنا»، مشيرا إلى الفصائل الشيعية التي ساعدت في إلحاق الهزيمة بالتنظيم. وأضاف: «هذا هو السبب الذي دعانا للبقاء مع (داعش). تعودنا عليهم وكنا نعرف ما علينا أن نفعله للبقاء على قيد الحياة». ويعيش صالح الآن في مخيم الهول، مترامي الأطراف الخاضع للحراسة على الجانب السوري من الحدود، حيث يعيش ألوف من أنصار «تنظيم داعش» المتمسكين بأفكاره بين 70 ألفا من العراقيين والسوريين وغيرهم. ويركب بعضهم سيارته التي يستعملها كسيارة أجرة لكسب رزقه إذ يتقاضى دولارا عن كل رحلة.
وقالت امرأة سورية في المخيم ذكرت أن اسمها فاطمة لـ«رويترز»: «إذا أذن المولى سيعود (داعش)».
ويستعد العراق لإعادة مواطنيه من مخيم الهول الذين يتجاوز عددهم 30 ألفا. لكنه يواجه معضلة في تقرير مصيرهم وكيفية التعرف على من كانت تربطهم صلات حقيقية بـ«تنظيم داعش» ومن وجدوا أنفسهم عالقين ضمن «التنظيم الإرهابي».
وتعني صعوبة التمييز بين هذين الفريقين اللذين ينتمي أفرادهما في بعض الأحيان لعشيرة واحدة في الهول أن كثيرين من أمثال صالح يواجهون البقاء محتجزين لفترة طويلة بمقتضى الخطط التي تعكف الحكومة على دراستها.
ويقول حقوقيون وجماعات إغاثة إن بغداد تخلت في الآونة الأخيرة عن فكرة بناء مخيم منفصل لاحتجاز القادمين من مخيم الهول فيه، وذلك بعد أن اعترضت عليها وكالات الإغاثة التي تعتمد عليها بغداد في إعالة مئات الآلاف من المهجرين.
ويقول مسؤولون وجماعات الإغاثة والمنظمات الحقوقية إن أحدث اقتراح عراقي يقضي بوضعهم في مبان وهياكل لها صفة الدوام في مناطق معزولة تخضع لحراسة قوات الأمن. وقال علي بياتي عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق وهي هيئة شبه رسمية إن المخيمات مؤقتة ولا يمكن أن يعيش فيها الناس إلى الأبد. وأضاف أن الحل الوحيد هو تخصيص مناطق تخضع للمراقبة والحماية من جانب الدولة وتزويدها بالخدمات والعمل على دمج هؤلاء الناس. وقال عدد من العاملين في مجال المساعدات إن وكالات الإغاثة أكدت أنها لن تقدم دعما لمخيم احتجاز جديد أو لمنطقة اعتقال، وذلك بسبب احتمال حدوث انتهاكات حقوقية. وتسعى الوكالات وفقا لخطة اطلعت عليها «رويترز» لوضع من يجتازون الفحص الأمني في مخيمات النازحين القائمة. وامتنعت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية ورئاسة الوزراء عن التعليق على الخطط الحالية للمحتجزين في مخيم الهول.
ولأن أغلب من يعيشون في مخيم الهول خرجوا من آخر قطعة من الأرض كانت تحت سيطرة «تنظيم داعش» في شرق سوريا فليس من السهل تمييز أصحاب الفكر المتطرف عن غير المتطرفين وضمان ألا تغير المجموعة الثانية آراءها. وقال مسؤولون غربيون إن الأمن العالمي قد يتعرض للخطر مرة أخرى إذا أخطأت بغداد في تقديراتها مثلما حدث عندما سيطر «تنظيم داعش»، الذي خرج من عباءة تنظيم «القاعدة» بعد أن استغرقت هزيمته سنوات، على مناطق سنية في العراق بين مجتمعات كان أفرادها يشعرون بأن الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة تضطهدهم وقد تم اعتقال معظم العراقيين الذين تربطهم صلات واضحة بالتنظيم مثل المسلحين وأفراد أسرهم ونقل بعضهم إلى العراق لمحاكمتهم. ويقول كثيرون ممن يعيشون في المخيم الذي تسيطر عليه قوات من أكراد سوريا تدعمها الولايات المتحدة إنهم لا يؤيدون «داعش» لكنهم تمكنوا من العيش تحت حكمه القاسي بتجنب لفت الأنظار إليهم. ويعيش صالح وعراقيون آخرون من منطقته في خيام منفصلة عمن يشتبه أنهم من المقاتلين في مخيم الهول ويصف الأجانب المحتجزين في منطقة أخرى بأنهم «متطرفون». وتقول الحكومة إن إبعادهم عند عودتهم إلى العراق عن المخيمات الحالية والمناطق السكنية سيحميهم من اعتداءات الناشطين الذين عانوا تحت حكم «داعش» ويسهم في تجنب انتشار الأفكار المتطرفة.
وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش التي تتخذ من نيويورك مقرا إن من الممكن نقل المقيمين في مخيم الهول الذين يعتبرون مصدر خطر لمشروعات سكنية مهجورة أو لم يكتمل بناؤها أو في حاويات يتم تحويلها إلى مساكن بدلا من المخيمات. وقالت بلقيس ويل الباحثة في المنظمة: «ما يفكرون فيه الآن أكثر استدامة. وهذا يعني أنهم يتوقعون احتجاز الناس هناك لفترات أطول». وسبق أن قالت المنظمة إن مثل هذه الخطط تمثل انتهاكا للقانون الدولي الذي يمنع الاحتجاز التعسفي دون محاكمة. وتريد بغداد أن تتجنب تكرار تجربة معسكر بوكا الذي كان مركز احتجاز تديره الولايات المتحدة وعمل فيه أبو بكر البغدادي زعيم «تنظيم داعش» الذي لا يزال مطلق السراح على توسيع شبكة المتطرفين خلال الاحتلال الأميركي للعراق.
وقال رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في وقت سابق من العام الجاري إن ثمة فرقا بين الأسر التي احتجزها «داعش» رهائن والأسر التي رافقت الإرهابيين. وأضاف أن العراق سيحترم حقوق الإنسان لكن من الضروري وجود تدابير أمنية حتى لا يتسرب أنصار التنظيم إلى المجتمع مرة أخرى. ويعيش في مخيمات المهجرين الحالية نحو 450 ألف عراقي وتقول جماعات الإغاثة إن هؤلاء يحرمون في هذه المخيمات أحيانا من توثيق أوضاعهم ويواجهون احتمال ألا يعودوا أبدا إلى بيوتهم بسبب ارتباط حقيقي أو مزعوم بـ«تنظيم داعش» ويقول مسؤولون غربيون إنه سواء احتجز هؤلاء في مخيمات أو في مجمعات سكنية خاضعة للحراسة أو أطلق سراحهم فكلما طالت الفترة التي يشعر فيها السنة الذين عاشوا في ظل «داعش» بالتهميش زاد احتمال أن يستغلهم المتشددون الساعون لإعادة تنظيم صفوفهم وتوسيع نطاق حركة التمرد.
ورحبت أغلب المجتمعات السنية بهزيمة «تنظيم داعش» التي سرعان ما اكتشف السنة أنها اضطهدت كل من اعتبرته عدوا لها بغض النظر عن مذهبه الديني. لكن أفرادها يخشون التهميش والاعتقال إذا ما عادوا إلى مناطق في العراق أصبح للفصائل الشيعية اليد العليا فيها. وقد وُجهت اتهامات لبعض الفصائل الشيعية في العراق بتنفيذ هجمات انتقامية من السنة الذين كانوا يعيشون في كنف «داعش» الذي نفذ أعمال قتل جماعي للشيعة الذين يصفهم بالكفار وتنفي الفصائل تنفيذ أي هجمات من هذا النوع وتقول إن أي حوادث من هذا القبيل معزولة وغير ممنهجة. وقد رحل صالح وأسرته عن بلدتهم في محافظة صلاح الدين عندما أخرجت القوات العراقية المتشددين منها في العام 2015 وانتقلوا إلى الموصل لمدة عامين ثم إلى القائم آخر معاقل في العراق. وقال: «حين تعرضت القائم للهجوم دفعنا أموالا للمهربين لنقلنا إلى سوريا». وأضاف صالح في روايته التي لم تستطع رويترز التحقق من صحتها:« نبغي العودة للديار لكن لن نفعل ذلك ما دامت الفصائل مسيطرة هناك. سيقتلوننا أو يحبسوننا. دمروا أرضنا الزراعية وشاهدت فيديو لهم وهم يشعلون النار فيها». ولم ترد وزارة الهجرة والمهجرين العراقية التي تتولى مسائل العودة والمخيمات على طلبات للتعليق على الخطط الخاصة بالنازحين أو الانتهاكات الحقوقية المزعومة.



«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
TT

«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)

دخلت عملية «فجر اليمن» شهرها الثاني بتأكيد رئاسي على استمرارها حتى استعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع صدور تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة، في حين تسبب قصف حوثي بصاروخ باليستي في سقوط قتلى وجرحى في عملية وصفتها الحكومة اليمنية بـ«جريمة حرب».

وشهدت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، وتزايد المخاوف على المدنيين والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان للمجلس، الخميس، استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس إن القوات المسلحة نفّذت، منذ الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية في مختلف الجبهات، أسفرت، وفق حصيلته، عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية ومعدة عسكرية.

مقاتلو الجيش اليمني في أحد المواقع بمحافظة الجوف (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام، حسب المجلس، حجم العمليات العسكرية خلال الشهر الأول، في حين تتواصل المواجهات على عدة محاور، وسط تحركات حكومية لإعادة ترتيب بعض القيادات العسكرية والأمنية.

وبينما واصلت الجماعة الحوثية أعمالها العدائية واستهدافها للمدنيين والمنشآت الحيوية المدنية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استخدام مقرات أممية للعمليات العسكرية، كشف تقرير أممي عن استمرارها في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة.

كما أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين في الساحل الغربي مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

معارك متعددة

أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية في منطقتي الصراري بمديرية صبر الموادم وصنمات بمديرية المسراخ في محافظة تعز (جنوب غرب)، عقب هجمات شنتها بمساندة المقاومة الشعبية، تزامنت مع غارات جوية وضربات نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي شنّ، فجر الجمعة، سلسلة غارات استهدفت تمركزات وتحصينات وآليات للجماعة في مديرية حيفان ومحيط مدينة التربة، دون إعلان حصيلة رسمية للخسائر.

وشهدت مناطق عديدة في محافظة لحج مواجهات عنيفة، تركزت بصورة خاصة في جبهة منطقة الزريقة التابعة لمديرية المقاطرة، حيث أفادت مصادر عسكرية بتنفيذ الحوثيين هجوماً التفافياً على خمسة مواقع، قبل أن تتمكن القوات المدافعة مسنودة بالمقاومة من استعادة موقعَين منها، في حين تتواصل المواجهات في مديرية المضاربة وجبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وأسفرت المواجهات في الزريقة، وفق حصيلة ميدانية أولية نقلتها مصادر قيادية، عن مقتل 11 من أفراد القوات المشتركة وإصابة 23 آخرين، ولم تُعرف أعداد الإصابات في أوساط الحوثيين، فيما استمرت الاشتباكات مع وصول تعزيزات عسكرية من الطرفَين.

وامتد التصعيد إلى محافظتي مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية إحراز تقدم في مرتفعات الدحيضة وجبال حويشان شرقي الجوف، والسيطرة على مواقع وتحصينات وأسلحة، ضمن عمليات تستهدف فتح الطريق باتجاه مدينة الحزم.

مقاتلو الجيش والمقاومة في تعز استعادوا مواقع مهمة من يد الحوثيين (غيتي)

وفي مأرب، تواصلت المواجهات في وادي حلحلان بمديرية رغوان، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الحوثيين، والتقدم باتجاه منطقة محازيم ماس، عقب اشتباكات وهجمات متبادلة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتتزايد المخاوف من انعكاسات اتساع القدرات الصاروخية والجوية الحوثية على أمن المنطقة والممرات البحرية، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

تقرير أممي يكشف عن استمرار الحوثيين في الحصول على قدرات عسكرية عبر شبكات معقدة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، كشف تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقدة، ومكونات تجارية ومدنية مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة الملاحة والبطاريات والمحركات وأجهزة التحكم الإلكتروني المستخدمة في تصنيع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأشار التقرير إلى اعتراض شحنات ومكونات عسكرية خلال عام 2025، فضلاً عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي والمتفجرات، بينها بيركلورات الأمونيوم ونترات الصوديوم، محذراً من أن استمرار هذه الإمدادات يعزّز قدرات الجماعة بعيدة المدى ويشكل تهديداً للملاحة والتجارة الدولية.

مجزرة أخرى في الوازعية

في الساحل الغربي، أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الجماعة تستغل الحصانة القانونية للمقرات الأممية لتغطية أنشطتها العسكرية، مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات والعمل على إخلاء المبنى من العناصر المسلحة والأسلحة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.

وفي تطور ميداني آخر، سقط قتلى وجرحى إثر استهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، الجمعة.

وبينما أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، مقتل 20 شخصاً وإصابة 15 آخرين على الأقل، حمّلت السلطات المحلية في تعز الجماعة مسؤولية الهجوم، ونفت أن يكون ناجماً عن غارات جوية لـ«التحالف»، مؤكدة، استناداً إلى إفادة غرفة العمليات، عدم تنفيذ الطيران الحربي أي عمليات في مديرية الوازعية خلال ذلك اليوم.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني، ماجد النزيلي، إن الحوثيين استهدفوا السوق بصاروخ باليستي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، واصفاً الهجوم بأنه «جريمة حرب» تعكس، حسب تعبيره، استهداف الجماعة للمدنيين كلما تعرضت لخسائر ميدانية أو أخفقت في إطلاق صواريخها.

مقاتلو الجيش اليمني في تعز عقّدوا مهمة الحوثيين في حصار المدينة واقتحامها (أ.ف.ب)

واتهم النزيلي الجماعة بتعريض أمن المنطقة وحرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية للخطر، داعياً المجتمع الدولي إلى تصنيفها منظمة إرهابية وتجفيف مصادر تمويلها وقطع إمدادات السلاح عنها، ومؤكداً استمرار القوات الحكومية في عملية «فجر اليمن».

من جهتها، حذرت السلطة المحلية من أن الهجمات الصاروخية الحوثية العشوائية، بما فيها استخدام الصواريخ الباليستية، تعرّض حياة المدنيين للخطر. وشددت على أن الأسواق والتجمعات السكانية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ودعت السلطات إلى توثيق ملابسات الحادثة وحفظ الأدلة المادية وإخضاعها لفحص فني مستقل. كما حثت السكان على الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم لمس مخلفاتها أو نقلها، وإبلاغ الجهات المختصة، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بإدانة استهداف المدنيين ودعم جهود التحقيق والمساءلة.

وتزامن التصعيد مع تغييرات في بعض المواقع العسكرية والأمنية، إذ أصدر الرئيس العليمي قراراً بتعيين قيادة جديدة لمحور أبين العسكري، بالتوازي مع قرارات لوزارة الداخلية شملت 11 تعييناً في قيادة وإدارات الشرطة بالمحافظة، في خطوة تأتي ضمن تحركات حكومية لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية بالتزامن مع اتساع العمليات على الجبهات.


الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)

أعلنت الجماعة الحوثية في اليمن عن تخصيص نحو 10 ملايين دولار للإنفاق على عائلات قتلاها وجرحاها ومفقوديها في التصعيد العسكري خلال أسبوع واحد، في إجراء يثير استنكاراً واسعاً داخل مناطق سيطرتها التي تشهد أزمة معيشية حادة وانقطاع رواتب الموظفين العموميين منذ سنوات.

ودشنت الهيئة العامة لرعاية أسر قتلى الجماعة، أواخر الشهر الماضي، برنامجاً واسعاً للإنفاق على أتباع الجماعة وأسر قتلاها وجرحاها، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 9.34 مليون دولاراً (5 مليارات و443 مليون ريال يمني، حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 530 ريالاً)، ضمن فعالياتها السنوية التي تطلق عليها «أسبوع الشهيد».

ويشمل الإنفاق مشروعات غذائية وطبية وتقديم معونات نقدية. ووفقاً لكلمة القيادي الحوثي صالح حمزة، نائب رئيس الهيئة، خلال فعالية التدشين، فإن المشروعات المُعلنة تستهدف إحياء الذكرى السنوية لقتلى الجماعة، فضلاً عن تنفيذ برامج الرعاية الدورية والتمكين الاقتصادي، وتوسيع مجالات الدعم الموجهة لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

وإلى جانب ذلك، تهدف الجماعة إلى توزيع سلال غذائية بقيمة 3.36 مليون دولاراً (1.8 مليار ريال)، وهدايا رمزية بقيمة 2.61 مليون دولاراً (1.4 مليار ريال)، بالإضافة إلى مشروعات تمكين اقتصادي ورعاية دورية موجهة حصراً لمنتسبي الجماعة وعائلاتهم.

غالبية الموارد المالية الخاضعة للحوثيين تذهب لصالح التعبئة والحشد والدعاية (إعلام حوثي)

وضاعفت الجماعة الحوثية، خلال الأعوام الأخيرة، من تسخير الموارد المالية والاقتصادية في خدمة مشروعها، حيث تحدث القيادي حمزة عن تسخير مليارات الريالات خلال العام الماضي، لتنفيذ مشروعات نقدية وصحية وغذائية موجهة حصراً لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

حصر المساعدات بالولاء

تُتَّهم الجماعة بتوظيف موارد الدولة وعائدات هيئتي «الزكاة» و«الأوقاف»، وهما كيانان موازيان أنشأتهما خلال السنوات الماضية، لتعزيز التعبئة العسكرية والولاء السياسي، بدلاً من توجيهها لتخفيف المعاناة الاقتصادية العامة.

ويرى سكان في صنعاء أن الجماعة تواصل تبديد الأموال على مشروعات تستهدف ذوي قتلاها وجرحاها، بالتوازي مع إحياء مناسبات تروج لأفكارها الطائفية، بينما تتجاهل معاناة الملايين الذين يواجهون أوضاعاً معيشية قاسية، في ظل أزمة إنسانية تتفاقم عاماً بعد آخر.

قيادات حوثية أثناء تدشين برنامج الرعاية الاجتماعية الخاص بأتباع الجماعة (إعلام حوثي)

ويقول موظف عمومي في صنعاء، طلب إخفاء اسمه، إنه، وبينما بات عاجزاً عن توفير الاحتياجات الأساسية لعائلته التي تضم 5 أطفال، تذهب الجماعة إلى تخصيص المليارات لعائلات قتلاها، وبرامج لا تتجاوز أتباعها، ما يثير شعوراً بالغاً بالمرارة لديه والآلاف الذين لا يستطيعون تلبيه احتياجات عائلاتهم.

ويستنكر حرمان ملايين اليمنيين من الطعام والعلاج والتعليم، مقابل تخصيص هذه المبالغ لعدد محدود من العائلات بسبب ولائها.

استمالة العائلات الفقيرة

يرى مراقبون أن الجماعة تسعى إلى استمالة الأسر الفقيرة واستثمار أوضاعها المعيشية لتعزيز ولائها، وإقناعها بدفع مزيد من أبنائها للانخراط في القتال على الجبهات.

من جهته، يبدي رب عائلة فقيرة حسرته من سماعه عن إنفاق المليارات على فعاليات ومشروعات الجماعة، بينما توضع الأسر الفقيرة أمام خيارات قاسية؛ بين تقليص احتياجاتها الأساسية أو الاستدانة، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة وتراجع فرص الحصول على المساعدات.

عناصر حوثيون بينهم طفل في فعالية مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني في صنعاء (أ.ف.ب)

وفي ريف العاصمة المختطفة صنعاء، يقول موظف تربوي إن استمرار انقطاع الرواتب دفع آلاف المعلمين إلى البحث عن أعمال بديلة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، في وقت تتواصل فيه الحملات التعبوية والإنفاق الحوثي على الأتباع، مشيراً إلى عجز المعلمين عن توفير احتياجات أبنائهم بعد سنوات طويلة قضوها في خدمة التعليم.

ويأتي هذا الإنفاق الموجه في وقت تصنف فيه الأمم المتحدة الوضع في اليمن بوصفه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين من انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية.


التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
TT

التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

سجّلت منظمات طبية محلية ودولية عاملة في اليمن ارتفاعاً ملحوظاً في المعدل اليومي لضحايا التصعيد العسكري الحوثي إلى 132 شخصاً، مقارنة بنحو 93 ضحية خلال الأسبوع الماضي، وتصدرت محافظة لحج قائمة المحافظات المتضررة نتيجة استمرار المعارك وقصف الحوثيين للتجمعات السكانية بالصواريخ والمسيّرات.

وأظهر أحدث تقرير لـ«كتلة الصحة» أن إجمالي الضحايا المسجلين لدى مركز عمليات الطوارئ الصحية حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بلغ 9730 شخصاً (7959 مصاباً و1771 وفاة)، بزيادة قدرها 658 حالة خلال 5 أيام فقط.

وشهدت محافظة لحج (الجنوب الغربي) 309 حالات تشكل 47 في المائة من إجمالي الضحايا الجدد، في حين سجلت محافظة مأرب أعلى معدل للوفيات بـ36 حالة وفاة من أصل 172 ضحية (بنسبة 21 في المائة)، من بينها 117 ضحية (شملت 20 وفاة) سُجلت في يوم 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وحده بمديريتي الجوبة وحريب وجبهة الجوف.

الحوثيون تسببوا في مقتل وإصابة أكثر من 9.7 ألف يمني (إعلام محلي)

وعلى الصعيد الميداني والإنساني، حذّر التقرير الصادر عن الكتلة (التي تضم 31 قطاعاً صحياً) من تدهور الخدمات في الساحل الغربي؛ حيث توقفت المرافق الصحية الثلاثة المدعومة من الشركاء في مديرية الوازعية، وتَعذّر جمع بيانات شهر أكتوبر في مديرية ذباب جراء قيود الوصول.

وتزامن ذلك مع تجاوز أعداد النازحين 320 ألف شخص، وفق منظمة الهجرة الدولية، تركز معظمهم في الشهرين الماضيين.

مؤشرات وبائية

وشهدت مديرية المضاربة والعارة بلحج نزوح 43 ألف شخص منذ مطلع العام الماضي، وتستضيف عدن حالياً أكثر من 56 ألف نازح، بينما تضاعفت أسعار السلع الأساسية في تعز بين 3 إلى 5 أضعاف.

21 ألف نازح يعيشون في مخيمات لا تخضع لأي إشراف (الأمم المتحدة)

ورصد التقرير ظهور 28 موقعاً جديداً أو معاد فتحها للنازحين تؤوي 21273 شخصاً دون أي إدارة متخصصة أو إشراف إنساني، إلى جانب 105 مواقع تضم 74456 شخصاً في مديريات غرب تعز، التي انتقلت السيطرة عليها إلى الحوثيين خلال الشهر ذاته.

وتواجه الاستجابة الإنسانية عجزاً حاداً؛ إذ تموِّل منظمة الصحة العالمية 9 فرق طبية متنقلة فقط من أصل 30 إلى 40 فرقة مستهدفة، و4 مراكز ثابتة من أصل 25 إلى 35 مركزاً، وسط حاجة ملحة للتنسيق مع الوحدة التنفيذية للمخيمات لتحديد نقاط تجمع مناسبة لتقديم الخدمات.

وفي الجانب الوبائي، سُجل انخفاض مستمر في إصابات الكوليرا بالمحافظات الخمس الأكثر تضرراً، متراجعة من 639 حالة في الأسبوع الأربعين إلى 443 حالة في الأسبوع الثالث والأربعين، مع الإشارة إلى أن بيانات الأسبوع الرابع والأربعين غير مكتملة بنسبة 23 في المائة.

تراجع في الإصابة بالكوليرا بنحو 200 حالة خلال أسبوع (الأمم المتحدة)

وبناءً على ذلك، حدّدت منظمة الصحة العالمية 23 مديرية، يقطنها 2.25 مليون نسمة كأولوية لطلب جرعة واحدة من لقاح الكوليرا الفموي من المجموعة التنسيقية الدولية.

فجوات الرعاية الصحية

وعلى مستوى الإمدادات والتمويل، تسببت القيود بتعطيل حركة المساعدات، حيث أُلغيت رحلات الجسر الجوي إلى صنعاء، المقررة يومي 29 أكتوبر و3 نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا تزال الشحنة الطبية التجريبية الثانية للمنظمة (بوزن 10 أطنان) بانتظار التنسيق مع برنامج الأغذية العالمي لنقلها إلى تعز.

ويأتي ذلك في ظل أزمة تمويل خانقة، حيث لم يتم تمويل سوى 12 في المائة فقط من الخطة الإنسانية التي تغطي 90 يوماً؛ إذ تلقت منظمة الصحة العالمية 3.7 مليون دولار من أصل 31 مليون دولار مطلوبة، ما يترك عجزاً قدره 27.3 مليون دولار.

يمنيون نزحوا بسبب الهجمات الحوثية في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات بضواحي عدن (أ.ب)

حتى في حال إقرار دعم إضافي بقيمة 7.3 مليون دولار يجري نقاشه مع الجهات المانحة الأوروبية والصندوق المركزي للطوارئ، فإن 65 في المائة من الخطة سيبقى بلا تمويل، ما يهدد استمرارية الاستجابة لما بعد نهاية العام.

واختتم التقرير بالإشارة إلى 4 حلقات مفقودة وغير ممولة في سلسلة رعاية المصابين. تشمل: نظام إحالة المرضى، وتوفير موقع جراحي من المستوى الثاني، وتوسيع وحدات العناية المركزة (بما في ذلك توفير الوقود لـ77 مرفقاً صحياً)، إلى جانب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج.

وبين أن غياب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج يؤدي إلى تكدس المرضى في الأقسام الجراحية لعدم إمكانية تسريحهم بأمان، ما يقلص القدرة الاستيعابية للمستشفيات ويحرم الحالات الجديدة من تلقي العلاج.