الحراك السوداني يستعد لإعلان الإضراب العام بعد تعثر المفاوضات

الأطباء والصيادلة والمهندسون وموظفو البنوك سيشاركون... وتجمع النيابة العامة يدرس

فنانون سودانيون يرسمون لوحات جدارية في ميدان الاعتصام في الخرطوم (رويترز)
فنانون سودانيون يرسمون لوحات جدارية في ميدان الاعتصام في الخرطوم (رويترز)
TT

الحراك السوداني يستعد لإعلان الإضراب العام بعد تعثر المفاوضات

فنانون سودانيون يرسمون لوحات جدارية في ميدان الاعتصام في الخرطوم (رويترز)
فنانون سودانيون يرسمون لوحات جدارية في ميدان الاعتصام في الخرطوم (رويترز)

يستعد تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» الذي يقود حراك الشارع في السودان، لإعلان «الإضراب السياسي العام»، بعد أن تعثرت مفاوضاته مع المجلس العسكري الانتقالي الحاكم، ورفضه قبول إدارة مدنية لمجلس السيادة الانتقالي.
ودعا «تجمع المهنيين السودانيين» حلفاءه في التنظيمات المهنية والعمالية والحرفية والقوى السياسية والاجتماعية للتسجيل في «دفتر الحراك الثوري»، معلنا بذلك الدخول في فصل جديد من التصعيد والمواجهة مع المجلس العسكري الانتقالي، على خلفية فشل آخر جولة من جولات التفاوض بينه وبين المجلس العسكري الانتقالي بسبب أزمة مجلس السيادة.
وقال «تجمع المهنيين السودانيين» الذي يمثل «رأس الرمح» في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير في بيان أمس، إنه سيواصل الحراك السلمي، بتنظيم إضرابات ووقفات احتجاجية للعاملين بالقطاعات المهنية والخدمية والفئوية وتسيير المواكب إلى ساحات الاعتصام بالخرطوم والولايات، تمهيداً لـ«ساعة الصفر» التي سيعلن فيها «الإضراب السياسي والعصيان المدني الشامل» في البلاد. وشدد التجمع في البيان على عدم التنازل عن مطالب الشعب السوداني، ومبادئ إعلان الحرية والتغيير، وأهداف الثورة في هياكل السلطة الانتقالية بما فيها المجلس السيادي بأغلبية مدنية.
من جهتها، سارعت لجنة أطباء السودان المركزية، وهي واحدة من أوعية التجمع الفاعلة، بالاستجابة لندائه، وأعلنت الاستمرار في إضراب الأطباء عن العمل، وقالت في بيان: «الأطباء على أهبة الاستعداد لتنفيذ كل أشكال الإضراب، والتفرغ تماماً للعيادات الميدانية لمعالجة الجرحى والمصابين، وتحويل المرضى للعلاج في عيادات مؤقتة خارج مستشفيات وزارة الصحة».
وفي الوقت نفسه، نفذ العشرات من العاملين في مؤسسات حكومية وعامة وشركات خاصة، وأساتذة جامعة الخرطوم، وقفات احتجاجية تطالب بحكومة مدنية.
وأعلنت السكرتارية التمهيدية لنادي أعضاء النيابة العامة، وضع الإضراب الشامل عن العمل قيد الدراسة، وشددت على استقلال النيابة العامة، ما يعد تطوراً جديداً في مجال الاحتجاجات السودانية.
كما أعلنت لجنة صيادلة السودان تدوين اسمها في دفتر الحضور الثوري، ودعت أعضاءها في القطاعات الصيدلية برفع التمام وتسجيل الحضور في دفتر الثورة السلمية والاستعداد للإضراب السياسي الشامل والعصيان المدني العام، بانتظار ساعة الصفر.
وأبدت مبادرة استعادة نقابة المهندسين السودانيين، استجابتها لنداء تجمع المهنيين، وسارعت إلى التوقيع في دفتر الحضور الثوري من أجل العصيان المدني وأعلنت تنظيم وقفات احتجاجية وإضرابات جزئية تمهيدا للإضراب العام.
وظلت ساحة الاعتصام في حالة متابعة لصيقة للمفاوضات الماراثونية بين العسكري وقوى الحراك طوال اليومين الماضيين، ويرفض المعتصمون فيها التفريط في مطلب الحكومة المدنية، و«لو استدعى الأمر أن تكون الثورة أبدية كما ظلوا يرددون في هتافاتهم».
وأعلن موظفو بنوك «النيل، الزراعي، السوداني الفرنسي» وعدد آخر من البنوك وفروع البنوك السودانية، الاستجابة لنداء تجمع المهنيين السودانيين، ونظموا وقفات احتجاجية تمهيدية.
وأثناء ذلك نظم العشرات من موظفي شركة «زين السودان» كبرى شركات الاتصالات في السودان وقفة احتجاجية تمهيدية للإضراب العام، وانضم لهم عمال شركة (إم تي إن) للاتصالات، وشركة «هواوي» وعدد آخر من شركات الاتصال.
ورفع عمال شركة «بترو إنرجي» للطاقة، وشركة سكر النيل الأبيض لافتات أعلنوا فيها «توقيع دفتر الحضور الثوري»، ولحق بهم مهندسو وعمال المساحة العاملون في وزارة التخطيط الاجتماعي.
وفي ميدان الاعتصام، قال أحمد علي، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عاما، إنه جاء إلى ساحة القيادة العامة في السادس من أبريل (نيسان) الماضي، ليطالب بإسقاط نظام المخلوع عمر البشير، وتابع: «بعده أسقطنا عوض بن عوف، والآن نخوض معركتنا الحاسمة مع المجلس العسكري الانتقالي، ولن تنتهي إلاّ بتسليمه السلطة للمدنيين»، وأضاف: «لا أحد يعرف متى سينتهي هذا الاعتصام؛ ولكن سنظل معتصمين حتى يستجيب المجلس العسكري لكل مطالب الثورة».
وأشار الطالب علي إلى التضحيات التي قدمت من قبل الثوار، وقال: «فقدنا في هذا الاعتصام كثيرا من الشباب، فقد واجهوا الرصاص بصدورهم العارية، ودافعوا بأرواحهم عن المتاريس حتى لا يفض الاعتصام، وقبل أن نأتي بحقوقهم كاملة لا معنى لأي اتفاق، لن نفض الاعتصام إلاّ بإرادتنا».
وعشية فشل الطرفين في الوصول لتوافق على مجلس السيادة، عادت أجواء التصعيد إلى ساحة الاعتصام، وأعلن المعتصمون ما سموه «حالة الاستعداد والتأهب، تحسبا لأي أحداث»، لا سيما محاولة الاثنين والأربعاء الماضيين لفض الاعتصام بالقوة، ونتج عنها مقتل وجرح العشرات.
ولا تعد الحكومة المدنية هي المطلب الوحيد للمعتصمين، فعقب كل فشل لجولة مفاوضات، ترتفع الهتافات المنادية بالقصاص ومحاكمة رموز النظام السابق على ما ارتكبوه من جرائم.
يقول هشام علي سعيد 33 سنة، مهندس حاسوب: «مطلبنا الأول المتفق عليه أن تتشكل الحكومة المدنية وتباشر مهام الحكم، ولو لم يتحقق هذا المطلب فلن يفكر أحد أن يبرح ساحة الاعتصام»، ويضيف: «على المستوى الشخصي، ما لم تكن الحكومة الجديدة جديرة بالثقة وتثبت ذلك بياناً بالعمل، فسأظل باقيا في ساحة الاعتصام».
ويتابع: «لن تنال الحكومة ثقة المعتصمين، قبل أن تحاسب كل الذين تورطوا في اغتيال الشهداء والجرحى منذ بدأت المظاهرات في ديسمبر الماضي، إذا تجاهلت الحكومة الانتقالية هذه المطالب، فستجد معارضة من الشباب الذين لن يفارقوا ساحة الاعتصام».
من جهتها، تشدد قوى الحرية والتغيير التي تقود الحراك الشعبي، على مواصلة الاعتصام وتدعيمه بأشكال أخرى من الاحتجاج السلمي، وصعدت موقفها إلى الدعوة للإضراب العام، إثر فشل جولة أول من أمس من التفاوض، وتهدف بذلك لنقل السلطة من العسكريين إلى المدنيين.
أما عطا المنان عبد الله 63 عاما، ويعمل سائق سيارات نقل؛ فهو يرى أن الاعتصام سيتواصل ولن يفض حتى بعد إعلان قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري عن الحكومة المدنية، ويتابع: «سيظل الناس معتصمين حتى يضمنوا أن الحكومة الجديدة الممثلة في قوى الحرية تسلمت السلطة تماما، وإذا حققت بعض المطالب مثل محاكمة المتورطين في قتل المتظاهرين والمصابين، فحينها يمكن أن نفض الاعتصام ونذهب إلى منازلنا ولكن سنواصل في مراقبة الحكومة الجديدة».
تقول تسنيم بلال البالغة من العمر 22 عاما، وهي خريجة جامعية وعاطلة عن العمل؛ إنها تطالب الحكومة المدنية أن تكون أول أجنداتها القبض على ومحاكمة «من قتلوا إخواننا المتظاهرين، ولو غضت النظر عن هذه القضية فإنها ستترك انطباعاً سيئاً في ساحة الاعتصام»، وتواصل: «السودانيون ينتظرون ذلك اليوم الذي يحاسب قادة الإنقاذ على ما ارتكبوه من جرائم في حق الشعب السوداني».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.