جون أبدايك.. الجاسوس الأدبي

كتاب شامل عن سيرة الروائي الذي شغل أميركا

جون أبدايك
جون أبدايك
TT

جون أبدايك.. الجاسوس الأدبي

جون أبدايك
جون أبدايك

في 27 يناير (كانون الثاني) 2009 رحل عن عالمنا الروائي والشاعر والناقد الأميركي جون أبدايك John Updike عن سبعة وسبعين عاما. وصدرت حديثا ترجمة لحياته في 558 صفحة عن دار «هاربر كولنز» للنشر بنيويورك. والكتاب من تأليف آدم بجلي Adam Begley وهو صحافي وناقد كان مشرفا على صفحة الكتب في جريدة «ذا نيويورك أوبزرفر» في الفترة من 1996 - 2009 ويعيش الآن في إنجلترا.
ولد أبدايك في 18 مارس (آذار) 1932 في ولاية بنسلفانيا. التحق بجامعة هارفارد ومدرسة رسكين للرسم والفنون الجميلة بأكسفورد في إنجلترا حيث قضى عاما بمنحة دراسية. اشتغل بالصحافة من 1955 إلى 1957 حيث نشر في «ذا نيويوركر» الكثير من القصائد والقصص القصيرة ومراجعات الكتب. ومنذ 1957 عاش في ولاية ماساشوستس كاتبا متفرغا للكتابة.
نشرت أول رواية لأبدايك في 1959 ثم أتبعها برواية عنوانها «اجر أيها الأرنب» (رابيت، وهو اسم البطل هاري أنجستروم). ومن رواياته الأخرى: «القنطور» (وهو مخلوق أسطوري، نصفه إنسان ونصفه جواد)، «أزواج»، «عن المزرعة»، «الانقلاب»، «تزوجني»، «ساحرات إيستويك» (التي تحولت إلى فيلم كبير)، «في جمال الزنابق»، «نحو نهاية الزمن»، «جرترود وكلاوديوس» (وهي إعادة صياغة لقصة هاملت)، «أبحث عن وجهي»، «البرازيل»، «الإرهابي» إلخ...
وله عدد من مجاميع القصص القصيرة، وستة كتب في النقد الأدبي تجمع شمل مقالاته ومراجعاته، و«مجموعة القصائد 1953 - 1993» وقد أعقبها بديوان عنوانه «أميركيات»، وسيرة ذاتية عنوانها «الخجل» (1989). وبعد موته صدرت له «دموع أبي» (مجموعة قصصية)، «ثرثرة أعلى» (مقالات)، «ناظر دائما» (مقالات عن الفن).
يرسم آدم بجلي صورة آسرة لهذا الروائي غزير الإنتاج (أصدر نحو 60 كتابا في 51 سنة) وكان يعد نفسه «جاسوسا أدبيا» على حياة البلدات الصغيرة والضواحي في منتصف غرب الولايات المتحدة الأميركية.
يتتبع الكتاب مراحل رحلة أبدايك: من بيت طفولته في ولاية بنسلفانيا، التحاقه بجامعة هارفارد، عمله اللامع - وإن كان قصير الأمد - في هيئة تحرير «ذا نيويوركر»، سنواته العائلية - زوجا ورب أسرة - في إيسوتش بولاية ماساشوستس، أسفاره الواسعة في الخارج، انتقاله إلى بلدة أخرى في ماساشوستس هي مزارع بيفرلي التي ظل مقيما بها حتى وفاته بسرطان في الرئة من الدرجة الرابعة.
استخدم المؤلف مواد أرشيفية، وأجرى مقابلات مع أسرة الروائي وأصدقائه وزملائه، مبينا كيف أن أعماله القصصية قد شكلتها حياته الخاصة الحافلة: إيمانه الديني الذي لم يزايله قط، معرفته الحميمة ﺒ«مجتمع الخيانات الزوجية» الذي كشف عنه في روايته المسماة «أزواج» وهي من أكثر الكتب مبيعا، كلفه بلعبة الغولف، النساء اللواتي دخلن حياته (يفخر أبدايك بأنه جامع ثلاث نساء مختلفات في يوم واحد!)، رفضه أن يدين تدخل بلاده في فيتنام، علاقاته بمعاصريه من الأدباء مثل فيليب روث، وجويس كارول أوتس، وتوم ولف.
ويخصص بجلي الفصل السابع من كتابه لأسفار أبدايك الواسعة. لقد شملت الصين والهند وكمبوديا وغانا وأستراليا وروسيا وإسبانيا وتشيكوسلوفاكيا والبرازيل وبريطانيا وإثيوبيا ومصر (حيث حاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة) وفنزويلا وهولندا والنمسا والدنمارك وإيطاليا والمغرب وفرنسا واليابان وكوريا وكندا وجمهوريات البلطيق. وقد أفادته هذه الزيارات في كتاباته: فروايته «الانقلاب» مثلا تدور أحداثها في جمهورية أفريقية متخيلة، وروايته «البرازيل» - كما هو واضح من عنوانها - مسرحها ذلك البلد.
ويرد الكتاب كثيرا من شخصيات أبدايك القصصية إلى أصولها في الواقع مع ملاحظة أن أبدايك كان كثيرا ما يغير اسم الشخصية الواقعية - حين يضعها في أعماله - حفاظا على خصوصيتها.
وفي تتبعه لعلاقة الطفل أبدايك بأمه ليندا، يسوق بجلي مقولة سيغموند فرويد: «إن الرجل الذي سيكون، بلا نزاع، الأثير عند أمه يظل بقية حياته محتفظا بشعور الفاتح الظافر».
كان أبدايك في طفولته مولعا بقراءة الكاتب الفكاهي الإنجليزي ب.ج. ودهاوس (قرأ له الخمسين كتابا التي وجدها في المكتبة العامة) كما أولع بقراءة القصص البوليسية (إيرل ستانلي جاردنر، أجاثا كريستي) والكتاب الفكاهيين (جيمز ثيربر، ستفن ليكوك). ويقول عن المكتبة: «لقد انفتح ضرب من السماوات لي هناك». وحاولت أمه (التي كانت حاصلة على درجة الماجستير من جامعة كورنيل برسالة عن السير ولتر سكوت) أن تغريه بقراءة فلوبير وغيره من الكلاسيات، ولكنه لم يستجب وظل يقرأ قصصا بوليسية وفكاهية. وفي سن الرابعة عشرة وقع على قصيدة ت.س. إليوت «الأرض الخراب» وأحبها. وفي العام التالي، حين كان في زيارة لعمته، قرأ بضع صفحات من رواية جويس «يوليسيز» ولكنه لم يشعر برغبة في مواصلة القراءة.
وإلى جانب القراءة كان يمارس الرسم، وينسخ الصور الكاريكاتورية، ويستمع إلى الإذاعة، ثم بدأ يكتب. وفي فبراير (شباط) 1945 - قبل أن يتم الثالثة عشرة بشهر - نشر أول مقالة له في مجلة «الثرثار» وهي مجلة مدرسته الثانوية، وقد نشرت له فيما بعد قصائد وقصصا قصيرة ونقدا سينمائيا ومقالات ورسوما. وفي الصيف بعد أتم السادسة عشرة، حاول أن يكتب رواية بوليسية. وفي سن السادسة عشرة قبلت أول قصيدة له للنشر في مجلة تحمل اسم «انعكاسات».. هكذا بدأت حياته الأدبية.
وخلال سنواته الأربع بجامعة هارفارد حضر محاضرات هاري ليفين عن شكسبير. كان ليفين ينتمي إلى مدرسة «النقد الجديد» التي تعمد إلى فحص النص فحصا تقنيا دقيقا. وفي ذلك يقول أبدايك: «أما أن العمل الأدبي يمكن أن تكون له حياة مزدوجة، في صوره كما في حبكته وشخصياته، فأمر لم يكن يدور لي بخلد». ولم ينس قط هذا الدرس بل أفاد منه في أعماله القصصية حيث يندمج المجاز الشعري بالسرد القصصي.
وعلى الرغم من أن اهتمامه كان مركزا على شعر عصر النهضة في إنجلترا (شكسبير ومعاصريه) فإنه درس أيضا الشعر الأنجلو - سكسوني (الإنجليزي القديم) والشعراء الميتافيزقيين الإنجليز في القرن السابع عشر، وإدموند سبنسر وجون ميلتون، والدكتور صمويل جونسون. كما حضر محاضرات ولتر جاكسون بيت عن تولستوي ودوستويفسكي وبرنارد شو. وتعرف من أساتذته على همنجواي (وبه تأثر في مطلع حياته الأدبية) وعلى ج.د. سالنجر صاحب رواية «الحارس في حقل الشيلم» مما فتح أمامه آفاقا جديدة.
وفي روايات أبدايك ملامح وجودية، تشي بأسلوب الفيلسوف الدانمركي المسيحي كيركجارد. لقد وصف أبدايك بطله (أو بطله - الضد) رابيت آنجستروم الذي يعاود الظهور في رباعية روائية بأنه «نموذج للإنسان الكيركجاردي» فهو «الإنسان في حالة خوف ورعدة، منفصلا عن الله، يطارده الفزع، تلويه المطالب المتصارعة لتكوينه البيولوجي الحيواني وذكائه الإنساني، للعقد الاجتماعي والمطالب الداخلية».
برع أبدايك في كتابة المحاكاة الساخرة (بارودي) لكبار الكتاب مثل ت.س. إليوت وصمويل بكيت وغيرهم. واتسمت أعماله - خاصة رواية «أزواج» بالصراحة الجريئة في معالجة الجنس. وقد مهد له الطريق في ذلك كتاب مثل د.ھ. لورانس («عشيق الليدي تشاترلي») وإدموند ويلسن («ذكريات من مقاطعة هيكيت») وفلاديمير نابوكوف («لوليتا») وهنري ميللر («مدار السرطان»). وقال أبدايك عن رواية ويلسون إنها قدمت له «أول لمحة عن الجنس، من نافذة القصة، على أكثر الأنحاء حيوية».
كذلك كتب للأطفال «المزمار السحري» (1962) و«حلم بوتوم» (1969 - وبوتوم شخصية تظهر في ملهاة شكسبير «حلم ليلة صيف»).
وكما نال أبدايك تقديرا واسعا من جانب النقاد والجمهور على السواء، حتى لقد عده البعض أهم روائي أميركي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، نال نصيبه من سهام النقاد. قال عنه جون ألدردج: «ليس ذهنه شائقا». وقال نورمان بودهوتنر: «عندي أنه كاتب ليس لديه ما يقوله سوى النزر القليل». وقال هارولد بلوم: «إنه روائي صغير ذو أسلوب كبير». وقال جور فيدال: «إن أوصافه بلا هدف». ووجدت دوروثي رابينويتزر «خواء» في قلب قصصه.
ومما يزيد من قيمة كتاب بجلي ما يحتويه من صور لأبدايك في مختلف مراحله العمرية: طفلا، وصبيا يقف بين أبيه وأمه، وتلميذا في المرحلة الثانوية، وطالبا في جامعة هارفارد، وأبا يحمل ابنته بين ذراعيه، وجالسا يؤلف على آلته الكاتبة، ولاعبا التنس والكرة الطائرة والغولف، وجدا مع أحفاده - ثم صورة شاهد قبره.



في رحيل سعيد السريحي.. المعتَزَلُ ووعُولُه

د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
TT

في رحيل سعيد السريحي.. المعتَزَلُ ووعُولُه

د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)

هل لي أن أعيد تعريف الموت بطريقة أخرى؟ فمرّات قليلة فقط يظهر فيها هذا الشبح الأسود في صورة قنّاص محترف، فلا فريسته هذه المرة من الداجن والأليف، ولا البندقية مستعدة لإفراغ حشوتها في حقل من القطن.هكذا يصبح الأمر مبرراً، فالبندقية مصوّبة ومتكئة فوق صخرة من الهواء الصلب، بينما الفريسة تنتقل في خفة وراء طرائدها دون أن تلتفت، إنه مرح المعرفة المرعب، ماؤها المزجج بذهب وريش، غير المهتم بالخطر والمراقبة.

ومع كلّ هذا، لا يمكن اختصار السريحي في خطبة كالتي أحاول أن أبنيها من حطب الغابة. وحتى دون أن أكون متصوفاً أو كاهناً، يمكن أن ألمح تلك الصومعة اليتيمة على جناح السروات، صومعةٌ تفرّغ فيها السريحي لِسَنِّ قرون وعوله، معتزلٌ يليق بلغة فيها من حرارة العراك بين الوحشي والأليف ما يكفي لإيقاظ جبانة من الكبريت، فقد كان السريحي مبللاً بالحريق على الدوام.

ومع كلّ صباح كان يقوم بتدريب شاق صعوداً ونزولاً على منحدرات وحواف حادة من الرعود والصواعق، ولكنه في نهاية اليوم، دائماً ما كان يملأ صحاف الليل بالبخور، ربابته إلى جانبه، مطرقاً على الدوام، مهتماً على الدوام، قاطعاً أرسان وعوله، مسرّحاً إياها لتملأ جيوب الليل بأنفاسها التي ما إن تلفح فجّاً من الصخور إلا وشبَّ وكأنه شواظ من الجمر.

د. سعيد السريحي أمام قصر فرساي في فرنسا 2025 (من أرشيف السريحي)

هل لي أن أعيد تعريف الموت بطريقة أخرى؟ برباطة جأش كالتي لمقاتل طروادي، فقد كان السريحي يجيد هذا النوع من القتال أيضاً، يجيد الدفاع عن قلاعه ببسالة كالتي لحديد، وليونة كالتي لعشب، منتقلاً بين ضفتيهما، حابساً أنفاس الماء والهواء معاً، يفعل كل ذلك من أجل أن تنام قصيدته هيلين مطمئنة تحت شجر الليل، كما يقترح هو في قصيدته «خليص».

«خليص» و«مصر حلوة» تحديداً، حتى لا أذيب شحم هذا الحبر فيما هو أبعد، فمقدمة منطقية محكية ومشحونة بالبداوة وخفة الظل كالتي يقترحها هذا التوأم، مقدمة كهذه تتوفر على سليقة سيل وناب ذئب تغطيهما سماء من الفراش، لن تترك للخيال الشيء الكثير ليصطاد الصقور، ليكتشف ما هو عليه السريحي في بقية إجراءاته الإبداعية، هذا العدم الشعري الذي كان يخفيه السريحي وراء جلد كونه السميك والظاهر، كون من نيازك الحداثة الصلدة ومذنباتها، كون كان يعرف مسالكه وأقفاله أكثر مما يعرف عن مزاليج عشّه الدنيوي. في الحقيقة كان ذلك العدم عدماً مشبعاً بالنور والاشتعالات السديمية.

وكأن لغة السريحي مفطومة على العراء، مجبولة من رغبة فرناسية في الطيران المحفوف، حتى صارت ترضع من ثدي الأسطورة الشخصية بمعناها المركب والعميق.

الناقد السريحي والشاعر محمد الماجد (أرشيف الماجد)

ومع ذلك، يمكن أن يكون التوأم هذا صدفة زواج سعيدة، لكنني أفضل أن أصفه بالصدمة، كهرباء تسري في الجسد فتجعله يرتعد. ففي المناسبات الرسمية والأكاديمية، كان السريحي يعتمر قبعة الأكاديمي الصارم، لا أستطيع تشبيه حضوره سوى بكمرة من الخرسانة العارية، أو ضفيرة من الألماس، هكذا هو، دائماً ما كان يكمل مثلث الصلابة بصلصاله العتيد، ولكنه عندما يفترش الحصير والدلال بين أصدقائه، يستحيل إلى رويٍ راقص، رويّ ينتقل بخفة بين خيام الشعر دون ملل، يقول فيستزيده الأصدقاء، يدق البنَّ، ثم يشعل سيجاره، يسرح الهواء بفضة رأسه ويبدأ بعدها بالغناء.

كم كانت كتب السريحي ودراساته رائعة وجميلة، سرداً ملغوماً بغزالات وفوانيس من الزيتون، وكأنها سلة حصاد لمئوية كاملة من الكد الحداثي. ولكنني عندما أقارن ذلك بممارسته، أستطيع بوضوح أن أرى كفة الميزان وهي تميل لصالح هذه الأخيرة، لصالح الترجمة الحيّة، وهذا ما يبرع فيه السريحي دون تكلّف، وكأنه يصرخ: المفاهيم والمصطلحات تركتها هناك، حيث الدرس والتعلم، أما هنا فلا أستطيع سوى الإشعال في جسدي لكي تروا تماماً وبوضوح ما كنت أرمي إليه دائماً.

——

(*) شاعر سعودي


إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.