هل تخطت برامج الواقع حدود المهنية؟

وقف برنامج بريطاني بعد انتحار مشارك فيه

برنامج جيريمي كايل الذي ألغي بعد انتحار ضيف انطلق في عام 2005 وأحرز مشاهدات عالية في المملكة المتحدة (آي تي في)
برنامج جيريمي كايل الذي ألغي بعد انتحار ضيف انطلق في عام 2005 وأحرز مشاهدات عالية في المملكة المتحدة (آي تي في)
TT

هل تخطت برامج الواقع حدود المهنية؟

برنامج جيريمي كايل الذي ألغي بعد انتحار ضيف انطلق في عام 2005 وأحرز مشاهدات عالية في المملكة المتحدة (آي تي في)
برنامج جيريمي كايل الذي ألغي بعد انتحار ضيف انطلق في عام 2005 وأحرز مشاهدات عالية في المملكة المتحدة (آي تي في)

ما هي حدود المسؤولية لوسائل الإعلام والمذيعين في سعيهم إلى تحقيق معدلات مشاهدة أعلى؟ وكيف يمكن رعاية مصالح الأشخاص العاديين، سواء من المشاركين في البرامج أو غيرهم، من انتهاك وسائل الإعلام لخصوصياتهم وتعريضهم للخطر الذي يصل أحياناً إلى حد الانتحار؟
هذه الأسئلة وغيرها ظهرت على السطح مؤخراً بعدما قررت إدارة محطة تلفزيونية بريطانية اسمها «إي تي في» إلغاء برنامج المذيع جيريمي كايل بالمرة بعد انتحار أحد المشاركين فيه، الأمر الذي اعتبرته أوساط الإعلام البريطانية أكبر فضيحة إعلامية في السنوات الأخيرة.
وبلغ من خطورة الأمر أن لجنة برلمانية تحقق الآن في القضية وفي مسألة حدود برامج الواقع بوجه عام، والمسؤولية تجاه المشاركين طوعاً في هذه البرامج. وترى شركات الإنتاج التلفزيوني أن عليها من الآن مراعاة الخط الرفيع بين الدراما المطلوبة من المشاهدين من ناحية، والحفاظ على كرامة وخصوصية، وأحياناً حياة المشاركين في هذه البرامج.
وكان برنامج جيريمي كايل من نوع برامج الواقع الذي يستقبل ضيوفاً لديهم بالفعل مشاكل نفسية وعاطفية وأحياناً عقلية ويواجههم بمشاكلهم. ويتم تقديم البرنامج في جو مشحون بالمشاعر الجياشة التي تصل إلى حد العنف أحياناً بين المشاركين. ويستعين المذيع ببعض أفراد الحراسة من ضخام الأجسام من أجل الحفاظ على النظام أثناء عرض البرنامج.
بدأ تسلسل الأحداث في قضية وقف برنامج كايل، الذي توقف عن البث الآن، عندما تقدم ستيف دايموند للمشاركة في حلقة لإثبات أنه لم يخن خطيبته كما تدعي. وأورد دايموند العديد من الشواهد التي تثبت إخلاصه كما توسل إلى خطيبته أن تصدق إخلاصه لها. وهنا تدخل المذيع كايل واقترح على دايموند أن يخضع لجهاز الكشف عن الكذب على الهواء.
ووافق دايموند وخضع لأسئلة الجهاز وانتظر الجمهور على شغف نتيجة الاختبار الذي أعلنه كايل بكل ثقة أن المشارك في البرنامج يكذب! وهنا انهار دايموند وبعد محاولات لتهدئته غادر الاستوديو مع خطيبته في سيارة خاصة. وظهرت بعد أيام أخبار بانفصالهما ثم إقدام دايموند على الانتحار.
وقررت إدارة «إي تي في» على الفور وقف بث الحلقة. ولكن وسائل الإعلام الأخرى تناولت القضية على أنها فضيحة وطالبت بوقف بث البرنامج بالمرة. وتدخل مكتب رئيسة الوزراء بالضغط على إدارة المحطة لإلغاء البرنامج. وفي النهاية رأت إدارة المحطة التلفزيونية أن السبيل الوحيد للحفاظ على سمعتها هو إلغاء البرنامج.
ونشر المذيع كايل بعدها اعتذاراً قال فيه إن أخبار انتحار دايموند كانت صادمة له ولفريق العمل في البرنامج. ولكن أحد العاملين السابقين في البرنامج أكد أنه غادر وظيفته بسبب معاملة الضيوف المشاركين فيه. فهم من أصحاب المشاكل العاطفية ويمرون بأزمات في علاقاتهم بآخرين، أحياناً من أفراد أسرهم، ويشاركون في البرنامج بعد وعود بالمساعدة المالية وقضاء ليلة في فندق فاخر مع توفر الطعام وأحياناً السجائر لهم.
دايموند ليس الضحية الوحيدة لبرامج الواقع، فهناك على الأقل ضحيتان أخريان في برنامج آخر للشباب اسمه «جزيرة الحب» لا تزيد أعمارهما عن 26 و32 سنة. ولكن انتحارهما جاء بعد فترة من المشاركة في البرنامج ولذلك لم يتم الربط السريع بين ما حدث لهما وبين المشاركة. الفارق أن الضغوط تأتي على المشاركين في برنامج «جزيرة الحب» من وسائل الإعلام الأخرى بعد المشاركة، أما في برنامج كايل فإن الضغوط تكون على الهواء مباشرة.
ويبدو الشعور العام في محطة «إي تي في» أن مثل هذه البرامج التي تعرض حياة المشاركين فيها للخطر هي من مخلفات التسعينات وحان الوقت للتخلص منها. وتم تقدير خسائر المحطة من إلغاء البرنامج بنحو 10 ملايين إسترليني (13 مليون دولار) مع فقدان 60 فنياً لوظائفهم. وكان بعض هؤلاء يبكي عند تأكيد خبر إلغاء البرنامج كما تم سحب عشرة آلاف لقطة مصورة من سلسلة البرنامج من على «يوتيوب»، واختفت صفحة البرنامج التي يتبعها 1.3 مليون مشاهد على «فيسبوك». واختفى كذلك حساب البرنامج على «تويتر».
ولا بد من الاعتراف بأن تاريخ برامج الواقع مرصع بالانتهاكات والضحايا والاحتيال من كل نوع. وهناك العديد من النماذج الموثقة منها محتال بريطاني اسمه نيكولاس راشيان نشر في عام 2002 إعلانات للبحث عن مشاركين في برنامج تلفزيوني جديد يوفر جوائز قدرها مائة ألف إسترليني (130 ألف دولار) للفائزين. وبعد تلقيه مئات الرسائل اختار منها 30 اسماً وطلب منهم الاستعداد للبرنامج الذي سوف يستمر لمدة عام. وكان أحد شروطه هو الاستقالة من الوظائف ومغادرة السكن والحضور إلى الاستوديو (شقة المصور). وفي يوم بداية التصوير اختفى راشيان تماماً. وعند القبض عليه في ضاحية ريتشموند ادعى أنه لم يحصل على أي أموال من المشاركين وتم الإفراج عنه. وكان الدافع هو رغبة راشيان في أن يصبح مخرجاً تلفزيونياً.
في حالة أخرى في أميركا تم القبض على جراح تجميل ومذيعة تلفزيونية واتهامهما بالاغتصاب والانتهاكات لعشرات الضحايا من النساء تحت غطاء المشاركة في برنامج واقع يبث على شاشات التلفزيون. وكشفت التحقيقات بعد ذلك أن الضحايا هم بالآلاف وأن الانتهاكات تم تصويرها بالفيديو بعد تخدير الضحايا.
وتساهم طبيعة برامج الواقع في وقوع المزيد من الضحايا لأنها تعتمد على أشخاص عاديين وليس على ممثلين محترفين. وانتشرت مثل هذه البرامج في عقد التسعينات واشتهر منها برامج مثل «البقاء على قيد الحياة» (Survivor) و«الأخ الأكبر» (Big Brother) التي انتشرت على نطاق عالمي.
وتعتمد هذه البرامج على حوارات سريعة مع المشاركين واعترافات منهم وأحياناً المنافسة بين المشاركين التي يتم بعدها طرد بعضهم من البرامج، إما بطلب من لجنة إشراف على البرنامج أو بطلب المشاهدين.
ومنذ نشأة برامج الواقع وهي تتعرض للانتقاد في العديد من جوانب تقديمها. فهي لا تعرض الواقع حيث تضع المشاركين في مواقف مصطنعة بعد إجراء مونتاج للحلقات وتلقين المشاركين بما يجب أن تكون عليه أدوارهم والانحياز إلى بعض منهم للفوز. كما أن بعض هذه البرامج تتوجه إلى إهانة المشاركين واستغلالهم كما أنها تبتعد عن القيم وتغذي نزعات الجشع المادي لدى المشاركين.
ويعود تاريخ مثل هذه البرامج إلى بدايات البث التلفزيوني نفسه حيث ظهرت في البداية برنامج «الكاميرا الخفية» في أربعينيات القرن الماضي، وكان مستعاراً من برنامج يذاع في الراديو اسمه «الميكروفون الخفي».
- برامج الواقع العربية لها فضائحها أيضاً
> لعل أشهر ضحايا برامج الواقع العربية كانت فتاة المول في مصر التي تحرش بها شاب في مول تجاري تحت بصر كاميرات المراقبة، وانتهى الأمر بالقبض على المتحرش وسجنه لمدة عام. ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، حيث اعتدى عليها الشاب مرة أخرى بعد خروجه من السجن وأحدث بها إصابة قطعية بالوجه باستخدام سلاح أبيض. وعاد الشاب إلى السجن مرة أخرى.
ولكن ما حدث تلفزيونياً كان تأثيره على الفتاة أكثر فداحة من الناحية النفسية، فقد تم استدعاؤها إلى الاستوديو كضحية يتعاطف معها الجمهور المصري، وخرجت منه في النهاية كفتاة مشكوك في سمعتها بفضل مذيعة أهدرت أصول المهنة من أجل رفع شعبية برنامجها. فقد أباحت لفريق البرنامج تفريغ صور خاصة من هاتف الفتاة، ومن دون استشارتها أو علمها، لكي «تفضح حقيقتها» وتثبت أن هناك علاقة بينها وبين الشاب الذي اعتدى عليها.
وانتهى الأمر بوقف البرنامج والمذيعة. وفي حالة أخرى للمذيعة نفسها تورطت في خطف أطفال ضمن حلقة عن الاتجار في الأطفال، شاركت من خلاله في جريمة دفع مبالغ مالية لمجرمين شاركوا في خطف أطفال من أجل تسجيل الحوار معهم. وانتهى الأمر بالقبض على المذيعة ومعدي البرنامج للتحقيق معهم.
وفي تونس كشف تحقيق عن برامج الواقع في التلفزيون التونسي أنها لا تمت بصلة إلى الواقع ولاحظ التحقيق أن الفئات التي تبدي اعتراضها وسخطها على هذه البرامج هي نفسها الفئات الأكثر إقبالا على مشاهدتها ومناقشتها.
وتتعرض برامج الواقع التونسية إلى حالات إنسانية وإلى العلاقات بين الأفراد تحت أسماء مثل «سرك في بير» و«المسامح كريم». وقال مراقب لبرامج الواقع التونسية إنه يحق لكل من هب ودب أن يتصل بهذه البرامج ليروي حكايات تبث مباشرة، قد تكون من محض مخيلته دون أي تحرٍ أو دقة، الأمر الذي يظهر المجتمع التونسي وكأنه «متفسخ أخلاقياً».
وتعرض عدة برامج واقع تونسية روايات يندى لها الجبين لتكون في اليوم التالي حديث الـ«فيسبوك». وهي برامج تستقطب فئات مهمشة من المجتمع لم تحظَ بمستويات ثقافية أو تعليمية لائقة. ويرى حبيب بن بلقاسم أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود أن المنافسة الشديدة بين وسائل الإعلام أدت إلى السعي وراء الإثارة التي يساء استخدامها. ومع ذلك فإن برامج الواقع العربية في تونس وغيرها ما زالت تلقى نسب مشاهدة عالية ومتزايدة.



«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.