الأصوات الكورية تصنع موجات على الراديو العربي

ما الذي يسعى الكوريون إلى تحقيقه من خلال البث الإذاعي الموجه للعالم العربي؟

الأصوات الكورية تصنع موجات على الراديو العربي
TT

الأصوات الكورية تصنع موجات على الراديو العربي

الأصوات الكورية تصنع موجات على الراديو العربي

عندما كنت طفلا صغيرا، اعتدت أن أستمع إلى البث الإذاعي من أماكن بعيدة عبر موجات الراديو القصيرة، وكان البث عادة ما يكون غير منضبط ويحتوي على فترات صمت. ولكن هذه الأصوات البعيدة، أصبحت تأتي واضحة كرنين الأجراس عبر أي بث إذاعي على الهواتف الذكية. وذات مساء، كنت أتجول بين محطات الراديو العربية، من بغداد إلى الجزائر، وبالمصادفة استمعت إلى امرأتين تتحدثان اللغة العربية بطلاقة وإن كان بلكنة غريبة. قالت إحداهما: «أعزائي المستمعين، كيف قضيتم يومكم؟»، ثم قالت الأخرى: «كل يوم جديد يبعث فينا الأمل والتطلعات».
فتساءلت: من أين تأتي هؤلاء النساء؟ استمعت لفترة وفي النهاية أذيعت نغمة شرقية ثم أتى صوت رجل يقول: «من سيول، يتجدد اللقاء عبر الأثير. يجمعنا وإياكم الحب والخير والأمل».
اتضح لي أن ما أستمع إليه هو خدمة الإذاعة العربية لحكومة كوريا الجنوبية «راديو كوريا الدولي». ثم تضمنت النشرة الرئيسة الاستعدادات العسكرية لمواجهة جارتها المهددة في الشمال، بالإضافة إلى زيارة الرئيس الكوري إلى أوروبا، وهي النشرة التي قرأها مذيع مصري أعقبها تقرير اقتصادي قرأه رجل آخر لديه لكنة كورية قائلا: «تجاوزت الصادرات الكورية 50 مليار دولار في شهر أكتوبر (تشرين الأول) وهو رقم قياسي جديد لدولة لم تستورد سوى 19 مليون دولار منذ استقلالها عن اليابان».
وبعد أن أعلن عن اسم المحطة، عادت السيدتان الكوريتان وتحدثتا عن الأعداد المتزايدة للإماراتيين والمصريين الذين يدخلون امتحانات لتقييم مستواهم في اللغة الكورية حيث علقت إحداهما: «ما شاء الله». ثم استمرتا في الحديث حول تعزيز العلاقات والصداقة بين الكوريين والعرب، وهو ما يمكن أن يعزز التعاون المشترك وفهم بعضنا البعض «إن شاء الله». ثم انتقل البرنامج إلى تغطية أحدث أخبار السينما الكورية والموسيقى، بالإضافة إلى تعليم المستمعين كيف يقولون عبارات مثل «مرحبا، كيف تسير الأمور؟ ما اسمك؟» بالكورية. وعندما دقت الساعة، انتهى البرنامج ثم بدأ عرضه مرة أخرى، حيث لا تقدم المحطة سوى ساعة واحدة جديدة في اليوم.
وعندئذ انتابني الفضول: ما الذي يسعى الكوريون إلى تحقيقه من خلال ذلك البث الموجه للعالم العربي؟
في الصباح التالي، زرت جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي درس الأثر الآسيوي المتنامي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وطرحت عليه أسئلتي فقال: «تنظر كوريا الجنوبية إلى العالم العربي كسوق مهمة للبضائع المصنعة وللبناء، كما أنهم فعليا يحصلون على معظم البترول الذي يحتاجون إليه من الشرق الأوسط».
واستأنف ألترمان أن الكوريين لديهم عقود لبناء مفاعلات نووية بأبوظبي، كما أن لديهم بعثات عسكرية للمساعدة على تدريب القوات الخاصة الإماراتية، مضيفا: «أعتقد أن كوريا الجنوبية تعتقد أنها سوف تحصل على الدور التجاري الذي كانت تقوم به الولايات المتحدة الأميركية، وتستطيع بناء علاقة تبادلية تروي من خلالها تعطش كوريا الجنوبية للبترول وقدرة كوريا الجنوبية على التصنيع. ولكن أحد التحديات الرئيسة التي كانت تواجهها هي أنه لا يوجد من سمع بكوريا في المنطقة. أعني أن الناس قد سمعت عن الصين التي لديها علاقات تاريخية بالشرق الأوسط، كما أنهم سمعوا عن اليابان التي لديها علاقات عريقة بكثير من البلدان. ولكن الناس لا يستطيعون استدعاء شيء محدد إلى أذهانهم عندما يتطرق الحديث لكوريا وهم يحاولون تغيير تلك المعادلة.
ومن الواضح، أن لهذا السبب جرى التفكير في طرح خدمة البث الكورية باللغة العربية، فهي أداة لما يطلق عليه الأميركيون «الدبلوماسية العامة» التي تعتمد على الجهود النشطة للتأثير في الجماهير الأجنبية ودفعها لتأييد سياسات الدولة الأجنبية. وتستثمر الولايات المتحدة مئات الملايين سنويا في دبلوماسيتها العامة للتواصل مع العالم العربي، بما يتضمن أنشطة مثل «راديو سوا» الذي يبث على الموجات المحلية لـ«إف إم» في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ويحاول الراديو التنافس مع كثير من الخصوم، مثل الصين وروسيا وإيران وكل دول أوروبا الغربية والحركات العابرة للحدود، مثل الإخوان المسلمين وحتى الفاتيكان، من أجل الحصول على انتباه الجماهير العربية.
وبالنظر لتلك الجهود مجتمعة، تقدر تكلفة تلك الصناعة بعدة مليارات من الدولارات ومع ذلك فما زلنا لا نستطيع الجزم بما إذا كانت تلك الجهود قد نجحت في تحقيق أهدافها السياسية أم لا.
ومن جهة أخرى، كان لدى فيليب سي، أستاذ الصحافة والعلاقات العامة والعلاقات الدولية بجامعة جنوب كاليفورنيا شكوك حول القضية: «كل الناس في العالم الآن يبثون باللغة العربية ولكن ليس كل العرب يستمعون إليهم. فحتى (بي بي سي) تواجه صعوبة حاليا في الحصول على انتباه الجماهير في العالم العربي على الرغم من أنها تتمتع بسمعة طيبة. وما أعرفه من خلال الوقت الذي قضيته في العالم العربي هو أن كثيرا من تلك المحطات الأجنبية أنفقت مبالغ مالية طائلة، ولكنها لم تصل سوى إلى حفنة من الأشخاص».
ومن الصعب أن نحدد المبالغ المالية التي أنفقتها القوى الأجنبية أو نحدد مدى النجاح الذي حققته في المنطقة. فما زالت الأبحاث المتعلقة بتوجهات الجماهير في العالم العربي في بداياتها، كما أنها غير متوازنة في تغطيتها، وفي بعض الأحيان تفتقر إلى المصداقية. ولكن أحد المؤشرات التي يمكننا الاستعانة بها، على الأقل في قياس اهتمام الشباب، هي عدد متابعي إحدى محطات الراديو على «تويتر». ومن باب الفضول، قمت بفحص حساب «تويتر» لخدمة البث الكورية وقارنتها براديو «سوا» الأميركي، واكتشفت أن الشبكة الصغيرة لديها عدد من الأتباع يتجاوز حجمها، حيث إن راديو «سوا» الذي يبث على مدار الساعة ولديه موازنة سنوية تتجاوز 22 مليون دولار، لديه 60 ألف متابع على «تويتر» فيما حصلت الشبكة الكورية التي ليس لديها سوى ثلاثة عاملين بدوام كامل وساعة واحدة من البث يوميا على عشرة آلاف متابع.
لكي أتمكن من فهم المزيد، اتصلت بمقر الإذاعة الكورية بالعاصمة الكورية سيول وتحدثت إلى باي جيونغ - أوك مديرة المحطة العربية التي تحمل اسم «لؤلؤة» أثناء البث. حيتني باي جيونغ – أوك، بحرارة ثم قالت: «عندما أقدم برنامجا أو أجري حوارا على الهواء، كنت دائما أتساءل عما إذا كان هناك من يسمعني، ولكنك في واشنطن وتمكنت من الاستماع إلي. ما شاء الله، وكأن حلما تحقق بالنسبة لي».
وعندئذ سألتها حول كيف تنظر إلى طبيعة عملها، قالت: «إنهم يطلقون علينا السفراء المدنيين. فنحن نحاول بقدر استطاعتنا أن نقيم جسورا بين ثقافتين. ذلك هو ما نشعر به تجاه عملنا، كما أن ضيوفنا العرب ينظرون إلينا على ذلك النحو أيضا. وهناك كثير من العوامل والقيم المشتركة بين الثقافتين العربية والكورية، مثل قيمة احترام الصغير للكبير، وغيرها، وأعتقد أن ذلك يسهِّل علينا مهمة تجسير الفجوة بين الثقافتين».
كما أضافت جيونغ - أوك أن الإذاعة الكورية الموجهة للعالم العربي ليست جديدة، فقد كانت موجودة منذ سبتمبر (أيلول) 1975، أي ليس بعد وقت طويل من حظر البترول العربي في أكتوبر (تشرين الأول) 1973، الذي بدأ رد فعل على تأييد الأميركيين لإسرائيل. وكان الحظر قد تسبب في ارتفاع أسعار البترول وركود عالمي، وهو ما جعل بلادنا تدرك أن القوى الأجنبية تتجاهل مشاعر العرب.
وأضافت جيونغ - أوك أنه «في بداية السبعينات كانت هناك أزمة طاقة، ولم يكن هناك متخصصون في الشؤون العربية بكوريا، ومن ثم ركزت الحكومة على إيجاد خبراء باللغة العربية، ومع الوقت أدركنا أننا بحاجة إلى تعزيز التعاون الثقافي والأكاديمي والاجتماعي، فلا يمكن أن تقيم علاقات وثيقة مع البلدان الأخرى بدوافع اقتصادية فقط».
وبعد ذلك بثمان وثلاثين سنة، ما زالت الشبكة تعمل على ميزانية محدودة حيث يساعد نحو 20 شخصا يعملون عملا حرا فيما لا يوجد سوى ثلاثة أفراد بدوام كامل، ومع ذلك فلدى الشبكة جمهور كبير. ويبدو أن عدم وجود قواعد بيروقراطية تحكم عملهم، تمنح المحطة كثيرا من المزايا، حيث يستطيع طاقم العمل أن يحتفظوا بحيويتهم ويتواصلوا مع المستمعين ويتمتعوا بحرية كاملة في دفع البرنامج في الاتجاه الذي يجدونه مناسبا للجماهير. وتشعر جيونغ - أوك بأن نجاحها في زيادة الجماهير يعتمد على العلاقات الإنسانية التي تمكنت من إقامتها مع المستمعين.

* كاتب ومحلل سياسي متخصص في شؤون المجتمعات العربية وباحث في مركز المسبار للدراسات والبحوث. آخر كتبه «الموتى المحترمون» (The Honored Dead) من إصدار «راندوم هاوس» للنشر، نُشرت مقالاته في «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وغيرهما من الجرائد والمجلات الأميركية، بينما تُبث برامجه الوثائقية في الراديو الوطني الأميركي. يمكن متابعته في تويتر على عنوان @josephbraude.

* كاتب ومحلل سياسي متخصص في شؤون المجتمعات العربية وباحث في مركز المسبار للدراسات والبحوث. آخر كتبه «الموتى المحترمون» (The Honored Dead) من إصدار «راندوم هاوس» للنشر، نُشرت مقالاته في «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وغيرهما من الجرائد والمجلات الأميركية، بينما تُبث برامجه الوثائقية في الراديو الوطني الأميركي. يمكن متابعته في تويتر على عنوان @josephbraude.

فتقول: «يرسل إلينا المستمعون العاديون من الجزائر مثلا تقرير المستمعين، ويخبروننا فيه كيف تعرفوا على محطتنا ويعطوننا تقييما لأداء المحطة سواء كان إيجابيا أم سلبيا. وفي النهاية، يبدأون في الحديث حول أمور شخصية، فعلى سبيل المثال يتصل بنا من يخبرنا أن اليوم هو عيد ميلاده أو أن ابنته تزوجت أو زوجته وضعت مولودا ومن ثم فإننا نتفاعل معهم على الهواء مباشرة. ففي أحد الأيام أخبرنا مستمع بأنه سيتزوج في يوم محدد، وفي ذلك اليوم كنت أقدم فقرة موسيقية، ومن ثم هنأته خلال العرض وأهديت أغنية لطيفة للزوجين. وعندها شعر الرجل بالسعادة البالغة، قام بتسجيل الأغنية وتشغيلها في حفل الزفاف، وأعتقد أن مثل ذلك التفاعل وتبادل المشاعر له قوة خاصة».
ومع ذلك، فإن مقاربة الإذاعة الكورية ربما تنجح في بلد صغير نسبيا, غير معروف إلى درجة كبيرة في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، كما أن استراتيجياتها قد لا تنطبق على قوى عظمى مثل الولايات المتحدة المعروفة والحاضرة دائما، وإن لم تكن محبوبة, وتواجه صعوبات في الدفاع عن سياساتها ومصالحها الواسعة.
وعلى أي حال, لا تحاول الإذاعة الكورية أن تصبح مصدرا للمعلومات والأخبار خارج نطاق الأخبار المتعلقة بشبه الجزيرة الكورية. ومن جهة أخرى، هناك درس مهم واحد قد تتعلم القوى العظمى من الإذاعة الكورية وهو مزايا وضع مواطني البلد الأصليين الذين تجذب إجادتهم للعربية جماهير إضافية إلى جانب المذيعين العرب، فليس هناك مذيعون أميركيو المولد في راديو «سوا» أو بريطانيون في «بي بي سي». وعن ذلك أضافت جيونغ - أوك أنه عندما بدأت الخدمة العربية لم يكن لدينا سوى كوريين تخرجوا في قسم الدراسات العربية بالجامعة لكي نستعين بهم كمذيعين. ومع الوقت، تحسنت لغتهم كثيرا، ولكن في القرن الحادي والعشرين بدأ العرب يتدفقون على كوريا، وما زال كثير منهم يعيش هنا حاليا، وقد بدأنا مزج الأصوات في برامجنا بين العرب والكوريين. وأعتقد أن ردة فعل الجمهور تحسنت بعدها. فهم دائما يخبروننا: «أنتم مختلفون عن الشبكات الأجنبية الأخرى. فهم عادة مذيعون عرب فقط، ولكنكم لديكم مزيج من الكوريين والعرب». وربما تكون هذه ميزة بالنسبة للجماهير.
وبخلاف الصين وروسيا وإيران، فإن كوريا الجنوبية حليف للولايات المتحدة. ولكن هل يعني ذلك أن العلاقات المتنامية بين كوريا والعالم العربي ستصب في مصلحة الولايات المتحدة؟ وما تداعيات الروابط الكورية العربية على السياسة الأميركية، سواء تجاه الشرق الأوسط أو فيما يتعلق بما يطلق عليه «الاتجاه صوب آسيا»؟
ينظر جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لهذه العلاقة بوصفها علاقة مختلطة. فمن جهة وعلى الصعيد الاستراتيجي نرى مواجهة مباشرة مع كوريا الجنوبية ولكن على الصعيد التجاري فإنهم يتنافسون مع الشركات الأميركية في بعض الحالات. وبالتالي أعتقد أن هذه العلاقة ستكون في جانب منها مرضية وفي جانب غير مرضية. فلا أعتقد أنهم يرغبون في أن يحلوا محل الولايات المتحدة ولكنهم يرغبون بالتأكيد في استكمال دورها. وبالنظر للمستقبل «ربما لا نستورد مباشرة بترول الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة ولكننا نستورده على نحو غير مباشر.. أي عندما نشتري منتجات جرى تصنيعها في آسيا ثم أرسلت إلى الولايات المتحدة. فنظرا لأن هذه المنتجات جرى تصنيعها بطاقة شرق أوسطية، فإننا نصبح جزءا من التنمية الشاملة للعلاقات الآسيوية الشرق أوسطية. وقد أصبح اقتصادنا مرتبطا بها ليس عبر السياسة المتمركزة فقط على السياسات التقليدية تجاه الشرق الأوسط، ولكن من خلال اتجاه يعتمد على التجارة الحرة التي تحمي الممرات البحرية. وأعتقد أن ما يعنيه ذلك هو أننا يجب أن نفكر أكثر حول من يدفع لحماية الممرات البحرية؟ وهل يُعقل أن تقدم الولايات المتحدة كل ذلك التأمين مجانا لمستهلكي الطاقة الذين يعيشون على الجهود الأميركية؟».
على أي حال، من الواضح أن الكوريين كانوا يشنون غارات قوية في ظل المظلة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط. فهل هناك وسيلة تجعل الولايات المتحدة تفيد من تلك الغارات سواء على الأرض أو على صعيد الموجات الإذاعية؟ في بعض الأحيان، حتى القوى العظمى تحتاج إلى بعض المساعدة، ويمكننا هنا الاستعانة بمثل كوري مفاده أن «النهر العظيم لا يرفض الاستعانة بالتيارات الصغرى».



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».