الأصوات الكورية تصنع موجات على الراديو العربي

ما الذي يسعى الكوريون إلى تحقيقه من خلال البث الإذاعي الموجه للعالم العربي؟

الأصوات الكورية تصنع موجات على الراديو العربي
TT

الأصوات الكورية تصنع موجات على الراديو العربي

الأصوات الكورية تصنع موجات على الراديو العربي

عندما كنت طفلا صغيرا، اعتدت أن أستمع إلى البث الإذاعي من أماكن بعيدة عبر موجات الراديو القصيرة، وكان البث عادة ما يكون غير منضبط ويحتوي على فترات صمت. ولكن هذه الأصوات البعيدة، أصبحت تأتي واضحة كرنين الأجراس عبر أي بث إذاعي على الهواتف الذكية. وذات مساء، كنت أتجول بين محطات الراديو العربية، من بغداد إلى الجزائر، وبالمصادفة استمعت إلى امرأتين تتحدثان اللغة العربية بطلاقة وإن كان بلكنة غريبة. قالت إحداهما: «أعزائي المستمعين، كيف قضيتم يومكم؟»، ثم قالت الأخرى: «كل يوم جديد يبعث فينا الأمل والتطلعات».
فتساءلت: من أين تأتي هؤلاء النساء؟ استمعت لفترة وفي النهاية أذيعت نغمة شرقية ثم أتى صوت رجل يقول: «من سيول، يتجدد اللقاء عبر الأثير. يجمعنا وإياكم الحب والخير والأمل».
اتضح لي أن ما أستمع إليه هو خدمة الإذاعة العربية لحكومة كوريا الجنوبية «راديو كوريا الدولي». ثم تضمنت النشرة الرئيسة الاستعدادات العسكرية لمواجهة جارتها المهددة في الشمال، بالإضافة إلى زيارة الرئيس الكوري إلى أوروبا، وهي النشرة التي قرأها مذيع مصري أعقبها تقرير اقتصادي قرأه رجل آخر لديه لكنة كورية قائلا: «تجاوزت الصادرات الكورية 50 مليار دولار في شهر أكتوبر (تشرين الأول) وهو رقم قياسي جديد لدولة لم تستورد سوى 19 مليون دولار منذ استقلالها عن اليابان».
وبعد أن أعلن عن اسم المحطة، عادت السيدتان الكوريتان وتحدثتا عن الأعداد المتزايدة للإماراتيين والمصريين الذين يدخلون امتحانات لتقييم مستواهم في اللغة الكورية حيث علقت إحداهما: «ما شاء الله». ثم استمرتا في الحديث حول تعزيز العلاقات والصداقة بين الكوريين والعرب، وهو ما يمكن أن يعزز التعاون المشترك وفهم بعضنا البعض «إن شاء الله». ثم انتقل البرنامج إلى تغطية أحدث أخبار السينما الكورية والموسيقى، بالإضافة إلى تعليم المستمعين كيف يقولون عبارات مثل «مرحبا، كيف تسير الأمور؟ ما اسمك؟» بالكورية. وعندما دقت الساعة، انتهى البرنامج ثم بدأ عرضه مرة أخرى، حيث لا تقدم المحطة سوى ساعة واحدة جديدة في اليوم.
وعندئذ انتابني الفضول: ما الذي يسعى الكوريون إلى تحقيقه من خلال ذلك البث الموجه للعالم العربي؟
في الصباح التالي، زرت جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي درس الأثر الآسيوي المتنامي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وطرحت عليه أسئلتي فقال: «تنظر كوريا الجنوبية إلى العالم العربي كسوق مهمة للبضائع المصنعة وللبناء، كما أنهم فعليا يحصلون على معظم البترول الذي يحتاجون إليه من الشرق الأوسط».
واستأنف ألترمان أن الكوريين لديهم عقود لبناء مفاعلات نووية بأبوظبي، كما أن لديهم بعثات عسكرية للمساعدة على تدريب القوات الخاصة الإماراتية، مضيفا: «أعتقد أن كوريا الجنوبية تعتقد أنها سوف تحصل على الدور التجاري الذي كانت تقوم به الولايات المتحدة الأميركية، وتستطيع بناء علاقة تبادلية تروي من خلالها تعطش كوريا الجنوبية للبترول وقدرة كوريا الجنوبية على التصنيع. ولكن أحد التحديات الرئيسة التي كانت تواجهها هي أنه لا يوجد من سمع بكوريا في المنطقة. أعني أن الناس قد سمعت عن الصين التي لديها علاقات تاريخية بالشرق الأوسط، كما أنهم سمعوا عن اليابان التي لديها علاقات عريقة بكثير من البلدان. ولكن الناس لا يستطيعون استدعاء شيء محدد إلى أذهانهم عندما يتطرق الحديث لكوريا وهم يحاولون تغيير تلك المعادلة.
ومن الواضح، أن لهذا السبب جرى التفكير في طرح خدمة البث الكورية باللغة العربية، فهي أداة لما يطلق عليه الأميركيون «الدبلوماسية العامة» التي تعتمد على الجهود النشطة للتأثير في الجماهير الأجنبية ودفعها لتأييد سياسات الدولة الأجنبية. وتستثمر الولايات المتحدة مئات الملايين سنويا في دبلوماسيتها العامة للتواصل مع العالم العربي، بما يتضمن أنشطة مثل «راديو سوا» الذي يبث على الموجات المحلية لـ«إف إم» في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ويحاول الراديو التنافس مع كثير من الخصوم، مثل الصين وروسيا وإيران وكل دول أوروبا الغربية والحركات العابرة للحدود، مثل الإخوان المسلمين وحتى الفاتيكان، من أجل الحصول على انتباه الجماهير العربية.
وبالنظر لتلك الجهود مجتمعة، تقدر تكلفة تلك الصناعة بعدة مليارات من الدولارات ومع ذلك فما زلنا لا نستطيع الجزم بما إذا كانت تلك الجهود قد نجحت في تحقيق أهدافها السياسية أم لا.
ومن جهة أخرى، كان لدى فيليب سي، أستاذ الصحافة والعلاقات العامة والعلاقات الدولية بجامعة جنوب كاليفورنيا شكوك حول القضية: «كل الناس في العالم الآن يبثون باللغة العربية ولكن ليس كل العرب يستمعون إليهم. فحتى (بي بي سي) تواجه صعوبة حاليا في الحصول على انتباه الجماهير في العالم العربي على الرغم من أنها تتمتع بسمعة طيبة. وما أعرفه من خلال الوقت الذي قضيته في العالم العربي هو أن كثيرا من تلك المحطات الأجنبية أنفقت مبالغ مالية طائلة، ولكنها لم تصل سوى إلى حفنة من الأشخاص».
ومن الصعب أن نحدد المبالغ المالية التي أنفقتها القوى الأجنبية أو نحدد مدى النجاح الذي حققته في المنطقة. فما زالت الأبحاث المتعلقة بتوجهات الجماهير في العالم العربي في بداياتها، كما أنها غير متوازنة في تغطيتها، وفي بعض الأحيان تفتقر إلى المصداقية. ولكن أحد المؤشرات التي يمكننا الاستعانة بها، على الأقل في قياس اهتمام الشباب، هي عدد متابعي إحدى محطات الراديو على «تويتر». ومن باب الفضول، قمت بفحص حساب «تويتر» لخدمة البث الكورية وقارنتها براديو «سوا» الأميركي، واكتشفت أن الشبكة الصغيرة لديها عدد من الأتباع يتجاوز حجمها، حيث إن راديو «سوا» الذي يبث على مدار الساعة ولديه موازنة سنوية تتجاوز 22 مليون دولار، لديه 60 ألف متابع على «تويتر» فيما حصلت الشبكة الكورية التي ليس لديها سوى ثلاثة عاملين بدوام كامل وساعة واحدة من البث يوميا على عشرة آلاف متابع.
لكي أتمكن من فهم المزيد، اتصلت بمقر الإذاعة الكورية بالعاصمة الكورية سيول وتحدثت إلى باي جيونغ - أوك مديرة المحطة العربية التي تحمل اسم «لؤلؤة» أثناء البث. حيتني باي جيونغ – أوك، بحرارة ثم قالت: «عندما أقدم برنامجا أو أجري حوارا على الهواء، كنت دائما أتساءل عما إذا كان هناك من يسمعني، ولكنك في واشنطن وتمكنت من الاستماع إلي. ما شاء الله، وكأن حلما تحقق بالنسبة لي».
وعندئذ سألتها حول كيف تنظر إلى طبيعة عملها، قالت: «إنهم يطلقون علينا السفراء المدنيين. فنحن نحاول بقدر استطاعتنا أن نقيم جسورا بين ثقافتين. ذلك هو ما نشعر به تجاه عملنا، كما أن ضيوفنا العرب ينظرون إلينا على ذلك النحو أيضا. وهناك كثير من العوامل والقيم المشتركة بين الثقافتين العربية والكورية، مثل قيمة احترام الصغير للكبير، وغيرها، وأعتقد أن ذلك يسهِّل علينا مهمة تجسير الفجوة بين الثقافتين».
كما أضافت جيونغ - أوك أن الإذاعة الكورية الموجهة للعالم العربي ليست جديدة، فقد كانت موجودة منذ سبتمبر (أيلول) 1975، أي ليس بعد وقت طويل من حظر البترول العربي في أكتوبر (تشرين الأول) 1973، الذي بدأ رد فعل على تأييد الأميركيين لإسرائيل. وكان الحظر قد تسبب في ارتفاع أسعار البترول وركود عالمي، وهو ما جعل بلادنا تدرك أن القوى الأجنبية تتجاهل مشاعر العرب.
وأضافت جيونغ - أوك أنه «في بداية السبعينات كانت هناك أزمة طاقة، ولم يكن هناك متخصصون في الشؤون العربية بكوريا، ومن ثم ركزت الحكومة على إيجاد خبراء باللغة العربية، ومع الوقت أدركنا أننا بحاجة إلى تعزيز التعاون الثقافي والأكاديمي والاجتماعي، فلا يمكن أن تقيم علاقات وثيقة مع البلدان الأخرى بدوافع اقتصادية فقط».
وبعد ذلك بثمان وثلاثين سنة، ما زالت الشبكة تعمل على ميزانية محدودة حيث يساعد نحو 20 شخصا يعملون عملا حرا فيما لا يوجد سوى ثلاثة أفراد بدوام كامل، ومع ذلك فلدى الشبكة جمهور كبير. ويبدو أن عدم وجود قواعد بيروقراطية تحكم عملهم، تمنح المحطة كثيرا من المزايا، حيث يستطيع طاقم العمل أن يحتفظوا بحيويتهم ويتواصلوا مع المستمعين ويتمتعوا بحرية كاملة في دفع البرنامج في الاتجاه الذي يجدونه مناسبا للجماهير. وتشعر جيونغ - أوك بأن نجاحها في زيادة الجماهير يعتمد على العلاقات الإنسانية التي تمكنت من إقامتها مع المستمعين.

* كاتب ومحلل سياسي متخصص في شؤون المجتمعات العربية وباحث في مركز المسبار للدراسات والبحوث. آخر كتبه «الموتى المحترمون» (The Honored Dead) من إصدار «راندوم هاوس» للنشر، نُشرت مقالاته في «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وغيرهما من الجرائد والمجلات الأميركية، بينما تُبث برامجه الوثائقية في الراديو الوطني الأميركي. يمكن متابعته في تويتر على عنوان @josephbraude.

* كاتب ومحلل سياسي متخصص في شؤون المجتمعات العربية وباحث في مركز المسبار للدراسات والبحوث. آخر كتبه «الموتى المحترمون» (The Honored Dead) من إصدار «راندوم هاوس» للنشر، نُشرت مقالاته في «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وغيرهما من الجرائد والمجلات الأميركية، بينما تُبث برامجه الوثائقية في الراديو الوطني الأميركي. يمكن متابعته في تويتر على عنوان @josephbraude.

فتقول: «يرسل إلينا المستمعون العاديون من الجزائر مثلا تقرير المستمعين، ويخبروننا فيه كيف تعرفوا على محطتنا ويعطوننا تقييما لأداء المحطة سواء كان إيجابيا أم سلبيا. وفي النهاية، يبدأون في الحديث حول أمور شخصية، فعلى سبيل المثال يتصل بنا من يخبرنا أن اليوم هو عيد ميلاده أو أن ابنته تزوجت أو زوجته وضعت مولودا ومن ثم فإننا نتفاعل معهم على الهواء مباشرة. ففي أحد الأيام أخبرنا مستمع بأنه سيتزوج في يوم محدد، وفي ذلك اليوم كنت أقدم فقرة موسيقية، ومن ثم هنأته خلال العرض وأهديت أغنية لطيفة للزوجين. وعندها شعر الرجل بالسعادة البالغة، قام بتسجيل الأغنية وتشغيلها في حفل الزفاف، وأعتقد أن مثل ذلك التفاعل وتبادل المشاعر له قوة خاصة».
ومع ذلك، فإن مقاربة الإذاعة الكورية ربما تنجح في بلد صغير نسبيا, غير معروف إلى درجة كبيرة في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، كما أن استراتيجياتها قد لا تنطبق على قوى عظمى مثل الولايات المتحدة المعروفة والحاضرة دائما، وإن لم تكن محبوبة, وتواجه صعوبات في الدفاع عن سياساتها ومصالحها الواسعة.
وعلى أي حال, لا تحاول الإذاعة الكورية أن تصبح مصدرا للمعلومات والأخبار خارج نطاق الأخبار المتعلقة بشبه الجزيرة الكورية. ومن جهة أخرى، هناك درس مهم واحد قد تتعلم القوى العظمى من الإذاعة الكورية وهو مزايا وضع مواطني البلد الأصليين الذين تجذب إجادتهم للعربية جماهير إضافية إلى جانب المذيعين العرب، فليس هناك مذيعون أميركيو المولد في راديو «سوا» أو بريطانيون في «بي بي سي». وعن ذلك أضافت جيونغ - أوك أنه عندما بدأت الخدمة العربية لم يكن لدينا سوى كوريين تخرجوا في قسم الدراسات العربية بالجامعة لكي نستعين بهم كمذيعين. ومع الوقت، تحسنت لغتهم كثيرا، ولكن في القرن الحادي والعشرين بدأ العرب يتدفقون على كوريا، وما زال كثير منهم يعيش هنا حاليا، وقد بدأنا مزج الأصوات في برامجنا بين العرب والكوريين. وأعتقد أن ردة فعل الجمهور تحسنت بعدها. فهم دائما يخبروننا: «أنتم مختلفون عن الشبكات الأجنبية الأخرى. فهم عادة مذيعون عرب فقط، ولكنكم لديكم مزيج من الكوريين والعرب». وربما تكون هذه ميزة بالنسبة للجماهير.
وبخلاف الصين وروسيا وإيران، فإن كوريا الجنوبية حليف للولايات المتحدة. ولكن هل يعني ذلك أن العلاقات المتنامية بين كوريا والعالم العربي ستصب في مصلحة الولايات المتحدة؟ وما تداعيات الروابط الكورية العربية على السياسة الأميركية، سواء تجاه الشرق الأوسط أو فيما يتعلق بما يطلق عليه «الاتجاه صوب آسيا»؟
ينظر جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لهذه العلاقة بوصفها علاقة مختلطة. فمن جهة وعلى الصعيد الاستراتيجي نرى مواجهة مباشرة مع كوريا الجنوبية ولكن على الصعيد التجاري فإنهم يتنافسون مع الشركات الأميركية في بعض الحالات. وبالتالي أعتقد أن هذه العلاقة ستكون في جانب منها مرضية وفي جانب غير مرضية. فلا أعتقد أنهم يرغبون في أن يحلوا محل الولايات المتحدة ولكنهم يرغبون بالتأكيد في استكمال دورها. وبالنظر للمستقبل «ربما لا نستورد مباشرة بترول الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة ولكننا نستورده على نحو غير مباشر.. أي عندما نشتري منتجات جرى تصنيعها في آسيا ثم أرسلت إلى الولايات المتحدة. فنظرا لأن هذه المنتجات جرى تصنيعها بطاقة شرق أوسطية، فإننا نصبح جزءا من التنمية الشاملة للعلاقات الآسيوية الشرق أوسطية. وقد أصبح اقتصادنا مرتبطا بها ليس عبر السياسة المتمركزة فقط على السياسات التقليدية تجاه الشرق الأوسط، ولكن من خلال اتجاه يعتمد على التجارة الحرة التي تحمي الممرات البحرية. وأعتقد أن ما يعنيه ذلك هو أننا يجب أن نفكر أكثر حول من يدفع لحماية الممرات البحرية؟ وهل يُعقل أن تقدم الولايات المتحدة كل ذلك التأمين مجانا لمستهلكي الطاقة الذين يعيشون على الجهود الأميركية؟».
على أي حال، من الواضح أن الكوريين كانوا يشنون غارات قوية في ظل المظلة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط. فهل هناك وسيلة تجعل الولايات المتحدة تفيد من تلك الغارات سواء على الأرض أو على صعيد الموجات الإذاعية؟ في بعض الأحيان، حتى القوى العظمى تحتاج إلى بعض المساعدة، ويمكننا هنا الاستعانة بمثل كوري مفاده أن «النهر العظيم لا يرفض الاستعانة بالتيارات الصغرى».



مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد


مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي
TT

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

جدد إعلان شركة «ميتا» عن تحديث جديد لخدمة الذكاء الاصطناعي المخاوف بشأن «خصوصية بيانات المستخدمين». ودعا خبراء إلى «ضرورة استخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية».

شركة «ميتا» أعلنت الأسبوع الماضي عن تحديث جديد يستهدف «جعل توصيات ظهور المحتوى للمستخدم في منصاتها، وردود الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطاً بنشاطات المستخدم واهتماماته عبر دمج البيانات التي تجمعها من شركائها الإعلانيين ضمن خوارزمياتها».

وأوضحت الشركة في بيان نشرته على موقعها، أنها «تعمل على تحديث الطريقة التي تستخدم بها المعلومات التي تشاركها بالفعل شركات أخرى». وتابعت أنها «تستخدم هذه البيانات حالياً، التي تتعلق بالألعاب التي يلعبها المستخدم أو المشتريات التي يشتريها، لربط الإعلانات التي يراها المستخدم باهتماماته، لكنها ستعمل في المستقبل على استخدام هذه المعلومات لتطوير المحتوى الذي يظهر للمستخدم على الصفحة الرئيسية وردود الذكاء الاصطناعي».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، هذا التحديث «جزءاً من استراتيجية (ميتا) لتعزيز تخصيص منصاتها وتحسين أداء أنظمة الإعلان والذكاء الاصطناعي». وأوضحت أنه «من خلال ربط الأنشطة على مواقع وتطبيقات خارجية بالسلوكيات الملاحظة على «فيسبوك» و«إنستغرام» مثلاً تحصل الشركة على صورة أشمل بكثير لاهتمامات كل مستخدم وعاداته ومسح كامل له، وتتيح هذه البيانات الوفيرة تقديم توصيات محتوى وإعلانات وأدوات ذكاء اصطناعي أكثر دقة.

إلا أن دومة أشارت أيضاً إلى أن «هذا التطور يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية... لأن عديداً من المستخدمين لا يدركون أن زياراتهم مواقع معينة، أو عمليات البحث التي يجرونها -بل حتى بعض عمليات الشراء- يمكن إرسالها إلى (ميتا) عبر أدوات التتبع مثل (ميتا بيكسل)، وهو عبارة عن متتبع لكل خطوات الإنسان».

وأضافت أنه «رغم أن (ميتا) تدّعي أنها لا تجمع فئات جديدة من البيانات وتُتيح إعدادات للتحكم؛ فإن تجميع هذه المعلومات يسمح بإنشاء ملفات تعريف رقمية مفصلة للغاية، وتحديد بروفايل خاص بكل شخص مهما كان سنه أو جنسه».

وتابعت الباحثة الجزائرية القول: «في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب على المستخدمين تبني نهج استباقي لحماية بياناتهم تحديداً، يمكّنهم من مراجعة إعدادات خصوصية حساباتهم، والحد من الأنشطة المشاركة مع (ميتا)، وتعطيل خيار الأنشطة غير التابعة للشركة، ومراجعة أذونات التطبيقات، واستخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية». وأردفت أنه «من الضروري أيضاً قراءة إعدادات الموافقة بدلاً من قبول الخيارات المقترحة تلقائياً... إذ إن هذا التحديث يشكل تحدياً رئيسياً في العصر الحالي؛ يتمثل في إيجاد توازن بين مزايا التخصيص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي من جهة، واحترام الحق الأساسي في الخصوصية». وتابعت: «كلما ازدادت الأنظمة ذكاءً ازدادت أهمية مسألة التحكم في البيانات الشخصية في النقاش العام».

وفق بيان «ميتا»، سيصار إلى جمع البيانات من شركائها في الإعلانات لـ«المساعدة على تخصيص المحتوى الإعلاني، بما في ذلك المعلومات التي تمرَّر عبر كود (ميتا بيكسل) الخاص بالمواقع الإلكترونية، والذي يشارك بيانات نشاط زوار المواقع». وذكرت «ميتا» أن «التحديث يستهدف عرض إعلانات أكثر ملاءمة استناداً إلى سلوك المستخدم خارج منصاتها».

الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، عدّ تحديث «ميتا» الجديد بمنزلة «خطوة استراتيجية تتجاوز الإعلانات التقليدية إلى بناء ما يمكن تسميته ملفاً سلوكياً شاملاً للمستخدم، وهو ما يتماشى مع سياسات الذكاء الاصطناعي».

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(ميتا) كانت تعتمد على ما يفعله المستخدم داخل منصاتها، أما الآن فهي تريد الاستفادة أيضاً من البيانات التي تصل إليها من مواقع وتطبيقات وشركات أخرى متعاونة معها، مثل عمليات الشراء والزيارات الإلكترونية واستخدام التطبيقات المختلفة، من أجل تخصيص المحتوى وليس الإعلانات فقط، بهدف تحسين خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وزيادة مدة بقاء المستخدم داخل المنصات».

وأشار إلى أن «التحديث يأتي في إطار تعويض تراجع ملفات تعريف الارتباط بعد تشديد قوانين الخصوصية، وقيود (أبل) و(غوغل) على التتبع، مما جعل الشركات بحاجة إلى طرق جديدة لفهم المستخدمين».

وحسب فتحي فإن «البيانات أصبحت المحرك الرئيسي للذكاء الاصطناعي، والمستخدم يدفع ثمن الخدمات المجانية ببياناته الشخصية وسلوكه الرقمي، وهو ما يعرِّضه لانتهاك الخصوصية حسب حرية كل شخص وما يريد تصديره للعالم».

وشدد من ثم على «ضرورة مراجعة إعدادات النشاط خارج (ميتا)، ومراجعة الجهات التي تشارك بيانات النشاط، ومسح النشاط السابق، وتقليل التخصيص الإعلاني واستخدام متصفحات أكثر حماية للخصوصية، مثل حظر ملفات التتبع الخارجية وملفات تعريف الارتباط من الطرف الثالث، مع مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام، والتفكير قبل مشاركة البيانات مع أدوات الذكاء الاصطناعي».

وأكد فتحي أخيراً أن «أي معلومات يجري إدخالها في مساعدات الذكاء الاصطناعي قد تُستخدم لتحسين النماذج أو تخصيص الخدمات مستقبلاً وفق السياسات المعمول بها، لذلك يجب تطبيق مبدأ الحد الأدنى من البيانات بحيث لا تُشارَك إلا المعلومات الضرورية فقط، لأن البيانات التي لا تُجمع أساساً لا يمكن إساءة استخدامها مستقبلاً».


«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات