قيادات في حزب إردوغان تهدد فنانين أعلنوا تأييدهم لأكرم إمام أوغلو

«يوم أسود» جديد للصحافيين في تركيا بين اعتقالات واعتداءات

زعيم حزب الشعب المعارض يزور الصحافي ياووز سليم دميرآتش في المستشفى بعد تعرضه لاعتداء في أنقرة أمس (أ.ب)
زعيم حزب الشعب المعارض يزور الصحافي ياووز سليم دميرآتش في المستشفى بعد تعرضه لاعتداء في أنقرة أمس (أ.ب)
TT

قيادات في حزب إردوغان تهدد فنانين أعلنوا تأييدهم لأكرم إمام أوغلو

زعيم حزب الشعب المعارض يزور الصحافي ياووز سليم دميرآتش في المستشفى بعد تعرضه لاعتداء في أنقرة أمس (أ.ب)
زعيم حزب الشعب المعارض يزور الصحافي ياووز سليم دميرآتش في المستشفى بعد تعرضه لاعتداء في أنقرة أمس (أ.ب)

تلقّى فنّانون بارزون في تركيا تهديدات علنية من قيادات بحزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بسبب إعلان تأييدهم أكرم إمام أوغلو في انتخابات الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول التي ستجرى في 23 يونيو (حزيران) المقبل.
وتوعد قياديو حزب إردوغان الفنانين الرافضين لقرار إعادة الانتخابات في إسطنبول والداعمين لمرشح المعارضة، بفرض حظر عليهم وعلى أنشطتهم الفنية. وتعهد رئيس بلدية نوشهير (وسط تركيا) المنتمي للحزب الحاكم، رسمي آري، بفرض حظر على الفنانين الذين يدعمون إمام أوغلو في جولة الإعادة على منصب رئيس بلدية إسطنبول المقررة يوم 23 يونيو المقبل. وقال عبر «تويتر» إن «الفنانين الذين يدعمون مرشح حزب الشعب (مؤيدون للتخريب).. هؤلاء الأشخاص الذين لم يجرؤ أحدهم منهم على الخروج في ليلة المحاولة الانقلابية في 2016 التي عايشتها أمتهم للتعبير عن القيم الوطنية والروحية يمارسون الحيل الآن ويدعمون الخراب.. الأمر الآن يتعلق ببقاء الدولة، أما من يتجاهلون دورهم في قيادة المجتمع روحيا ووطنيا، فلن يصعدوا إلى المسرح ولو في برنامج صغير داخل حدود مدينتهم».
بدوره، هدّد نائب حزب العدالة والتنمية عن مدينة سكاريا (غرب)، كنعان صوفو أوغلو، الفنانين الداعمين لإمام أوغلو، في منشور على «فيسبوك»، قال فيه: ««وا أسفاه عليكم يا ناكري الجميل! كل منكم مليونير، ولديه حياة مرفهة وملايين المتابعين، بفضل إردوغان الذي أدار هذا البلد لما يقرب من 20 عاما. إنكم تستفيدون من الخدمات المقدمة لإسطنبول أكثر منا.. ليس لدي ما أقوله لأكرم إمام أوغلو، ولكنكم ناكرون للجميل والمعروف، من يجتمع على حبه الملايين أنتم تحاولون استغلال الفرصة، وتقولون هيا لنسقط حزب العدالة والتنمية ورجب طيب إردوغان».
ونشر محمد صافي رئيس دائرة الأرشيف بالرئاسة التركية، مستشار إردوغان السابق، على حسابه بموقع «تويتر» قائمة بأسماء الفنانين الداعمين لإمام أوغلو، وكتب عليها «للتسجيل» في تهديد للفنانين. وقال رجب أوزال، ممثل العدالة والتنمية في اللجنة العليا للانتخابات على حسابه الشخصي بموقع «تويتر» تعليقا على دعم الفنانين لإمام أوغلو: «فنكم ورجولتكم كلاهما كذب».
ونشر أبرز فناني تركيا، ومنهم المطرب تاركان والممثل الكوميدي الأشهر جيم يلماظ وغيرهما، تغريدات مؤيدة لأكرم إمام أوغلو في جولة الإعادة متبوعة بوسم «كل شيء سيصبح جميلا جدا»، وهي مقولة لأكرم أوغلو أطلقها في تجمع جماهيري يوم الاثنين الماضي عقب قرار اللجنة العليا بإلغاء فوزه في انتخابات 31 مارس (آذار) الماضي، وإعادة الانتخابات وتحولت إلى «هاشتاغ» جرى نشره أكثر من مليون مرة ليتصدر قائمة «تويتر».
وعلق إمام أوغلو على التهديدات والانتقادات الموجهة إلى الفنانين قائلا: «يقولون إنه لا ينبغي للفنانين أن يتحدثوا، لا، سيتحدثون.. حان وقت الحديث، حان وقت رفع الصوت.. إذا لم يتحدث فنانو تركيا ومثقفوها فمن الذي سيتحدث.. لا تقلقوا، كل شيء سيصبح جميلا جدا».
في غضون ذلك، عاش صحافيون أتراك «يوما أسود» جديدا ما بين اعتقالات واعتداءات بالضرب في الشوارع أمس. واعتقلت السلطات التركية 3 صحافيين كانوا يشاركون في تغطية فعاليات لدعم السجناء المضربين عن الطعام في سجون تركيا، للمطالبة بتخفيف ظروف السجن الانفرادي لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة بسجن انفرادي في جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة غرب تركيا.
وألقت قوات الأمن القبض على زينب كوراي أثناء تغطيتها فعالية أُقيمت في سوق مصر في إسطنبول، ليل الجمعة إلى السبت، لتسليط الضوء على المضربين عن الطعام والأحوال السيئة للسجون التركية. كما أُلقي القبض على عرفان تونش تشاليك أثناء تغطيته فعالية باسم «أمهات السلام»، أمام سجن بكيركوي في إسطنبول.
واتسع الإضراب عن الطعام تضامنا مع أوجلان ليشمل 3 آلاف سجين، بعضهم قرّر الدخول في صيام حتى الموت.
كما ألقت قوات الأمن التركية القبض على الصحافية جانان جوشكون قبل فجر أمس السبت، على خلفية قرار اعتقال صادر بحقها بسبب عدم دفع غرامة مالية في قضية كانت تحاكم فيها بسبب خبر نشرته عام 2015، وأطلقت السلطات سراحها لاحقا بعد أكثر من 10 ساعات من احتجازها؛ حيث قامت بتسديد الغرامة المطلوبة منها والتي تبلغ نحو 2100 دولار.
وكانت الصحافية، التي سبق لها العمل في صحيفة «جمهوريت» التركية، حكومت في 2015 في تهم بـ» الإساءة إلى مسؤولين حكوميين في تقرير حول تزوير في مستندات بمشروع عقاري حكومي في إسطنبول لصالح بعض القضاة وممثلي الادعاء، خلال عملية الشراء.
ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو (تموز) 2016، أغلقت السلطات التركية أكثر من 175 وسيلة إعلام، ما ترك أكثر من 12 ألفا من العاملين في مجال الإعلام دون وظائف، فضلا عن شكوى الصحافيين والمراسلين الأجانب من التضييق عليهم في أداء عملهم.
وفجر أمس أيضا، تعرض الصحافي في صحيفة «يني تشاغ»، ياووز سليم دميرآتش، لاعتداء بالضرب من قبل مجموعة مكونة من 6 مجهولين ألحقوا به عدة إصابات في الرأس والوجه، ما أدّى إلى موجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، أكدت أن حرية التعبير والرأي بتركيا باتت في خطر.
واستنكرت ميرال أكشينار، رئيس حزب «الجيد» المعارض المرشحة الرئاسية السابقة، الاعتداء الذي وصفته بـ«الغاشم» واعتبرته اعتداء على حرية الصحافة والرأي والفكر.
وقال متين فيزي أوغلو، رئيس نقابة المحامين الأتراك، في بيان عقب الاعتداء، إن «هذا الاعتداء الغاشم دليل على تصاعد خطابات العنف والاستقطاب في البلاد، لقد آن الأوان لنقول جميعاً (كلنا بخير).. لا فائز من وراء العنف، فالجميع حتماً سيخسر، ولا سيما تركيا، وأقول لكل السياسيين استمعوا إلى الشعب، فنحن لا نريد عنفاً أو خطابات تحرض عليه».
وأعادت الحادثة إلى الأذهان، الاعتداء الذي تعرض له الصحافي التركي البارز أحمد هاكان في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 قبل الانتخابات البرلمانية المبكرة بشهر واحد، إذ تعرض للضرب المبرح على يد 4 أشخاص تتبعوه لدى خروجه من عمله في صحيفة «حرييت» حتى منزله، واعتدوا عليه في الشارع أمام عيون المارة، في حادث أثار استنكارا محليا ودوليا واسعا.
وكان هاكان أصيب بكسور في ذراعه وعدد من أضلعه وارتجاج في المخ. وقبل الحادث بأسبوعين، قال من خلال برنامجه على قناة «سي إن إن تورك» وفي مقال في صحيفة «حرييت»، إنه تعرض للتهديد بالقتل من صحافيين وموالين للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بسبب مقالاته التي ينتقد فيها سياسة حكومة العدالة والتنمية. وكشفت الصحيفة ذاتها أن الأمن التركي رفض تخصيص حماية لهاكان، رغم تقدمه بطلب بهذا الخصوص. وأشارت إلى أنه تبين من التحقيقات أن أحد المهاجمين الأربعة كان عضوا بالحزب الحاكم.
في سياق متصل، طالبت وزارة الخارجية الألمانية الحكومة التركية بالالتزام بميثاق الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، بعدما أفاد الصحافي الألماني من أصل تركي دنيز يوجال بالتعرض للتعذيب خلال فترة اعتقاله في تركيا حيث عمل مراسلا لصحيفة» دي فيلت» لأكثر من 20 عاما، وحمل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان شخصيا، في إفادة مكتوبة لإحدى المحاكم الألمانية أول من أمس، المسؤولية عن الانتهاكات والتعذيب الذي تعرض له في سجن سيليفري شديد الحراسة في غرب إسطنبول حيث سجن لمدة عام.
وطالبت الخارجية الألمانية الحكومة التركية بالالتزام بميثاق الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. وقالت متحدثة باسم الوزارة لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، دون التطرق على نحو محدد إلى الاتهامات: «ندين أي شكل من أشكال التعذيب وسوء المعاملة، فهي أمور خارجة عن نطاق القانون».
وطالبت الحكومة التركية على نحو حثيث «بالالتزام بالمعايير الدولية التي ألزمت نفسها بها»، والتي من بينها، إلى جانب الميثاق الأممي لمناهضة التعذيب، التزامات منظمة «مجلس أوروبا» لمنع التعذيب. وتركيا عضو في مجلس أوروبا الذي يضم 47 دولة، بينها ألمانيا.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...