كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

عملوا سعاة بريد وغاسلي صحون ومهندسين وأطباء

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة
TT

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

جعل الكثير من المبدعين من مهنهم بوابات للدخول إلى ميدان الإبداع، رغم أنها مهن قد تبدو غير ذات صلة بالكتابة، لكن أصحابها وجدوا فيها فسحة للتأمل والرؤية، كما فعل الراحل إبراهيم أصلان في مجموعته القصصية «وردية ليل» التي صور فيها مشاهداته خلال عمله لفترة بهيئة البريد كـ«بوسطجي»، وكذلك الأديب السوري زكريا تامر الذي تحوّل عمله في النجارة والحدادة لمشاهد حيّة ظهرت في أعماله.
هنا آراء بعض من خاضوا هذه التجربة حكوا عنها لـ«الشرق الأوسط» كيف حققوا ذلك، واستفادوا من مهنهم في فضاء الكتابة.
مهن القسوة
يستعير الشاعر السوري مروان علي عنوان ديوان للشاعر اللبناني بسام حجار «مهن القسوة»، متخذا منه متكأ لسرد حكايته مع المهن التي طافت به ما بين سائق وعتّال حبوب وغيرها الكثير، ويتذكر في حديثه قائلا: «خلال العطلة الصيفية في طفولتي، قرر أبي أن يبحث لي عن مهنة، عمي جميلو اقترح (ورشة الميكانيكا) عند صديقه الأرمني، أو لدى جدي نايفكو، وبعد أن تأمل جسدي الضعيف والمنهك، أكد أنه يستطيع تأمين عمل لي في مطعم دمشق مقر إقامته الدائمة. وكان والدي يفضل أن أعمل في مكتبة دار اللواء لصاحبها أنيس حنا مديواية حيث الثقافة والعلم والأخبار الطازجة الموجودة بين صفحات (السفير) و(المستقبل) و(الكفاح العربي) و(الهدف) و(الحرية)... وكنت أفضل أيضا العمل في المكتبة حيث أجمل بنات القامشلي.. ولم يقتصر عملي على ترتيب المجلات والصحف وتوزيعها على عدد من المشتركين من أصحاب المحلات في السوق بل تلبية طلبات بنات المكتبة. وفي الصف السابع وخلال عطلة الصيف، عملت في مطعم صغير قرب كراج الموصل في القامشلي، أغسل الصحون وأقشر الثوم وأمسح الطاولات. كان العمل متعبا جدا. وذات صباح قررت البقاء في سريري مستمتعا بالنوم. ثم عملت في مغسلة للملابس، وبائعاً متجولا للبندورة في شوارع قدور بك، وحين صادرت البلدية الميزان، رميت العربة في نهر الجغجغ في لحظة غضب ورجعت إلى كرصور، أمضيت الأسابيع الأخيرة من العطلة الصيفية في قراءة روايات أجاثا كريستي ونجيب محفوظ».
ويتابع صاحب «الطريق إلى البيت»: «في الصف العاشر عملت عتّالا في ورشة يشرف عليها (شرو بافي محمد) ولأنني لم أتحمل حزن العتالين الكرد الفقراء تركت الورشة رغم تهديدات شرور حيث كان يعاملني معاملة ابنه محمد الذي قتل بطعنة غادرة في ظهره، وفي الصف الحادي عشر، اشتريت دراجة نارية وكنت أنقل الركاب الذين يتأخرون في القامشلي إلى القرى المجاورة، في الليل أذهب مع أصدقائي أصحاب الدراجات إلى البدنة وهي منطقة أحراش تفصل بين القامشلي ونصيبين نسكر ونبكي على آهات إبراهيم تاتليسيس ومسلم غورسيز وفردي تيفور». وعن الحكمة التي خرج بها من تداول أيامه مع المهن يقول مروان: «تعلمت الشعر والحياة من العتالين وسائقي الدراجات وبائعي الخضار والعاطلين عن العمل في شوارع قدور بك وكرصور، أكثر مما تعلمت من الكتب، وظهر ذلك في كل ما كتبت».
دفاعا عن الأحلام
أما الكاتبة العراقية فاتن الصراف فقد دوّنت في كتابها «شجرة البمبر» لمحات من عملها في مجال الهندسة المعمارية، والذي جعلت منه مدخلا شخصيا يتسع لأحلام التحقق والمثابرة، عبر سيرة امتدت من طفولتها في البصرة، ومعاصرتها للحرب العراقية الإيرانية، وما تركته من أثر كبير على حياتها وما تبعها من قراراتها بسبب النزوح، ويومياتها كطالبة عمارة في بغداد ومسيرتها المهنية في العراق والتحديات التي واجهتها بسبب الحرب والحصار وصولاً إلى محطات مهمة في عملها في بلاد كأستراليا والإمارات العربية المتحدة.
تقول الصراف: «الكتاب كان رسالة للدفاع عن الأحلام، كتبت عن حلمي الخاص في أن أصبح مهندسة معمارية، تحدثت عن المصاعب التي واجهتني في هذه الدراسة والمهنة لكنها أيضا تنطبق على جميع المهن، وكذلك لأني اخترت جانبا من مهنة الهندسة تتردد النساء عادة في اختياره، وهو المقاولات الهندسية، نسمع كثيراً عن مهندسات ولكن قليلاً ما نسمع عن مقاول امرأة». وعما لمسته من تعلق طلبة العمارة بالجزء الخاص في الكتاب بيومياتها كطالبة هندسة، تقول: «هناك من تعلق بالجزء الخاص بعملي كمهندسة في مجال المقاولات، وهناك من تعلق بالفصول الأولى الخاصة بالحرب، وأتذكر أنه في أحد الأيام كنت في أستراليا وتأخرت الطائرة عن الإقلاع، كنت منزعجة وكتبت بوست على (فيسبوك) أعبر عن غضبي، أحدهم كتب لي تعليقا يطلب مني أن أقرأ الفصل الخاص بتعرض منزلي للقصف، قال لي عليكِ أن تتذكري هذه المصاعب وسوف تشعرين أن تأخر الطائرة أمر تافه لا يستحق الغضب. ثم قال لي: جربي ذلك دائماً لأني استخدم كتابك لهذا الغرض ودائماً ينجح الموضوع معي».
قتل الألم
في غرف العمليات يملك مخدر «البنج» زمام الأمور في العادة، آخذا من يسري في جسده إلى رحلة طويلة في اللاوعي، لكن الكاتب والقاص أحمد سمير سعد، وهو أيضا مدرس بقسم التخدير بكلية الطب بجامعة القاهرة وجد الكثير الذي يريد أن يسجله في كتابه «الإكسير... سحر البنج الذي نمزج»، ويقول عنه: «كل نشاط يعرفه البشر مهما ألزم نفسه بمعايير الخبرة والتجريب يحتوي على جانب إنساني، فما بالنا لو كان النشاط الذي نحن بصدده محاولة لقتل الألم والتخفيف عن المرضى في وقت يزداد الخوف فيه كثيرا وهم يسلمون أنفسهم طواعية لمبضع الجراح أملا في الشفاء.
الغريب أنني كنت أضع خطوات العمل في هذا الكتاب وأنا أستعد لاجتياز امتحانات الدكتوراه في التخدير.
على الهامش أكتب رؤوس المواضيع التي أود الحديث عنها، بعضها ربما قد اقترب من التقنية قليلا، لكن الهدف لم يكن التقنية أبدا بقدر ما كان تلك المساحات البينية ما بين التقنية والإنسان، لذا من يطالع الكتاب سيجد ذلك واضحا حتى في عناوين الفصول، مناقشة الوعي ومفهومه فلسفيا وطبيا وكذلك النوم والتخدير والغيبوبة في مس طريف وخفيف للأسطورة كأسطورة هيدز حاكم العالم الآخر وكذلك للتجارب الحديثة في هذا الشأن. ناهيك عن مناقشة تاريخ الممارسة نفسها والبدايات الأولى المدهشة. مناقشة الخطأ الطبي وفلسفة العقوبة والتشريع مستعينا بالقصة الشهيرة للفنانة سعاد نصر. مناقشة تأثير بعض العقاقير السحرية. صورة طبيب التخدير في المخيلة الشعبية وواقعية ذلك من عدمه. خبرتي الشخصية. وأخيرا مستقبل هذه الممارسة».
في مقدمة الكتاب استخدم سعد تعبير «معبد البنج»، وعنه يقول: «استخدمت هذا الوصف لأن كلمة معبد تستدعي غالبا مفهوم الكهانة والكهنة... هكذا يبدو التخدير سرّا يقوم عليه مجموعة من الكهنة وممارسة طقوسية لا يدري أغلب الناس عنها شيئا حتى أوسعهم ثقافة واطلاعا.
الغريب أن أطباء التخدير أنفسهم القائمين على الأمر وإن كانوا على دراية واسعة بالتقنية إلا أنهم يقفون أمام مفاهيم مثل الوعي وتغييبه واستحضاره بذات الطريقة التي يقف بها الكاهن أمام مفاهيم من نوع الروح والروحانية والقدر والعناية الإلهية... ما حاولته هو تسريب بعض أسرار هؤلاء الكهنة ومساعدة نفسي ومساعدة بعض الكهنة كذلك في مقاربة بعض هذه المفاهيم الصعبة والخفية دون وصول بالتأكيد لإجابات نهائية، ربما لا يمتلكها أحد لكن من أجل النظر إلى عمق الصورة على نحو أفضل».
ويخلص سعد، الحائز على جائزة الشارقة للإبداع العربي 2018 قائلا: «حقيقة كانت عملية كتابة هذا الكتاب ممتعة للغاية، ربما لم يحمل تحريرا من الضغط العصبي للعمل بالمعنى المباشر، ذلك لأن كل مريض جديد هو تحد جديد، يستدعي مشاعر الأمل والرجاء. إلا أنه يمكنني أن أقول إن هذا الكتاب كان تأملا أعمق بزاوية أوسع قليلا ومثل هذه التأملات تضخ في العروق الكثير من الطمأنينة والسلام والقبول - وأجرؤ على القول - والمزيد من الحكمة ربما».
تدوين نفسي
في كتابها «شيزلونج - مذكرات معالجة نفسية» نقلت الدكتورة وفاء شلبي اختصاصية العلاج النفسي مفردات عالمها إلى ساحة الكتابة، مؤكدة على أنه «لا يوجد ألم أعظم من ألم آخر». تقول شلبي: «كتبت هذا الكتاب ومن قبله كتابي الأول (أنا مريضة نفسيا) بسبب رغبتي في نقل عالم التوعية النفسية للقارئ دون استخدام مصطلحات معقدة وبلغة مبسطة، وقد لجأت في كتابي الأول إلى التدوين الشخصي واليوميات، خاصة أنني كنت أحرص على التدوين لهذه اليوميات، قبل أن أتجه للنشر الورقي للكتاب، أما الكتاب الثاني فهو أقرب لقالب الحكاية والقصة. وقد استفدت كثيرا من الكتابين، وأحس أن كتابة هذه التجربة، ساعدتني في الكشف عن أشياء، ربما لم أكن ألتفت إليها، تأتي في صدارتها العلاقة مع قارئ مفترض أو ضمني».
أثر المهنة
الروائية المصرية ضحى عاصي قالت في إحدى مناقشاتها لروايتها «القاهرة 104» إنه بحكم عملها كمرشدة سياحية لأكثر من عشرين عاما، لمست بشكل شخصي تعلق عدد كبير من الناس من كل العالم بالروحانيات التي ربما يبحثون عنها في المعابد المصرية القديمة، في مشهد غارق في الضعف والقوة في آن واحد، وهو المنحى الذي ألهمها كتابة شخصية «انشراح» بطلة روايتها، الغارقة في الإيمان بقوة الروحانيات، رغم أن البطلة ليست مرشدة سياحية مثلها، تقول ضحى عاصي: «المهنة التي يمارسها الإنسان هي جزء من تكوينه وعالمه، وبالضرورة تؤثر على مهارته وخبراته، والتي من دون أدنى شك تظهر في كتابته حتى لو لم يتطرق إلى مهنته وتفاصيلها بشكل مباشر، مثلا إذا كان الكاتب طبيبا هذا لا يعنى أنه سيصف حالات المرضى، ولكن خبرته في التعامل مع الإنسان في لحظات الضعف والألم حتما ستظهر في أعماله، عن نفسي لم أكتب بشكل مباشر عن مهنتي في الإرشاد السياحي والترجمة الفورية، فلم أكتب مثلا عن الحضارة المصرية القديمة بتنويعاتها، والتي قضيت عمري أشرحها وأحفظ كل رسم على جدران معابدها، ولكنى أعتقد أن معرفتي بهذا البعد الحضاري والتاريخي للشخصية المصرية يظهر حتى لو من دون قصد في رسم الشخصية الروائية بالإضافة إلى اتساع الجغرافيا والتاريخ فكل هذه التفاصيل المعرفية من المؤكد لها أثر ما في كتاباتي».



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.