كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

عملوا سعاة بريد وغاسلي صحون ومهندسين وأطباء

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة
TT

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

جعل الكثير من المبدعين من مهنهم بوابات للدخول إلى ميدان الإبداع، رغم أنها مهن قد تبدو غير ذات صلة بالكتابة، لكن أصحابها وجدوا فيها فسحة للتأمل والرؤية، كما فعل الراحل إبراهيم أصلان في مجموعته القصصية «وردية ليل» التي صور فيها مشاهداته خلال عمله لفترة بهيئة البريد كـ«بوسطجي»، وكذلك الأديب السوري زكريا تامر الذي تحوّل عمله في النجارة والحدادة لمشاهد حيّة ظهرت في أعماله.
هنا آراء بعض من خاضوا هذه التجربة حكوا عنها لـ«الشرق الأوسط» كيف حققوا ذلك، واستفادوا من مهنهم في فضاء الكتابة.
مهن القسوة
يستعير الشاعر السوري مروان علي عنوان ديوان للشاعر اللبناني بسام حجار «مهن القسوة»، متخذا منه متكأ لسرد حكايته مع المهن التي طافت به ما بين سائق وعتّال حبوب وغيرها الكثير، ويتذكر في حديثه قائلا: «خلال العطلة الصيفية في طفولتي، قرر أبي أن يبحث لي عن مهنة، عمي جميلو اقترح (ورشة الميكانيكا) عند صديقه الأرمني، أو لدى جدي نايفكو، وبعد أن تأمل جسدي الضعيف والمنهك، أكد أنه يستطيع تأمين عمل لي في مطعم دمشق مقر إقامته الدائمة. وكان والدي يفضل أن أعمل في مكتبة دار اللواء لصاحبها أنيس حنا مديواية حيث الثقافة والعلم والأخبار الطازجة الموجودة بين صفحات (السفير) و(المستقبل) و(الكفاح العربي) و(الهدف) و(الحرية)... وكنت أفضل أيضا العمل في المكتبة حيث أجمل بنات القامشلي.. ولم يقتصر عملي على ترتيب المجلات والصحف وتوزيعها على عدد من المشتركين من أصحاب المحلات في السوق بل تلبية طلبات بنات المكتبة. وفي الصف السابع وخلال عطلة الصيف، عملت في مطعم صغير قرب كراج الموصل في القامشلي، أغسل الصحون وأقشر الثوم وأمسح الطاولات. كان العمل متعبا جدا. وذات صباح قررت البقاء في سريري مستمتعا بالنوم. ثم عملت في مغسلة للملابس، وبائعاً متجولا للبندورة في شوارع قدور بك، وحين صادرت البلدية الميزان، رميت العربة في نهر الجغجغ في لحظة غضب ورجعت إلى كرصور، أمضيت الأسابيع الأخيرة من العطلة الصيفية في قراءة روايات أجاثا كريستي ونجيب محفوظ».
ويتابع صاحب «الطريق إلى البيت»: «في الصف العاشر عملت عتّالا في ورشة يشرف عليها (شرو بافي محمد) ولأنني لم أتحمل حزن العتالين الكرد الفقراء تركت الورشة رغم تهديدات شرور حيث كان يعاملني معاملة ابنه محمد الذي قتل بطعنة غادرة في ظهره، وفي الصف الحادي عشر، اشتريت دراجة نارية وكنت أنقل الركاب الذين يتأخرون في القامشلي إلى القرى المجاورة، في الليل أذهب مع أصدقائي أصحاب الدراجات إلى البدنة وهي منطقة أحراش تفصل بين القامشلي ونصيبين نسكر ونبكي على آهات إبراهيم تاتليسيس ومسلم غورسيز وفردي تيفور». وعن الحكمة التي خرج بها من تداول أيامه مع المهن يقول مروان: «تعلمت الشعر والحياة من العتالين وسائقي الدراجات وبائعي الخضار والعاطلين عن العمل في شوارع قدور بك وكرصور، أكثر مما تعلمت من الكتب، وظهر ذلك في كل ما كتبت».
دفاعا عن الأحلام
أما الكاتبة العراقية فاتن الصراف فقد دوّنت في كتابها «شجرة البمبر» لمحات من عملها في مجال الهندسة المعمارية، والذي جعلت منه مدخلا شخصيا يتسع لأحلام التحقق والمثابرة، عبر سيرة امتدت من طفولتها في البصرة، ومعاصرتها للحرب العراقية الإيرانية، وما تركته من أثر كبير على حياتها وما تبعها من قراراتها بسبب النزوح، ويومياتها كطالبة عمارة في بغداد ومسيرتها المهنية في العراق والتحديات التي واجهتها بسبب الحرب والحصار وصولاً إلى محطات مهمة في عملها في بلاد كأستراليا والإمارات العربية المتحدة.
تقول الصراف: «الكتاب كان رسالة للدفاع عن الأحلام، كتبت عن حلمي الخاص في أن أصبح مهندسة معمارية، تحدثت عن المصاعب التي واجهتني في هذه الدراسة والمهنة لكنها أيضا تنطبق على جميع المهن، وكذلك لأني اخترت جانبا من مهنة الهندسة تتردد النساء عادة في اختياره، وهو المقاولات الهندسية، نسمع كثيراً عن مهندسات ولكن قليلاً ما نسمع عن مقاول امرأة». وعما لمسته من تعلق طلبة العمارة بالجزء الخاص في الكتاب بيومياتها كطالبة هندسة، تقول: «هناك من تعلق بالجزء الخاص بعملي كمهندسة في مجال المقاولات، وهناك من تعلق بالفصول الأولى الخاصة بالحرب، وأتذكر أنه في أحد الأيام كنت في أستراليا وتأخرت الطائرة عن الإقلاع، كنت منزعجة وكتبت بوست على (فيسبوك) أعبر عن غضبي، أحدهم كتب لي تعليقا يطلب مني أن أقرأ الفصل الخاص بتعرض منزلي للقصف، قال لي عليكِ أن تتذكري هذه المصاعب وسوف تشعرين أن تأخر الطائرة أمر تافه لا يستحق الغضب. ثم قال لي: جربي ذلك دائماً لأني استخدم كتابك لهذا الغرض ودائماً ينجح الموضوع معي».
قتل الألم
في غرف العمليات يملك مخدر «البنج» زمام الأمور في العادة، آخذا من يسري في جسده إلى رحلة طويلة في اللاوعي، لكن الكاتب والقاص أحمد سمير سعد، وهو أيضا مدرس بقسم التخدير بكلية الطب بجامعة القاهرة وجد الكثير الذي يريد أن يسجله في كتابه «الإكسير... سحر البنج الذي نمزج»، ويقول عنه: «كل نشاط يعرفه البشر مهما ألزم نفسه بمعايير الخبرة والتجريب يحتوي على جانب إنساني، فما بالنا لو كان النشاط الذي نحن بصدده محاولة لقتل الألم والتخفيف عن المرضى في وقت يزداد الخوف فيه كثيرا وهم يسلمون أنفسهم طواعية لمبضع الجراح أملا في الشفاء.
الغريب أنني كنت أضع خطوات العمل في هذا الكتاب وأنا أستعد لاجتياز امتحانات الدكتوراه في التخدير.
على الهامش أكتب رؤوس المواضيع التي أود الحديث عنها، بعضها ربما قد اقترب من التقنية قليلا، لكن الهدف لم يكن التقنية أبدا بقدر ما كان تلك المساحات البينية ما بين التقنية والإنسان، لذا من يطالع الكتاب سيجد ذلك واضحا حتى في عناوين الفصول، مناقشة الوعي ومفهومه فلسفيا وطبيا وكذلك النوم والتخدير والغيبوبة في مس طريف وخفيف للأسطورة كأسطورة هيدز حاكم العالم الآخر وكذلك للتجارب الحديثة في هذا الشأن. ناهيك عن مناقشة تاريخ الممارسة نفسها والبدايات الأولى المدهشة. مناقشة الخطأ الطبي وفلسفة العقوبة والتشريع مستعينا بالقصة الشهيرة للفنانة سعاد نصر. مناقشة تأثير بعض العقاقير السحرية. صورة طبيب التخدير في المخيلة الشعبية وواقعية ذلك من عدمه. خبرتي الشخصية. وأخيرا مستقبل هذه الممارسة».
في مقدمة الكتاب استخدم سعد تعبير «معبد البنج»، وعنه يقول: «استخدمت هذا الوصف لأن كلمة معبد تستدعي غالبا مفهوم الكهانة والكهنة... هكذا يبدو التخدير سرّا يقوم عليه مجموعة من الكهنة وممارسة طقوسية لا يدري أغلب الناس عنها شيئا حتى أوسعهم ثقافة واطلاعا.
الغريب أن أطباء التخدير أنفسهم القائمين على الأمر وإن كانوا على دراية واسعة بالتقنية إلا أنهم يقفون أمام مفاهيم مثل الوعي وتغييبه واستحضاره بذات الطريقة التي يقف بها الكاهن أمام مفاهيم من نوع الروح والروحانية والقدر والعناية الإلهية... ما حاولته هو تسريب بعض أسرار هؤلاء الكهنة ومساعدة نفسي ومساعدة بعض الكهنة كذلك في مقاربة بعض هذه المفاهيم الصعبة والخفية دون وصول بالتأكيد لإجابات نهائية، ربما لا يمتلكها أحد لكن من أجل النظر إلى عمق الصورة على نحو أفضل».
ويخلص سعد، الحائز على جائزة الشارقة للإبداع العربي 2018 قائلا: «حقيقة كانت عملية كتابة هذا الكتاب ممتعة للغاية، ربما لم يحمل تحريرا من الضغط العصبي للعمل بالمعنى المباشر، ذلك لأن كل مريض جديد هو تحد جديد، يستدعي مشاعر الأمل والرجاء. إلا أنه يمكنني أن أقول إن هذا الكتاب كان تأملا أعمق بزاوية أوسع قليلا ومثل هذه التأملات تضخ في العروق الكثير من الطمأنينة والسلام والقبول - وأجرؤ على القول - والمزيد من الحكمة ربما».
تدوين نفسي
في كتابها «شيزلونج - مذكرات معالجة نفسية» نقلت الدكتورة وفاء شلبي اختصاصية العلاج النفسي مفردات عالمها إلى ساحة الكتابة، مؤكدة على أنه «لا يوجد ألم أعظم من ألم آخر». تقول شلبي: «كتبت هذا الكتاب ومن قبله كتابي الأول (أنا مريضة نفسيا) بسبب رغبتي في نقل عالم التوعية النفسية للقارئ دون استخدام مصطلحات معقدة وبلغة مبسطة، وقد لجأت في كتابي الأول إلى التدوين الشخصي واليوميات، خاصة أنني كنت أحرص على التدوين لهذه اليوميات، قبل أن أتجه للنشر الورقي للكتاب، أما الكتاب الثاني فهو أقرب لقالب الحكاية والقصة. وقد استفدت كثيرا من الكتابين، وأحس أن كتابة هذه التجربة، ساعدتني في الكشف عن أشياء، ربما لم أكن ألتفت إليها، تأتي في صدارتها العلاقة مع قارئ مفترض أو ضمني».
أثر المهنة
الروائية المصرية ضحى عاصي قالت في إحدى مناقشاتها لروايتها «القاهرة 104» إنه بحكم عملها كمرشدة سياحية لأكثر من عشرين عاما، لمست بشكل شخصي تعلق عدد كبير من الناس من كل العالم بالروحانيات التي ربما يبحثون عنها في المعابد المصرية القديمة، في مشهد غارق في الضعف والقوة في آن واحد، وهو المنحى الذي ألهمها كتابة شخصية «انشراح» بطلة روايتها، الغارقة في الإيمان بقوة الروحانيات، رغم أن البطلة ليست مرشدة سياحية مثلها، تقول ضحى عاصي: «المهنة التي يمارسها الإنسان هي جزء من تكوينه وعالمه، وبالضرورة تؤثر على مهارته وخبراته، والتي من دون أدنى شك تظهر في كتابته حتى لو لم يتطرق إلى مهنته وتفاصيلها بشكل مباشر، مثلا إذا كان الكاتب طبيبا هذا لا يعنى أنه سيصف حالات المرضى، ولكن خبرته في التعامل مع الإنسان في لحظات الضعف والألم حتما ستظهر في أعماله، عن نفسي لم أكتب بشكل مباشر عن مهنتي في الإرشاد السياحي والترجمة الفورية، فلم أكتب مثلا عن الحضارة المصرية القديمة بتنويعاتها، والتي قضيت عمري أشرحها وأحفظ كل رسم على جدران معابدها، ولكنى أعتقد أن معرفتي بهذا البعد الحضاري والتاريخي للشخصية المصرية يظهر حتى لو من دون قصد في رسم الشخصية الروائية بالإضافة إلى اتساع الجغرافيا والتاريخ فكل هذه التفاصيل المعرفية من المؤكد لها أثر ما في كتاباتي».



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.