تشهد الجامعة الصيفية للحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم نهاية هذا الأسبوع عملية تصفية حسابات حادة، بعد المنعطف الاجتماعي الليبرالي الذي أعلنه رئيس الوزراء مانويل فالس الذي سيكون له تأثير أيضا على استراتيجية المعارضة اليمينية المنقسمة أكثر من أي وقت مضى.
ونادرا ما شهدت فرنسا في العقود الأخيرة تزامن عوامل قد تتسبب في أزمة سياسية كبيرة، حيث تشهد البلاد انهيارا لشعبية السلطة التنفيذية، وتشتتا للأغلبية البرلمانية، وعدم جهوزية المعارضة لتكون بديلا محتملا، وكذا صعود اليمين المتطرف في أجواء من الركود الاقتصادي المستمر.
وافتتحت الجامعة الصيفية التقليدية للحزب الاشتراكي، التي تختتم أشغالها اليوم، بخطاب ألقاه مانويل فالس، في لاروشيل (غرب) في أجواء متوترة جدا، ووسط ضغط الجناح اليساري للحزب.
وقد أثار حضور وزيرة العدل كريستيان توبيرا أمس اجتماعا للاشتراكيين «المحتجين» على مسافة قصيرة من القاعة التي تنعقد فيها الجامعة الصيفية للحزب الاشتراكي، ضجة كبيرة، لكنها صرحت للصحافة: «يمكننا الإصغاء للنقاش، ما المشكلة في ذلك؟». ودعا المحتجون أمام نحو 400 شخص، إلى وضع «خطة عاجلة تشمل تعزيز القدرة الشرائية».
وقد عد الجناح اليساري للحزب تعيين الصيرفي السابق إيمانويل ماركون وزيرا للاقتصاد «استفزازا». وزاد في حدة غضبهم الحفاوة والتصفيق اللذان لاقاهما مانويل فالس في الجامعة الصيفية لرجال الأعمال بعد إلقائه خطابا بنبرة ليبرالية غير معهودة لدى زعيم اشتراكي فرنسي، إذ أعرب في كلمته أمام رجال الأعمال عن «تعلقه» بالشركات الخاصة، ورأى أنه من «العبث» وصف تخفيف الضرائب عن الشركات بأنه «هدايا لرجال الأعمال»، بينما تأمل الحكومة إنعاش الاقتصاد في ظل استمرار ركود النمو وارتفاع نسبة البطالة.
وأعرب النائب الاشتراكي لوران بوميل عن استيائه قائلا إن خطاب فالس «نسخة» من خطابات رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، عادًّا أن ذلك يشكل قطيعة «آيديولوجية» مع «كل ما كنا نؤمن به في اليسار منذ عقود».
من جهته، أقر السكرتير الأول للحزب الاشتراكي جان كريستوف كمباديليس بأن الحكومة باتت «معزولة» بعد أن انفصل عنها المدافعون عن البيئة والمحتجون على الخط الاقتصادي، لكنه أكد على أعضاء الحزب ضرورة عدم تخطي الحدود، وقال: «أنا أضمن لكم النقاشات لكن لن أقبل أن يكون هدفها الإطاحة بالحكومة».
وفي الواقع تبدو فرضية رفض النواب «المحتجين» (نحو 40) التصويت على الثقة لمانويل فالس في سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول) غير مرجحة، إذ قال المحلل السياسي فيليب برو إنه إذا أصبحت الحكومة حكومة أقلية برلمانية فإن حل الجمعية سيكون «لا مفر منه». وأضاف أن تنظيم انتخابات في مرحلة تدنت فيها شعبية الحكومة إلى أقصى حد وتستفيد فيها الجبهة الوطنية (يمين متطرف)، بزعامة مارين لوبن، من أكبر قدر من استياء الطبقات الشعبية، «ستأتي بهزيمة كارثية للاشتراكيين». ورأى برو أن «مجازفة مانويل فالس بالنهاية كانت محسوبة نسبيا»، مضيفا أنه «لعب آخر أوراقه. لكن إذا نجحت إصلاحاته في نهاية المطاف فسيكون قد حمل اليسار على القيام بثورة ثقافية».
وحسب بعض المراقبين فإن إتاحة المزيد من الوقت هو ما يرجوه «الاتحاد من أجل حركة شعبية»، أكبر أحزاب اليمين الذي ما زال يتخبط فيما ورثه من الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي فوجئ الآن بالمنعطف الليبرالي للحكومة الذي يسقط قسما مهما من حججه. وقد أعرب عدد من أبرز قياديي الحزب، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق فرنسوا فيون، ووزير الخارجية السابق ألان جوبيه، عن نيتهم الترشح في الانتخابات التمهيدية التي تعين المرشح إلى الانتخابات الرئاسية المقررة في 2017.
ونأى الخصمان بنفسيهما عن الاتجاه اليميني المبالغ فيه الذي هيمن على الحملة الانتخابية في 2012، والذي أدى إلى هزيمة ساركوزي أمام فرنسوا هولاند، لكنه ما زال يتمتع بأنصار داخل الاتحاد من أجل حركة شعبية. ولم يخف ساركوزي نيته في الثأر لنفسه في 2017، والتلميح إلى أنه سيحاول تولي رئاسة الاتحاد من أجل حركة شعبية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ونظرا لشعبيته بين الناشطين فإن «فرصه ستكون قوية ما عدا إذا تعرض إلى مشكلة قضائية»، كما يرى فيليب برو.
ونيكولا ساركوزي متورط في عدة ملفات قضائية، وقد أدى تدقيق حسابات حملته الانتخابية في 2012 الذي كشف وجود فواتير مزدوجة، إلى استقالة رئيس الحزب جان فرنسوا كوبيه في يونيو (حزيران) الماضي.
الصراع داخل الحزب الاشتراكي الحاكم يطغى على المشهد السياسي في فرنسا
تزامن مع صعود اليمين المتطرف وأجواء الركود الاقتصادي المستمر
الوزيرة نجاة بلقاسم في حديث مع وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث بينوا هامون خلال حضورهما فعاليات الجامعة الصيفية للحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم في لاروشيل أمس (أ.ف.ب)
الصراع داخل الحزب الاشتراكي الحاكم يطغى على المشهد السياسي في فرنسا
الوزيرة نجاة بلقاسم في حديث مع وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث بينوا هامون خلال حضورهما فعاليات الجامعة الصيفية للحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم في لاروشيل أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

