«داعش» يروج للقتال عبر التغرير بصغار السن

تحرك سعودي لتضييق الخناق على المغرر بهم

عناصر من تنظيم {داعش} أثناء عرض عسكري في أحد شوارع محافظة الرقة أمس (رويترز)
عناصر من تنظيم {داعش} أثناء عرض عسكري في أحد شوارع محافظة الرقة أمس (رويترز)
TT

«داعش» يروج للقتال عبر التغرير بصغار السن

عناصر من تنظيم {داعش} أثناء عرض عسكري في أحد شوارع محافظة الرقة أمس (رويترز)
عناصر من تنظيم {داعش} أثناء عرض عسكري في أحد شوارع محافظة الرقة أمس (رويترز)

جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين، بداية الشهر الحالي، ضد الخطر المقبل من الجماعات الإرهابية، خاصة ما تقوم به جماعة «داعش»، لتكشف زيف ما تقوم به تلك الجماعات، التي تقود عمليات إجرامية وقودها الشباب وأبناء الدول الإسلامية، وبدأت الجهات الحكومية في السعودية تضييق الخناق على الخلايا التي تقوم بتجنيد الشباب السعودي، والتغرير بهم للذهاب إلى مناطق الصراع.
وشدد خبراء مختصون في شؤون الجماعات المسلحة، على محاسبة من يروج للانخراط في تلك الجماعات، والتغرير بالشباب، حيث قالوا في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن مروجي تلك الأفكار يسعون لإطلاق شعارات دينية تحمل العاطفة بين ثناياها لتسويق «الجهاد» بين الشباب، وإطلاق الفتاوى التي تبيح المشاركة في القتال مع التنظيمات الإرهابية، وتسهيل إجراءات سفر هؤلاء الشباب إلى تلك المناطق.
وقال إبراهيم المطلق، رئيس قسم الدراسات الإسلامية المعاصرة، عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للدعوة والحسبة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: «إن الجماعات المسلحة، لا تزال تركز في تجنيدها على صغار السن، كون أن تلك المرحلة السنية الصغيرة قابلة للتكييف، وتتقبل أفكار التغرير، عبر أساليب الغلو والتطرف».
وبيّن المطلق أن من الأمور التي تغرر بها تلك الفئات السنية الرفض التام للاستجابة إلى كل الأطراف التي تقوم بالمناصحة، كما أنه يجري التطرق إلى وسائل الإعلام التي تقوم بالتحذير من خطر الانخراط في الجماعات المسلحة، فضلا عن تحذيرهم من الاستماع إلى العلماء المخلصين، والترويج لهم بأنهم علماء سلطة أو نحوه، وفرض تصنيفات عليهم مغلوطة وغير شرعية.
وحول أسباب تغرير الجماعات المسلحة بصغار السن، أوضح عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود، أن تلك التنظيمات تتعاهد حديثي السن، على أن يجري تلقينهم العلوم الفكرية المتطرفة كافة، واستخدام أساليب الغلو، مستشهدا بعدد من المنضمين للجماعات المسلحة الذين جعلوا قيمة أحد منظري الفكر التكفيري أكثر من قيمة آبائهم.
وعرج إبراهيم المطلق بأن من بين التكتيكات الحديثة التي تلعب عليها التنظيمات الإرهابية، استهداف القرى والمحافظات النائية، مستدركا بأن هذا التكتيك سبق أن فضحته الأجهزة الأمنية، ولا تزال سلطات الأمن توجه الضربات الاستباقية لهذا الملف.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد المشوح، عضو اللجنة الوطنية للمحامين، والمستشار القضائي، أن كلمة خادم الحرمين الشريفين لم تأتِ من فراغ مطلقا، إذ حذرت مما يُحاك للبلاد من مخاطر الجماعات المسلحة، الأمر الذي أصبح لا يمكن السكوت عليه، والتغاضي عنه، وتضمنت الكلمة توجيه خطاب للعلماء وطلبة العلم وأئمة المساجد بالتأكيد على أن الشباب يُغرّر بهم، ويُدفعون إلى منزلقات خطرة.
وأفاد المشوح بأن تلك المنظمات تسعى إلى الإيقاع بهم في حقل تلك الجماعات المسلحة، واستغلال العواطف الدينية الجياشة، خصوصا من يحمل العلم القليل، أو الشباب الذين لا يحملون الوعي المطلق، والتقيد بقواعد الشريعة الإسلامية.
وأضاف أن على العلماء واجبا كبيرا نظرا لأنه يمثل الجانب الصحيح في معالجة ما يُطرح على المغرر بهم من شُبَه والتغرير بهم، وإلقاء دعوات الخروج إلى الجهاد من دون ولي الأمر، في حين أناط بهؤلاء العلماء أن يعالجوا شبهات دعوات التغرير.
وشدد المشوح على أن تلك الجماعات المسلحة المتطرفة، تسعى إلى صرف الأمة عن قضاياها الرئيسة المهمة، وأنها شوهت صورة الإسلام وحقيقته، موضحا أن جماعة «داعش» تمثل أكبر خطر على الإسلام، كونها تمارس انحرافا بالأفكار الضالة، وتعيش في ظلال دامس للانحراف العقدي والأخلاقي والقيمي، وأنها عاودت تكرار فكرة قيام الدولة الإسلامية المزعوم، الذي مارسته في أوقات سابقة عناصر تنظيم القاعدة.
ولفت المستشار القضائي إلى أن تلك الجماعات المتطرفة تبحث عن أساليب حديثة لتنفيذ أجنداتها، مؤكدا على أهمية دور المواطن الأمني.
أمام ذلك، أوضح محمد الجذلاني، وهو المحامي والقاضي السابق، أن الجماعات المسلحة روجت للقتال عبر زرع مصطلحات غربية، مثل حقوق الإنسان، بهدف ممارسة ضغوط واهية، والتغرير بالشباب، مشيرا إلى أن بعضا من يدانون في قضايا إرهابية كانت تركيبتهم قابلة للتضليل.
ودعا القاضي السابق إلى إعادة بعض الفتاوى التي يستند عليها من ينخرط في صفوف الجماعات المسلحة، التي ظهر عدم صحتها، وأنها جاءت بهدف التغرير بهم، مضيفا: «من المعلوم أن صدور نظام مكافحة الإرهاب في السعودية جاء في أعقاب حرب شرسة خاضتها الدولة ضد هذا الاستهداف الواضح لأرواح الناس وأمنهم وممتلكاتهم، ولأمن الوطن واستقراره، وأن الجدل يتجدد دائما حول هذا الموضوع كلما قامت إحدى الدول بسن أنظمة وتشريعات للتعامل مع جرائم الإرهاب، إذ غالبا ما يُوجّه الانتقاد إلى بعض تفاصيل هذه الأنظمة، واستنكار ما فيها من اختلاف عن أنظمة الإجراءات الجزائية في الظروف العادية».
وتأتي تلك الدعوات بالتزامن مع كلمة خادم الحرمين الشريفين، التي وجهها إلى عدد من السفراء، وأكد فيها أنه لا حدود للإرهاب، وأنه قد يطال دولا خارج حدود منطقة الشرق الأوسط، وبيّن في الكلمة التي ألقاها الجمعة الماضي: «أطلب منكم نقل هذه الرسالة إلى زعمائكم، وهي أنه ما يخفى عليكم الإرهاب في هذا الوقت، ولا بد من محاربة هذا الشرير بالقوة والعقل والسرعة».
وأضاف: «أرجو من أصدقائي السفراء أن ينقلوا هذه الأمانة حرفيا لزعمائهم؛ لأن هذا الإرهاب ليس له إلا السرعة والإمكانية، وأنا شفت أن أغلبكم ما تكلم عنهم إلى الآن، وهذا لا يجوز أبدا أبدا في حقوق الإنسانية؛ لأن هؤلاء لا يعرفون اسم الإنسانية، وأنتم تشاهدونهم قطعوا الرؤوس ومسكوها الأطفال يمشون بها في الشارع. هل هذه ليست من القساوة والخشونة، والخلاف لقول الرب عز وجل».
وتابع: «لو يقتل شخص في أقصى العالم ما يقبل الرب - عز وجل - وكأنما قتل العالم كله، فما بالكم بهؤلاء يقتلون ليلا ونهارا حتى فيهم، ولا بد أنه لا يخفى عليكم ما عملوه وسيعملونه، وإذا أهملوا، أنا متأكد بعد شهر سيصلون إلى أوروبا وبعد شهر ثانٍ إلى أميركا».
وكان خادم الحرمين الشريفين، قد وجه أيضا في الأول من شهر أغسطس (آب) كلمة للأمتين الإسلامية والعربية والمجتمع الدولي، تطرق فيها إلى فتنة وجدت لها أرضا خصبة في عالمينا العربي والإسلامي، وسهل لها المغرضون الحاقدون على أمتنا كل أمر، حتى توهمت بأنه اشتد عودها، وقويت شوكتها، فأخذت تعيث في الأرض إرهابا وفسادا، وأوغلت في الباطل كاتمة ومتجاهلة لقول المقتدر الجبار: «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق».
وأضاف حينها: «من المعيب والعار أن هؤلاء الإرهابيين يفعلون ذلك باسم الدين، فيقتلون النفس التي حرم الله قتلها، ويمثلون بها، ويتباهون بنشرها، كل ذلك باسم الدين، والدين منهم براء، فشوهوا صورة الإسلام بنقائه وصفائه وإنسانيته، وألصقوا به كل أنواع الصفات السيئة بأفعالهم، وطغيانهم، وإجرامهم، فأصبح كل من لا يعرف الإسلام على حقيقته يظن أن ما يصدر من هؤلاء الخونة يعبر عن رسالة النبي الكريم».
وتضمنت الكلمة دعوة قادة وعلماء الأمة الإسلامية لأداء واجبهم تجاه الحق (جل جلاله)، وأن يقفوا في وجه من يحاولون اختطاف الإسلام وتقديمه للعالم بأنه دين التطرف، والكراهية، والإرهاب، وأن يقولوا كلمة الحق، وألا يخشوا في الحق لومة لائم.. «فأمتنا تمر اليوم بمرحلة تاريخية حرجة، وسيكون التاريخ شاهدا على من كانوا الأداة التي استغلها الأعداء لتفريق وتمزيق الأمة، وتشويه صورة الإسلام النقية».
وزاد: «إلى جانب هذا كله نرى دماء أشقائنا في فلسطين تُسفك في مجازر جماعية، لم تستثنِ أحدا، وجرائم حرب ضد الإنسانية دون وازع إنساني أو أخلاقي، حتى أصبح للإرهاب أشكال مختلفة، سواء كان من جماعات أو منظمات أو دول، وهي الأخطر، بإمكانياتها ونواياها ومكائدها، كل ذلك يحدث تحت سمع وبصر المجتمع الدولي بكل مؤسساته ومنظماته، بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان، هذا المجتمع الذي لزم الصمت مراقبا ما يحدث في المنطقة بأسرها، غير مكترث بما يجري، وكأنما ما يحدث أمر لا يعنيه، هذا الصمت الذي ليس له أي تبرير، غير مدركين بأن ذلك سيؤدي إلى خروج جيل لا يؤمن بغير العنف، رافضا السلام، ومؤمنا بصراع الحضارات لا بحوارها».



الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended