كيف استغل جواسيس صينيون أدوات أمنية أميركية في القرصنة؟

حصلوا عليها بعد هجمة سيبرانية ضدهم واستخدموها ضد حلفاء واشنطن

خوادم شركة «سيمانتيك» في كاليفورنيا (نيويورك تايمز)
خوادم شركة «سيمانتيك» في كاليفورنيا (نيويورك تايمز)
TT

كيف استغل جواسيس صينيون أدوات أمنية أميركية في القرصنة؟

خوادم شركة «سيمانتيك» في كاليفورنيا (نيويورك تايمز)
خوادم شركة «سيمانتيك» في كاليفورنيا (نيويورك تايمز)

تمكن عملاء الاستخبارات الصينية من الحصول على أدوات القرصنة الخاصة بوكالة الأمن القومي الأميركية وأعادوا توظيفها في شن الهجوم على حلفاء الولايات المتحدة والشركات الخاصة في أوروبا وآسيا عام 2016، وفق ما اكتشفت إحدى الشركات الرائدة في مجال الأمن السيبراني مؤخراً. وتعد هذه الحلقة الأخيرة في سلسلة الأدلة التي تفيد بفقدان الولايات المتحدة السيطرة الكاملة على أجزاء رئيسية من ترسانة الأمن السيبراني الخاصة بها.
واستناداً إلى توقيت الهجمات الصينية، والأدلة الواردة في شفرات الحواسيب، يعتقد الباحثون في شركة «سيمانتيك» أن الصينيين لم يسرقوا الشفرات وإنما حصلوا عليها من هجمة شنتها وكالة الأمن القومي الأميركية على حواسيبهم، تماماً مثل مطلق الرصاص الذي يأخذ بندقية العدو ويبدأ في إطلاق النار في الاتجاهات كافة.
ويعكس التصرف الصيني مدى انتشار الصراع السيبراني، وما يخلقه من بيئة متوحشة لا تحكمها القواعد ويشيع فيها عدم اليقين، كما يعكس أيضا الصعوبة التي تجدها الولايات المتحدة في متابعة وتعقب البرمجيات الخبيثة التي تستخدمها في اختراق الشبكات الأجنبية وشن الهجمات على البنى التحتية لشبكات الخصوم.
وأثارت الخسائر نقاشاً حاداً داخل مجتمع الاستخبارات الأميركي، حول ما إذا كان حرياً بالولايات المتحدة مواصلة تطوير أسلحة سيبرانية ذات التقنية العالية والسرية الكبيرة في الوقت الذي تفقد فيه القدرة على الاحتفاظ بتلك القدرات قيد الرقابة والسرية المطلقة.
وتعتبر وكالة الأمن القومي الأميركية مجموعة القراصنة الصينيين التي سطت على أدوات القرصنة الأميركية «المجموعة الأكثر خطورة»، وفق مذكرة سرية جرى تعميمها داخل أروقة الوكالة وتمكنت صحيفة «نيويورك تايمز» من الاطلاع عليها. وتعد هذه المجموعة من مقاولي الاختراق السيبراني الصينيين مسؤولة عن شن الكثير من الهجمات على بعض من أكثر الأهداف الدفاعية حساسية داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك برامج الفضاء، والأقمار الصناعية، وتكنولوجيا الدفع النووي المتقدمة.
وتشير النتائج التي توصلت إليها شركة «سيمانتيك»، التي أميط اللثام عنها أول من أمس، أن القراصنة الصينيين أنفسهم الذين تعقّبت الوكالة الأميركية آثارهم لما يربو على عقد من الزمان، قد قلبوا الطاولة في وجه الوكالة مؤخراً.
ووجدت بعض الأدوات التابعة لوكالة الأمن القومي الأميركية، من التي حصل عليها القراصنة الصينيون، طريقها على شبكة الإنترنت بواسطة مجموعة مجهولة حتى الآن، تُطلق على نفسها مسمى «وسطاء الظل». وهي نفسها التي تستخدمها روسيا وكوريا الشمالية في شن هجمات إلكترونية مدمرة على نطاق عالمي، رغم عدم وجود صلة مؤكدة تربط بين الاستحواذ الصيني على أدوات الوكالة الأميركية وأنشطة مجموعة «وسطاء الظل».
غير أن النتائج التي توصلت إليها شركة «سيمانتيك» تقدم أولى الأدلة على أن القراصنة الصينيين الموالين للحكومة في بكين قد حازوا على بعض تلك الأدوات قبل شهور من أول ظهور مسجل لمجموعة «وسطاء الظل» على شبكة الإنترنت في أغسطس (آب) من عام 2016.
ومما تكرر ذكره غير مرة عبر العقد الماضي، أن وكالات الاستخبارات الأميركية يملكون أدواتهم الخاصة بعمليات القرصنة والاختراق والتفاصيل المعنية ببرامج الأمن السيبراني فائقة السرية التي بدأت تظهر في أيدي بعض البلدان الأخرى أو بعض المجموعات الإجرامية.
وكانت وكالة الأمن القومي الأميركية قد استخدمت برمجيات خبيثة عالية التطور في تدمير أجهزة الطرد المركزية النووية الإيرانية، ثم فوجئت بالشفرات نفسها يشيع استخدامها في غير مكان حول العالم وتُلحق الأضرار بالأهداف العشوائية هنا وهناك، بما في ذلك الشركات الأميركية العملاقة من شاكلة «شيفرون» على سبيل المثال. وتمكن إدوارد سنودن، المقاول الأميركي الأسبق لدى وكالة الأمن القومي الأميركية الذي يقطن منفاه حاليا في موسكو، من إبلاغ الصحافيين عن التفاصيل السرية لبرامج الأمن السيبراني الأميركية. كما نشر موقع «ويكيليكس» حفنة من الأسلحة السيبرانية الخاصة بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي تزعم الوكالة أنها قد سُربت على أيدي أحد موظفي الوكالة.
وقال إريك تشين، مدير الشؤون الأمنية في شركة «سيمانتيك»: «علمنا أنه لا يمكن ضمان عدم تسرب أدواتك وإعادة استخدامها ضدك وضد حلفائك فيما بعد». «والآن، ومع تسرب الأسلحة السيبرانية للدولة، وتعرضها للقرصنة، وإعادة توظيفها في شن الهجمات من قبل خصوم الولايات المتحدة»، كما يقول السيد تشين، «حان الوقت للدول لإدراج هذه المعلومات ضمن تحليلاتهم لمخاطر استخدام الأسلحة السيبرانية، والاحتمال الحقيقي من إعادة توجيه هذه الأسلحة وإطلاقها في وجه الولايات المتحدة نفسها أو في وجه حلفائها».
وفي السيناريو الأخير، يفتقر الباحثون لدى شركة «سيمانتيك» للمعلومات المؤكدة بشأن كيفية حصول القراصنة الصينيين على الشفرات الأميركية المتطورة. ولكنهم يعلمون أن مقاولي الاستخبارات الصينية استخدموا الأدوات الأميركية المُعاد توظيفها في تنفيذ عمليات الاختراق السيبراني ضد 5 بلدان على الأقل، وهي: بلجيكا، ولوكسمبورغ، وفيتنام، والفلبين، وهونغ كونغ. وشملت الأهداف المؤسسات البحثية، والمؤسسات التعليمية، وشبكات الحواسيب لحكومة حليفة للولايات المتحدة الأميركية.
ومن شأن هجمة واحدة على شبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية أن تتيح لضباط الاستخبارات الصينية منفذ الوصول إلى مئات الآلاف أو الملايين من الاتصالات الخاصة، وفق ما كشفته نتائج شركة «سيمانتيك».
ولم تأتِ شركة «سيمانتيك» على ذكر الصين تحديدا في بحثها المذكور. عوضا عن ذلك، عرفت المهاجمين بأنهم «مجموعة بوكآي»، وهو المسمى الخاص بشركة «سيمانتيك» في توصيف القراصنة الذي اعتبرته وزارة العدل الأميركية وغيرها من شركات الأمن السيبراني مرادفا لأحد المقاولين التابعين لوزارة أمن الدولة الصينية الذي يعمل انطلاقا من مدينة غوانزو.
ونظرا لطبيعة عمل شركات الأمن السيبراني على الصعيد العالمي، فإنهم يطلقون مسمياتهم الخاصة في أغلب الأحيان على الوكالات التابعة للاستخبارات الحكومية تفادياً لإثارة حفيظة أي حكومة بعينها. وتشير شركة «سيمانتيك»، وغيرها من شركات الأمن السيبراني، إلى قراصنة وكالة الأمن القومي الأميركية باسم «مجموعة إكويشن». ويشار إلى «مجموعة بوكآي» أيضا بمسمى «إيه بي تي 3»، وتعني «التهديدات المتقدمة المستمرة»، وغير ذلك من المسميات المستخدمة في هذا المجال.
وفي عام 2017، أعلنت وزارة العدل الأميركية عن لائحة اتهام موجّهة ضد ثلاثة قراصنة صينيين من أعضاء المجموعة التي تسميها شركة «سيمانتيك» «مجموعة بوكآي». وفي حين أن الادعاء العام الأميركي لم يؤكد على أن القراصنة الثلاثة كانوا يعملون بالنيابة عن الحكومة الصينية، إلا أن الباحثين المستقلين ومذكرة وكالة الأمن القومي السرية، التي اطّلعت صحيفة «نيويورك تايمز» عليها، أوضحت أن تلك المجموعة كانت على اتصال مباشر مع وزارة أمن الدولة الصينية، وأنّها نفذت الهجمات السيبرانية المعقدة على الولايات المتحدة، وفق الأوامر الصادرة من هناك.
وفي تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأميركية الأسبوع الماضي بشأن المنافسة العسكرية الصينية، تُوصف بكين بأنها اللاعب الأكثر مهارة وثباتا بين آخرين فيما يتعلق بالعمليات السيبرانية ذات الطبيعة العسكرية والاستخبارية والتجارية، وهي تواصل سعيها الحثيث لتقويض التقدم الجوهري المحرز أميركياً على الصعيد العملياتي والتكنولوجي.
وفي هذه الحالة، يبدو أن الجانب الصيني قد تمكّن من رصد الاختراقات السيبرانية للولايات المتحدة، وتمكنوا من سرقة الشيفرات، التي يجري تطويرها بنفقات مالية هائلة يتحملها دافعو الضرائب من المواطنين الأميركيين.
واكتشفت شركة «سيمانتيك» أنه اعتبارا من مارس (آذار) لعام 2016، كان القراصنة الصينيون يستخدمون نسخا معدّلة من أدوات وكالة الأمن القومي الأميركية، تسمى «إيترنال سينرجي» و«دوبل بولسار» في شن الهجمات. وبعد ذلك بشهور في أغسطس (آب) من عام 2016، أطلق «وسطاء الظل» العينات الأولى المسروقة من أدوات وكالة الأمن القومي الأميركية، تلاها نشر المجموعة الكاملة من أدوات وكالة الأمن القومي الأميركية المستغلة من طرفهم، في أبريل (نيسان) لعام 2017، على شبكات الإنترنت.
ولاحظ الباحثون من شركة «سيمانتيك» أن هناك الكثير من الحالات السابقة التي تمكّن خبراء الأمن السيبراني من اكتشاف البرمجيات الخبيثة من التي نشرت علنا على الإنترنت، ثم سيطرت عليها أجهزة التجسس أو حازت عليها مجموعات إجرامية، ثم أعيد استخدامها في شن الهجمات. ولكنهم لم يقفوا على سابقة واحدة تتعلق بالضلوع الصيني في هذه القضية: أي الاستحواذ الخفي لشفرات الحواسيب المستخدمة في الهجمات، ثم السيطرة عليها وإعادة استخدامها ضد أهداف جديدة.
ويقول تشين إن «هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها حالة - من التي أشار الناس إليها على نحو نظري منذ فترة طويلة - لمجموعة تستغل نقاط الضعف ومواطن الاستغلال التي كانت مجهولة لديهم، ثم يعيدون استخدامها وتوجيهها في شن الهجمات على الآخرين».
ولا يبدو أن الجانب الصيني قد أعاد توجيه الأسلحة مرة أخرى ضد الولايات المتحدة، وذلك لسببين محتملين كما قال الباحثون في شركة «سيمانتيك». ربما افترض الجانب الصيني أن نظيره الأميركي قد طور الدفاعات المضادة لأسلحتهم السيبرانية الخاصة، وأنهم لا يرغبون في أن يكشفوا للولايات المتحدة سرقتهم لأدواتهم السيبرانية.
أما بالنسبة إلى وكالات الاستخبارات الأميركية، فإن ما كشفته شركة «سيمانتيك» تقدم أسوأ سيناريو حاول مسؤولون أميركيون تجنبه عبر استخدام برنامج البيت الأبيض المعروف باسم (عملية معادلة نقاط الضعف).
وبموجب هذه العملية، التي بدأت إبّان إدارة الرئيس الأسبق أوباما، يقدر منسق الأمن السيبراني في البيت الأبيض وممثلين من مختلف الوكالات الحكومية المعنية الأخرى، الموقف إزاء الحفاظ على مخزون الولايات المتحدة من نقاط الضعف السرية غير المعلنة. ويناقش الممثلون الحكوميون تجميع نقاط الضعف المذكورة لصالح جهود جمع المعلومات الاستخبارية أو الاستخدام العسكري، مقابل خطر اكتشافها من قبل خصوم مثل الصين.
وكان من جراء نشر مجموعة «وسطاء الظل» لأكثر أدوات وكالة الأمن القومي الأميركية طلباً في عامي 2016 و2017، أن اضطرت الوكالة إلى تسليم ترسانتها الخاصة من نقاط ضعف البرمجيات إلى شركة مايكروسوفت العملاقة من أجل الترميم وإغلاق بعض من عمليات مكافحة الإرهاب عالية الحساسية لدى وكالة الأمن القومي، كما صرح اثنان من موظفي الوكالة مؤخراً.
وكانت أدوات وكالة الأمن القومي الأميركية التي حصلت عليها كوريا الشمالية وروسيا قد استخدمت في إعاقة عمليات نظام الرعاية الصحية البريطاني، وإغلاق العمليات في شركة «ميرسك» للشحن البحري، وقطع الإمدادات اللازمة لإحدى اللقاحات من تصنيع شركة «ميرك». وفي أوكرانيا، تسببت الهجمات الروسية في إصابة الخدمات الأوكرانية الحرجة بالشلل، بما في ذلك المطار الدولي، والخدمات البريدية، ومحطات التزود بالوقود، وماكينات الصرف الآلية.
يقول مايكل دانيال، رئيس شركة «سايبر ثريت ألايانس»، الذي كان يشغل منصب منسق الأمن السيبراني الأسبق في إدارة الرئيس أوباما: «لا يمكن اعتبار أي من القرارات المتضمنة في العملية خالية من المخاطر. وهي ليست طبيعة عمل هذه الأشياء. ولكن الواقع الراهن يعزز من الحاجة الملحة لصياغة عملية مدروسة تنطوي على الكثير من المعادلات المختلفة، التي يجري تحديثها بصفة متواترة».
وبعيداً عن أجهزة الاستخبارات الأميركية، تتضمن العملية المذكورة وكالات حكومية أخرى مثل وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، ووزارة الخزانة التي ترغب في ضمان أن نقاط الضعف المكتشفة لدى وكالة الأمن القومي لن يعلم بها أي من الخصوم أو المجرمين ويُعاد توجيهها ضد البنية التحتية الأميركية، مثل المستشفيات، أو المصارف، أو مصالح البلاد في الخارج.
وهذا بالضبط ما يبدو أنه حدث وفق ما كشفت عنه شركة «سيمانتيك»، كما قال تشين، الذي أوضح: «في المستقبل، سوف يحتاج المسؤولون الأميركيون إلى اعتبار الاحتمال المرجح بأن يُعاد توجيه أدواتهم الخاصة ضد الأهداف الأميركية أو حلفاء الولايات المتحدة». وقال المتحدثة الرسمية باسم وكالة الأمن القومي الأميركية إنه ليس لدى الوكالة تعليق فوري على تقرير شركة «سيمانتيك».
ومن بين عناصر تقرير شركة «سيمانتيك» التي تقلق تشين، كان ملاحظته أنه رغم اختفاء «مجموعة بوكآي» في أعقاب لائحة اتهام وزارة العدل الأميركية بشأن ثلاثة من أعضاء المجموعة في عام 2017، فإن أدوات وكالة الأمن القومي الأميركية المُعاد توظيفها لا تزال قيد الاستخدام في شن الهجمات السيبرانية في أوروبا وآسيا، واستخدمت تحديدا طيلة شهر سبتمبر (أيلول) لعام 2018.
وقال تشين متسائلا: «هل تزال (مجموعة بوكآي) ناشطة؟ أو ربما أنهم نقلوا تلك الأدوات إلى مجموعة أخرى لاستغلالها؟ لا تزال الإجابة غامضة. الناس يأتون ويذهبون. لكن الأدوات لم تبرح مكانها حتى الآن».

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العالم العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)

بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

في تصعيد جديد للتحذيرات البريطانية بشأن أنشطة التجسُّس الصينية، اتّهم جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) منظمةً صينيةً بتمويل أبحاث أكاديمية في بريطانيا.

«الشرق الأوسط» (بكين)
أوروبا المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)

بكين ترفض تصنيف بريطانيا معهداً صينياً «واجهةً للتجسس»

نفى متحدث باسم السفارة الصينية لدى المملكة المتحدة اتهامات الحكومة البريطانية لمعهد صيني بأنه واجهة للتجسس. ووصف المتحدث الاتهامات بأنها «خيالية، ومفبركة تماماً

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عملية التجسس كانت تهدف أيضاً إلى التحضير لعمليات استخباراتية أخرى في ألمانيا (رويترز)

الادعاء الألماني يلاحق أوكرانياً بتهمة التجسس لصالح موسكو

أعلنت متحدثة باسم الادعاء العام في مدينة دوسلدورف، غرب ألمانيا، اليوم (الثلاثاء)، الادّعاء على رجل بتهمة التجسس لصالح روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ عناصر من «إف بي آي» أمام منزل متهمة بالاحتيال في لوس أنجليس يوم 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)

«إف بي آي» يحقق في مزاعم اختراق بيانات جميع موظفيه

أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) أنه يحقق في مزاعم مجموعة قرصنة إلكترونية باختراق أنظمته وسرقة بيانات حساسة تتعلق بآلاف الموظفين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية مهاجمون إلكترونيون يعملون لصالح النظام الإيراني يتبعون أساليب مبتكرة ومتطورة بشكل متزايد لخداع أهدافهم (رويترز)

ملف يبدو طبياً لكنه خبيث… تحذير من أسلوب إيراني لاستهداف المعارضين

في أسلوب جديد لخداع المستهدفين، لجأ مهاجمون إلكترونيون مرتبطون بالنظام الإيراني إلى إخفاء برمجيات تجسس داخل ملفات تبدو كأنها نتائج لفحوص طبية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».