المعارضة التركية تتعهد بفوز كبير «جديد» في إسطنبول

احتجاجات ليلية حاشدة... وأنقرة تواجه انتقادات أوروبية حادة

محتجون داعمون لعمدة إسطنبول المنتخب إمام أوغلو يشاركون في مظاهرات ليلية مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
محتجون داعمون لعمدة إسطنبول المنتخب إمام أوغلو يشاركون في مظاهرات ليلية مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

المعارضة التركية تتعهد بفوز كبير «جديد» في إسطنبول

محتجون داعمون لعمدة إسطنبول المنتخب إمام أوغلو يشاركون في مظاهرات ليلية مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
محتجون داعمون لعمدة إسطنبول المنتخب إمام أوغلو يشاركون في مظاهرات ليلية مساء أول من أمس (أ.ف.ب)

أعلن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، أنه لن يقاطع الانتخابات المحلية «المعادة» في إسطنبول التي ستجرى في 23 يونيو (حزيران) المقبل، ووعد بتحقيق «انتصار كبير» واسترداد رئاسة بلدية إسطنبول التي نزعت من مرشحه الفائز أكرم إمام أوغلو بقرار اللجنة العليا بإعادة الانتخابات. من جهتها، عينت وزارة الداخلية والي إسطنبول، علي يرلي كايا، رئيساً للبلدية بالوكالة حتى انتخاب رئيس جديد لها.
وأكد رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، في كلمة أمام اجتماع الكتلة البرلمانية للحزب في مقر البرلمان التركي بأنقرة أمس (الثلاثاء) إن حزبه لن يقاطع الانتخابات المعادة، مشيرا إلى أن أكرم إمام أوغلو الذي سيستمر كمرشح للحزب، نزعت منه رئاسة البلدية بضغط من «القصر» (يقصد رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان) «الذي لا يتورع عن اغتصاب الحقوق حتى في شهر رمضان، لكنه لا يستمد قوته من القصر وإنما من 16 مليون مواطن في إسطنبول».
وانتقد مجلس الحزب، في بيان تحت عنوان «إعلان الديمقراطية والحرية» نشره عقب اجتماع طارئ، قرار اللجنة العليا للانتخابات إلغاء انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، وإعادة إجرائها في 23 يونيو المقبل. وقال: «نمد يدنا لجميع مواطنينا بغض النظر عن انتمائهم الحزبي، ونؤمن بأن هذه اليد الممدودة ستلقى دعما قويا في 23 يونيو».
وأضاف: «نحن على ثقة بأننا سنحقق انتصارا أكبر مما حققناه يوم 31 مارس (آذار) الماضي عندما فاز مرشح الحزب في الانتخابات المحلية». وأشار إلى أنه إذا كانت هناك شبهات في لجان صناديق الاقتراع، فينبغي إعادة كل من الاستفتاء على التعديلات الدستورية (أجري في 16 أبريل (نيسان) عام 2017)، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة في 24 يونيو 2018، وانتخاب رؤساء بلديات الأقضية وأعضاء مجلس إدارة البلديات أيضا للأسباب ذاتها؛ لأن كلها جرت في ذات الظروف والصناديق.
وتابع أنه «عبر هذا القرار، تم القضاء بشكل صريح على الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية والمتمثلة بسيادة القانون والفصل بين السلطات، والحق في التصويت والترشح... وأن 6 مايو (أيار) 2019 (يوم إعلان إعادة الانتخابات بإسطنبول) دُوّن في تاريخ ديمقراطية بالبلاد كيوم أسود لن يُنسى أبدا». وطالب البيان أعضاء اللجنة العليا للانتخاب بتقديم استقالتهم بسبب ما اقترفوه من «جريمة تجاه الناخب».
من جانبه، قال مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض لبلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو، إن «ديمقراطيتنا تلقت ضربة قوية» على خلفية قرار إعادة الانتخابات في كبرى مدن البلاد. وأضاف إمام أوغلو، الذي سحبت اللجنة العليا للانتخابات وثيقة تسلمه مهام رئاسة بلدية إسطنبول، أن «علينا إصلاح ومعالجة هذه المرحلة سويا. لدينا ردود فعل رافضة لما جرى».
وكانت شوارع إسطنبول، شهدت ليل الاثنين إلى الثلاثاء، مسيرات ليلية حاشدة احتجاجا على قرار اللجنة العليا للانتخابات، انطلقت تحت شعار: «هذه هي البداية... الكفاح مستمر». كما خرجت مظاهرة حاشدة مماثلة في مدينة إزمير (غرب تركيا).
وتجمع الآلاف في مؤتمر عقده إمام أوغلو، وسط هتافات مؤيديه لقضيته ورافضة لقرار اللجنة منها: «الشعب معك... سنفوز.. حق، حقوق، عدالة». ووصف أوغلو في كلمة خلال التجمع قرار إبطال فوزه وإعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول بأنه «خيانة». وقال إن «أولئك الذين يتّخذون قرارات في هذا البلد ربّما وقعوا في الخيانة، لكنّنا لن نستسلم أبداً... احتفظوا بالأمل».
وأدان حزب الشعب الجمهوري قرار إعادة الانتخابات في إسطنبول، ووصفه بأنه «ديكتاتورية صريحة». وقال فائق أوزتراك، نائب رئيس الحزب، إن اللجنة العليا للانتخابات «قد أنكرت سبب وجودها؛ بقبول اعتراضات وطعون النظام الحاكم، التي ليس لها أي أسس مادية، وإلغاء انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول». ولم تعلن اللجنة العليا للانتخابات حتى الآن حيثيات قرارها بإلغاء انتخابات رئاسة البلدية وإعادتها.
من جانبها، وصفت ميرال أكشنار رئيس حزب «الجيد» شريك الشعب الجمهوري في «تحالف الأمة» قرار اللجنة العليا للانتخابات بأنه «يوم أسود في تاريخ الديمقراطية في تركيا».
في المقابل، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إنه لا يمكن تجاهل أو التغاضي عن «المخالفات الواضحة» التي شابت الانتخابات المحلية لمدينة إسطنبول، مضيفا أمام اجتماع نواب حزبه بالبرلمان التركي أمس: «لا يمكننا أن نتجاهل المخالفات الواضحة التي شابت انتخابات إسطنبول، ولا يمكننا التغاضي عن سلب الإرادة... نحن على ثقة كبيرة بحدوث تلاعب منظم وفقدان للشرعية ومخالفات في الانتخابات المحلية بإسطنبول».
وأضاف أن اللجنة العليا للانتخابات قررت إعادة الانتخابات بعد إجراء دراسة معمقة ودقيقة للطعون التي قدمها حزبه حول حدوث تلاعب في نتائج الاستحقاق الانتخابي.
وأعلنت وزارة الداخلية التركية، أمس، تعيين والي إسطنبول علي يرلي كايا، رئيسا بالوكالة لبلدية إسطنبول. وقالت في بيان إنّ قرار التعيين يأتي عقب إلغاء اللجنة العليا للانتخابات، نتائج انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول التي أجريت في 31 مارس الماضي، بسبب شكوك حول صحتها، وإن يرلي كايا سيواصل عمله رئيسا للبلدية بالوكالة، إلى حين صدور نتائج انتخابات الإعادة المقررة في 23 يونيو المقبل.
بدوره، علّق مرشح حزب العدالة والتنمية لرئاسة بلدية إسطنبول، الذي سبق أن خسر في انتخابات مارس، بن علي يلدريم، على قرار اللجنة العليا للانتخابات مؤكدا احترامه له. وقال إنه عاقد العزم على خدمة مدينة إسطنبول وسكانها.
في السياق ذاته، اعتبر البرلمان الأوروبي أن قرار إعادة الانتخابات على رئاسة بلدية إسطنبول يقضي على مصداقية الانتخابات الديمقراطية في تركيا. وجدّد المستشار النمساوي سيباستيان كيرتس مطالبته بإنهاء مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، على خلفية إلغاء نتائج انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول. وقال، في تصريحات أمس: «ليس لدى من لا يقبل الانتخابات الديمقراطية شيء يبحث عنه في الاتحاد الأوروبي... تركيا ابتعدت منذ سنوات بخطوات متزايدة عن الاتحاد الأوروبي، خاصة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، لا تزال هناك قيود ممنهجة شديدة على حرية الرأي والتعبير في تركيا».
بدوره، انتقد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أمس قرار إعادة إجراء انتخابات بلدية إسطنبول، بوصفه «غير شفاف وغير مفهوم بالنسبة لنا». وقال ماس في تصريحات: «إرادة الناخبين الأتراك هي فقط من يقرر من يتولى رئاسة بلدية إسطنبول». وأضاف بأن «الحفاظ على المبادئ الديمقراطية مع ظروف انتخابية شفافة هما أهم أولوياتنا».
في المقابل، عبرت وزارة الخارجية التركية عن رفضها انتقادات بعض نظيراتها قرار اللجنة العليا للانتخابات إعادة انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول، معتبرة أن هذه الانتقادات ذات «دوافع سياسية». ودعت، في بيان، الجميع إلى احترام قرار اللجنة الذي قالت إنها اتخذته ضمن الأطر القانونية.
في شأن آخر، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ إن عواقب خطط تركيا لنشر منظومة «إس - 400» الروسية للدفاع الصاروخي «مثيرة للقلق»، في الوقت الذي أوضحت فيه واشنطن أنها ستفرض عقوبات بسبب ذلك.
وأضاف ستولتنبرغ بعد اجتماع مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على هامش اجتماعات مجلس الناتو في أنقرة الذي اختتم أمس، أن الحلف يرغب تجنّب الظروف التي يفرض فيها حلفاء عقوبات على بعضهم. غير أن جاويش أوغلو أكد مؤخراً أن بلاده «لن تتراجع» عن حيازة المنظومة الدفاعية الروسية.
وأضاف ستولتنبرغ: «بحثت مسألة (إس - 400) مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وتحدثت بهذا الشأن سابقا مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب... موقف تركيا واضح، هذا قرار وطني، ماذا ومن أين الشراء. لكنني استعرضت قلقي حيال أن منظومتي دفاع جوي (منظومة الناتو والمنظومة الروسية) لن تعملا معا، ونحن قلقون من احتمال فرض واشنطن عقوبات بسبب (إس - 400)».
وسبق أن حذرت الولايات المتحدة ودول من الناتو مرارا أنقرة من شراء منظومات «إس - 400»، مهددة بفرض عقوبات على تركيا، لكن الأخيرة أكدت أكثر من مرة، أن الصفقة مع روسيا لا رجعة عنها ومسألة الانسحاب منها ليست واردة على الإطلاق، متعهدة بالرد على أي إجراءات أميركية في هذا الصدد.
في غضون ذلك، قالت مصادر عسكرية تركية أمس إن تركيا سترسل 100 من العسكريين إلى روسيا نهاية شهر مايو الجاري للتدريب على تشغيل منظومة «إس - 400».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».