الانتخابات الهندية... الأعلى تكلفة عالمياً

سيدة تدلي بصوتها في الانتخابات في نيودلهي (رويترز)
سيدة تدلي بصوتها في الانتخابات في نيودلهي (رويترز)
TT

الانتخابات الهندية... الأعلى تكلفة عالمياً

سيدة تدلي بصوتها في الانتخابات في نيودلهي (رويترز)
سيدة تدلي بصوتها في الانتخابات في نيودلهي (رويترز)

تُعد الانتخابات الهندية، التي تمتد لستة أسابيع على مستوى البلاد، هي الأعلى تكلفة على مستوى العالم، فمن المتوقَّع أن ينفق السياسيون الهنود نحو 7.2 مليار دولار أو ما يعادل 500 مليار روبية على الحملات الانتخابية، التي بدأت في 11 أبريل (نيسان)، ومن المقرر أن تنتهي 19 مايو (أيار)، بل ويصل هذا الرقم إلى 10 مليارات دولار، بحسب بعض التقديرات الأخرى.
وأشار مركز الدراسات الإعلامية في نيودلهي إلى أن الإنفاق على الانتخابات الهندية قد تجاوز الإنفاق على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأميركية في عام 2016، حيث يُقدر بنحو 6.5 مليار دولار بحسب موقع OpenSecrets.org.
من الذي يمول الأحزاب السياسية؟
تزداد تكاليف الانتخابات التنافسية في الهند، ويشير المحللون إلى تزايد اعتماد الأحزاب على تبرعات رجال أعمال لا يعلنون عن أسمائهم، مما يؤدي إلى غياب الشفافية وتضارب المصالح المثير للقلق. كذلك يقول المحللون إن طرق التمويل التقليدية، مثل رسوم العضوية في الأحزاب تتراجع، مما يؤدي إلى زيادة اعتماد الأحزاب على المتبرعين الأثرياء في تمويل الحملات الانتخابية.
ويضطلع رجال الأعمال الهنود بدور محوري في الانتخابات، التي تُعد تكلفتها الأعلى في تاريخ الدولة الآسيوية العملاقة، والتي تشمل تمويل الحملات الانتخابية والدعم المرحلي. وصرح ميلان فايشناف، زميل بارز في مركز «كارنيغي» للسلام الدولي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» قائلاً: «تزداد تكلفة الانتخابات لأسباب كثيرة» مشيراً إلى «تزايد عدد السكان والتنافس السياسي وتوقعات الناخبين بالحصول على نقود وغيرها من الإغراءات، إلى جانب التغير التكنولوجي، مما يعني إنفاقاً أكبر على الإعلام والتواصل الرقمي».
وقد حظيت محاولات رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، للفوز بفترة أخرى في الحكم بدعم مالي كبير من مؤسسة «كوربوريت إنديا» مما يثير المخاوف بشأن نزاهة أضخم عملية ديمقراطية في العالم، على حد قول خبراء. وأوضحت البيانات، التي جمعها «اتحاد الإصلاحات الديمقراطية»، وهي مؤسسة تراقب الانتخابات، أن إسهام شركات وأفراد في حزب «بهاراتيا جاناتا» خلال العام المالي 2017 - 2018 قد فاق الإسهام في ستة أحزاب قومية أخرى مجتمعة، من بينها حزب «المؤتمر» بمقدار 12 مرة. وحصل حزب «بهاراتيا جاناتا» على 93 في المائة من إجمالي التبرعات التي تتجاوز الـ20 ألف روبية (290 دولاراً) خلال ذلك العام بحسب تحليل «اتحاد الإصلاحات الديمقراطية». وحصل حزب «بهاراتيا»، الذي ينتمي إليه مودي، على 4.37 مليار روبية (63.3 مليون دولار)، في حين حصل حزب «المؤتمر» على 267 مليون روبية فقط. وصرح نيرانجان ساهو، من مؤسسة الأبحاث الرقابية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قائلاً: «هناك تفاوت كبير في التمويل حالياً، حيث لا يمتلك حزب المؤتمر المال اللازم للمنافسة في الانتخابات، ومن شأن ذلك أن يثير قلق الناس». وأضاف قائلاً: «هناك توجه نحو حكم الأثرياء، فقد يصبح لنفوذ الشركات المطلق تأثير خطير على السياسات».
صلات انتخابية
دشنت حكومة ناريندرا مودي خلال العام الماضي سندات انتخابية تتيح لرجال الأعمال والأفراد التبرع لأحزاب دون الكشف عن هوياتهم. وكان الهدف من ذلك هو زيادة الشفافية في مسألة التمويل السياسي، والحد من استخدام الأموال المشبوهة، حيث يمكن لأي مواطن أو كيان هندي شراء تلك السندات الانتخابية سواء بشكل فردي أو جماعي. ولا يحق ذلك سوى للأحزاب السياسية المسجلة، التي حصلت على واحد في المائة على الأقل من الأصوات الانتخابية خلال الانتخابات العامة الأخيرة. كذلك يمكن شراء تلك السندات من فروع مصرف «ستيت بنك أوف إنديا»، الذي يعد أكبر جهة إقراض في البلاد، بفئات تتراوح بين ألف روبية (15 دولاراً) و10 ملايين روبية (140 ألف دولار).
يمكن للمتبرع بعد ذلك تحويل السندات لحساب أي حزب سياسي من اختياره. ويقول الخبراء إن هذا التوجه فيما يتعلق بتمويل الأحزاب لم يتبع في أي دولة من الدول الديمقراطية حول العالم. وتقدّر السندات الانتخابية، التي تم شراؤها في عام 2018، بنحو 10.6 مليار روبية (150 مليون دولار) بحسب بيانات حصلت عليها «فاكتلي»، بوابة صحافة البيانات في الهند، طبقاً لقانون الحق في الحصول على المعلومات. وكان نحو 90 في المائة من تلك السندات من الفئة الأعلى، أي تلك البعيدة عن متناول المواطن متوسط الحال. وقد أنفق المتبرعون نحو 200 مليون دولار على تلك السندات، وحصل حزب «بهاراتيا جاناتا» على 90 في المائة منها، بحسب التقارير.
على الجانب الآخر، طلبت المحكمة العليا الهندية من جميع الأحزاب السياسية تقديم الإيصالات الخاصة بتلك السندات الانتخابية مع الكشف عن هوية مشتريها، وحساباتهم المصرفية، والمبالغ التي تم الحصول عليها داخل مظروف مغلق إلى لجنة الانتخابات بحلول 30 مايو.
الإنفاق
تسمح القوانين للمرشحين المتنافسين إنفاق 7 ملايين روبية على الحملات الانتخابية، التي تتنافس على مقعد في البرلمان، لكن تفوق التكلفة الفعلية للفوز بذلك المقعد ذلك المبلغ بعشر مرات تقريباً، بسبب الإنفاق على المؤتمرات الجماهيرية والحملات الإعلامية. وقد أفاد الإنفاق على الانتخابات الهندية السابقة مجموعة كبيرة من رجال الأعمال الذين يعملون في مجال الإعلام والدعاية والإعلان، حيث يجنون عائدات من الحملات الانتخابية، وذلك فضلاً عن الشركات الاستهلاكية التي تنتفع بشكل مباشر من تلك الزيادة الكبيرة في الإنفاق نظراً لقيام الأحزاب السياسية باستمالة الناخبين من خلال توزيع سلع استهلاكية مثل أجهزة تلفزيون، وكومبيوتر محمول، وآلات الطحن، وماكينات خياطة، وغيرها من السلع المنزلية، إلى جانب النقود. وشهدت انتخابات الولايات الأخيرة وسائل مبتكرة، مثل توزيع المال على الناخبين من خلال تحويل رصيد للهواتف الجوالة، وتوزيع مظاريف تحتوي على نقود داخل طيات جرائد الصباح. ويتمثل الجزء الأكبر الآخر من الإنفاق في الدعم اللوجيستي.
من المتوقع أن يتم ضخّ نحو مليار دولار في مجال الدعاية والإعلان خلال موسم الانتخابات بحسب توقعات «ماديسون ميديا» التي تعد أكبر وكالة إعلان محلية في البلاد. وقال بانكاج باشاوري، مؤسس موقع «غونيوز» ورئيس تحريره: «من المتوقّع أن تفوق تكلفة الانتخابات الحالية تكلفة أي انتخابات في العالم. ويُعزى ذلك بالأساس إلى تزايد وسائل الإعلام الهندية بشكل كبير خلال الخمسة أعوام الماضية».
ويشير تقرير لصحيفة «إنديان إكسبريس» إلى أن إنفاق الأحزاب السياسية على الحملات الإعلانية في 2009 قد بلغ نحو 83 مليون دولار، ووصل إلى 550 مليون دولار تقريباً عام 2014، ومن أسباب ذلك حدوث طفرة في التسويق الإلكتروني، الذي يأمل السياسيون أن يستخدموه في التواصل مع الشباب.
ومن المتوقع أن يزداد الإنفاق على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الانتخابات الحالية بمقدار 20 مرة بحيث يصل إلى 750 مليون دولار. ويقول بهاسكارا راو، رئيس مركز الدراسات الإعلامية: «سوف تكون النسبة الأكبر من زيادة الإنفاق على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والسفر والإعلان». والجدير بالذكر أن ثلث إنفاق حزب «بهاراتيا جاناتا» على الانتخابات كان على الدعاية والإعلان.
وقد وصلت تكلفة الإعلانات السياسية على موقع «فيسبوك» خلال أول أسبوعين من أبريل إلى أكثر من 4.5 مليون دولار بحسب مؤسسة «ألت نيوز» الهندية للتأكد من الحقائق، التي تشير إلى أن أكثر من نصفها كانت خاصة بالإعلانات التي تروج للحزب الحاكم.
كذلك يتم تخصيص جزء كبير من هذه المبالغ على عملية حشد الناخبين التي شهدت تطورات كثيرة من بينها استئجار مروحيات، وطائرات خاصة، لنجوم الحملات الانتخابية، مثل ناريندرا مودي أو راهول غاندي.
وقد قامت شركة «سبان إير» لرحلات الطيران الخاصة بتأجير الخمس طائرات التي تملكها لحزب «المؤتمر» حتى نهاية الانتخابات. وتتراوح تكلفة تلك الطائرات في الساعة بين 1250 دولاراً و3 آلاف دولار، وقد أشارت تقارير إعلامية إلى إنفاق حزب «بهاراتيا جاناتا» 20 مليون دولار على الطائرات الخاصة حتى هذه اللحظة. وزعم حزب «المؤتمر» المعارض أنهم يجدون صعوبة في حجز الطائرات الخاصة بسبب حجز الحزب الحاكم لأكثرها منذ يناير (كانون الثاني) 2019.
على الجانب الآخر تنفق الأحزاب مبالغ ضخمة على التجهيزات الانتخابية، التي تشمل قبعات ووشاحات غاندي الرائجة، وسلاسل المفاتيح، واللافتات والملصقات الإعلانية، والأقنعة، والقمصان الرياضية وقطع الساري، التي تحمل وجوه مرشحين ويتم عرضها للبيع. حتى الناس معروضون للإيجار للمشاركة في الفعاليات والاجتماعات الجماهيرية السياسية. وبمجرد انتهاء الانتخابات تنتهي تلك الأعمال التي تشبه الأجواء الاحتفالية.



«المركزي» الصيني يعزز مشترياته من الذهب

ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (رويترز)
ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (رويترز)
TT

«المركزي» الصيني يعزز مشترياته من الذهب

ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (رويترز)
ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (رويترز)

واصل البنك المركزي الصيني شراء الذهب في أكتوبر، في إطار عملياته التي بدأها قبل عامين، فيما تراجع المعدن النفيس بواقع نحو 7 في المائة، لينهي الشهر عند مستوى أقل من حاجز 4000 دولار للأونصة.

وطبقاً لبيانات رسمية صدرت السبت، فقد ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (تشرين الأول)، أي نحو 25.8 طنّ متريّ، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء، السبت.

وهذا هو الشهر الـ24 على التوالي من عمليات الشراء، التي عززها البنك المركزي في الأشهر الأخيرة، مع تراجع أسعار الذهب، حيث بلغ إجمالي الكميات المضافة في الأشهر العشرة الأولى من العام، نحو 129 طناً مترياً.


واشنطن تحث بكين على توريد المعادن الاستراتيجية وشراء المنتجات الزراعية الأميركية

رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)
رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)
TT

واشنطن تحث بكين على توريد المعادن الاستراتيجية وشراء المنتجات الزراعية الأميركية

رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)
رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)

أعلن مكتب الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، أن إدارة الرئيس دونالد ترمب أبلغت مسؤولاً صينياً كبيراً بأن على بكين أن تنفّذ على الفور التزاماتها، بموجب اتفاقية تجارية مُبرَمة منذ ما يقرب من عام، لا سيما فيما يتعلق بتوريد المعادن الاستراتيجية والمعادن الحيوية الأخرى، فضلاً عن مشتريات المنتجات الزراعية.

وذكرت وزارة الخزانة الأميركية ومكتب الممثل التجاري الأميركي أن الوزير، سكوت بيسنت، والممثل التجاري جيميسون غرير أصدرا التوجيه خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، مع نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، خه لي فنغ، حثَّاه فيها على تنفيذ شروط الاتفاق الذي تسنى التوصل إليه، في بوسان بكوريا الجنوبية، نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وقال مكتب غرير في بيان: «شدَّد السفير غرير خلال الاتصال على الأهمية الحاسمة لاتخاذ الصين إجراءات ملموسة من أجل التنفيذ الكامل لالتزاماتها السابقة، لا سيما فيما يتعلق بالمشتريات الزراعية والمعادن الاستراتيجية والمعادن الحيوية الأخرى».

يأتي هذا الاتصال قبل أحدث اجتماعَين متوقعين هذا العام بين ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ، وذلك خلال قمة قادة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك) في شنتشن بالصين، في 18 و19 نوفمبر، وقمة قادة مجموعة العشرين في ميامي بولاية فلوريدا الأميركية يومي 14 و15 ديسمبر (كانون الأول).

وقال غرير إن إدارة ترمب ستسعى إلى تحقيق توازن تجاري مع الصين من خلال «مراقبة الامتثال للالتزامات السابقة مع تحقيق فوائد دائمة للمزارعين ومربي الماشية والمُصنّعين والعمال الأميركيين».

واشتكى غرير وبيسنت ومسؤولون أميركيون آخرون مراراً من الصعوبات التي تواجهها الشركات الأميركية في الحصول على كميات كافية من المعادن الاستراتيجية والحيوية الأخرى من الصين، بموجب اتفاق بوسان الذي يقولون إنه يستهدف رفع القيود المفروضة في 2025، خلال فترة تصاعد حاد في الرسوم الجمركية بين أكبر اقتصادين في العالم.

وحددت اتفاقية بوسان التجارية، التي تنتهي صلاحيتها في 10 يناير (كانون الثاني)، سقفاً للرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الصينية التي فُرِضَت خلال ولاية ترمب الثانية عند نحو 20 في المائة. وتعهَّدت الصين بشراء 25 مليون طن من فول الصويا الأميركي خلال السنوات الثلاث المقبلة، وزيادة مشترياتها من البضائع الزراعية الأميركية الأخرى بمقدار 17 مليار دولار.

وقال بيسنت، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «أكدتُ أهمية وفاء الصين بالتزاماتها على نحو كامل وفوري، وعبَّرتُ عن قلقي إزاء أحدث إجراءات صينية، وشدَّدتُ على أن التقدُّم يعتمد على نتائج ملموسة».

وقالت وزارة الخزانة في بيان إن الولايات المتحدة «ستقيم من كثب تنفيذ الصين الاتفاق».

وأشارت بكين إلى أن التنازلات الجمركية لا تزال في صميم أهدافها؛ إذ قالت وزارة التجارة الصينية يوم الخميس إن بكين منفتحة على شراء المزيد من المنتجات الزراعية الأميركية، ولكن فقط إذا نفذ الجانبان اتفاقهما المتبادل لخفض الرسوم الجمركية.

واقترح الجانبان، عقب قمة سبتمبر (أيلول)، بين شي وترمب، في واشنطن، حزمة من التخفيضات المتبادلة في الرسوم الجمركية حجمها 60 مليار دولار، تشمل ما يقارب 17 مليار دولار من المنتجات الزراعية الأميركية التي استوردتها الصين في 2024، رغم أن الخطة لم تُحسَم بعد.

وكان البيت الأبيض أعلن، في مايو (أيار)، أن بكين وافقت على شراء سلع زراعية أميركية قيمتها 17 مليار دولار سنوياً اعتباراً من 2026، مع تعديل هدف هذا العام على أساس تناسبي. تأتي هذه المشتريات إضافة إلى التزام تعهَّدت به الصين في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بشراء فول الصويا الأميركي.


قراصنة يتجاوزون منصات العملات المشفرة إلى استهداف أموال البنوك

صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)
صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)
TT

قراصنة يتجاوزون منصات العملات المشفرة إلى استهداف أموال البنوك

صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)
صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)

لم تعد الهجمات الإلكترونية التي تستهدف القطاع المالي تقتصر على منصات تداول العملات المشفرة أو حسابات العملاء؛ بل باتت تصل إلى الأنظمة التشغيلية للمؤسسات المالية نفسها، وتستهدف أموال البنوك وشركات التمويل والتأمين، في تطور يسلط الضوء على اتساع المخاطر التي تواجه الصناعة المالية مع تسارع التحول الرقمي وتطور أدوات الاختراق.

ولسنوات، ارتبطت أبرز الهجمات الإلكترونية الكبرى بمنصات تداول العملات المشفرة، التي تعرض بعضها لعمليات سرقة بمليارات الدولارات. وأعاد الهجوم الذي استهدف منصة «بينانس» في 29 أكتوبر (تشرين الأول) هذا الخطر إلى الواجهة، بعدما أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مسؤولية مجموعة كورية شمالية عن سرقة أصول رقمية تجاوزت قيمتها 6 مليارات دولار، وفق تقديرات المكتب. كما تعرضت منصة «بيتجيت» في سبتمبر (أيلول)، لهجوم أسفر عن نقل أصول رقمية بنحو 387 مليون دولار.

شعار «بينانس» إلى جانب رموز قرصنة إلكترونية (رويترز)

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن نطاق الاستهداف لم يعد محصوراً في منصات الأصول الرقمية، مع انتقال الهجمات إلى البنوك وشركات التأمين والتمويل، ووصولها في بعض الحالات إلى الأموال التابعة للمؤسسات نفسها، بدلاً من الاقتصار على سرقة أصول العملاء أو بياناتهم.

وفي هذا السياق، أعادت واقعة تعرّض بنك «كريدي موتويل أركيا» الفرنسي لهجوم إلكتروني هذا الأسبوع، تمكن خلاله المهاجمون من تحويل نحو 100 مليون يورو (112.6 مليون دولار) من حساب تابع للبنك إلى مؤسسات مالية أخرى، تسليط الضوء على هشاشة بعض حلقات الأمن الرقمي حتى لدى المؤسسات المصرفية الخاضعة لرقابة مشددة.

وقال البنك إن المهاجمين استغلوا منصة تابعة لمزود خدمات خارجي لتنفيذ تحويلات احتيالية، فيما لم تتأثر حسابات العملاء أو أصولهم. وأبلغ البنك الجهات الرقابية الأوروبية والسلطات القضائية بالحادث، بينما فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً في الواقعة.

ويشير الحادث إلى أن المخاطر لا تنشأ بالضرورة من اختراق مباشر لأنظمة البنك؛ بل قد تدخل عبر أطراف خارجية ترتبط بها عمليات مالية حساسة.

شعار بنك «كريدي موتويل أركيا» الفرنسي الذي تعرض لهجوم إلكتروني هذا الأسبوع (رويترز)

37 مؤسسة مالية تتعرض للاختراق في كوريا

تزامنت الواقعة مع إعلان هيئة الخدمات المالية في كوريا الجنوبية، الخميس، تعرض 37 مؤسسة مالية لاختراقات وتسريبات بيانات خلال الفترة الممتدة من 30 سبتمبر (أيلول) إلى 3 نوفمبر (تشرين الثاني). وشملت الحوادث 4 بنوك تجارية، و5 شركات استثمار، و3 شركات تأمين، و5 بنوك ادخار، إلى جانب مؤسسات تمويل إلكتروني ومنصات إقراض وشركات تقدم خدمات الأصول الافتراضية.

وبلغ عدد حوادث الاختراق المسجلة 40 حادثة، فيما وصل عدد السجلات التي تعرضت بياناتها للتسريب إلى نحو 473 ألفاً. وأوضحت الهيئة أن المعلومات المسربة شملت بيانات موظفين، وأسماء عملاء وأرقام هوياتهم الوطنية وأرقام حساباتهم المصرفية، لكنها لم تسجل حتى الآن حوادث سرقة لكلمات مرور حسابات العملاء، وهي البيانات التي قد تتيح تنفيذ معاملات مالية غير مشروعة بصورة مباشرة.

أما الأموال التي تعرضت للسرقة، وقدّرت بنحو مليار وون (745 ألف دولار)، فكانت في معظمها أموالاً تديرها شركات صغيرة تعمل في تداول الأصول الافتراضية والخدمات المالية الإلكترونية والإقراض عبر الإنترنت، ومن بينها أموال محفوظة في محافظ رقمية ساخنة أو أرصدة ونقاط دفع وودائع تديرها هذه الشركات.

وفي استجابة لهذه الحوادث، أعلنت الهيئة عزمها إجراء فحوص أمنية على 580 مؤسسة مالية ومراجعة أنظمة الرقابة الداخلية لديها قبل نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، مع التشديد على مساءلة القيادات التنفيذية، بمن في ذلك الرؤساء التنفيذيون، في حال ثبوت الإهمال أو التقصير في إدارة المخاطر الأمنية.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق الاستهداف ليشمل حلقات متعددة من الصناعة المالية، من البنوك التقليدية إلى شركات الاستثمار والتأمين ومؤسسات التمويل الرقمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات الاختراق وتوسيع نطاقها.

تعرضت 37 مؤسسة مالية في كوريا الجنوبية لاختراقات بين 30 سبتمبر و3 نوفمبر (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يسرّع الهجمات

في الهند، حذرت وكالة الاستجابة لطوارئ الحاسوب من تصاعد حملة اختراق تستهدف شركات التمويل غير المصرفي ومنصات الإقراض الرقمي وشركات التكنولوجيا المالية ومجمعات المدفوعات ومزودي خدمات الدفع ومنصات العملات المشفرة. وأطلقت الوكالة على الجهة المسؤولة عن الحملة اسم «كرافتِي فالكون»، مشيرة إلى أنها تستخدم أدوات ذكاء اصطناعي متاحة للعامة لأتمتة عمليات الاستطلاع والتسلل واستهداف أنظمة الدفع وصرف التمويلات.

وحددت الوكالة مجموعة من الأدوات المستخدمة في الهجمات؛ من بينها «آرتكس»، وهي مجموعة أدوات تعتمد على نماذج لغوية كبيرة؛ و«بنتاغي»، وهو نظام اختبار اختراق ذاتي التشغيل متعدد الوكلاء؛ و«كايرن»، وهو محرك للبحث عن مسارات الهجوم، إلى جانب إطار عمل «سايبر سترايك إيه آي».

وتتيح هذه الأدوات تنفيذ سلاسل متكاملة من الهجمات بصورة آلية وبسرعة عالية، مع إنشاء أعداد كبيرة من الشيفرات والبرامج النصية المخصصة للهجوم وتنقيحها، ثم تعديل أساليب الاختراق وفقاً لاستجابات الأنظمة المستهدفة. وبهذا، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على مساعدة المهاجم في البحث عن الثغرات؛ بل يمتد إلى تنفيذ مراحل متتابعة من الهجوم وتكييفها بصورة آلية، بما يزيد صعوبة اكتشافها واحتوائها في الوقت المناسب.

ولفتت الوكالة إلى أن المهاجمين يستغلون العطلات ونهايات الأسبوع والفترات التي تنخفض فيها مستويات المراقبة الأمنية، كما يعاودون استهداف مؤسسات سبق أن تعرضت للاختراق، خصوصاً إذا لم تستكمل معالجة الثغرات التي سمحت بالهجمات الأولى. وأشارت تقارير صحافية إلى أن باحثين ربطوا اثنتين على الأقل من الأدوات المستخدمة بجهات صينية، لكن الوكالة الهندية لم تنسب الحملة إلى دولة بعينها.

مركز بيانات ثلاثي الطوابق بقدرة 49.5 ميغاواط قيد الإنشاء في فيرنون بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

ولا تقتصر المخاطر على استخدام الذكاء الاصطناعي أو الاختراق المباشر لأنظمة المؤسسات؛ إذ باتت شركات الخدمات الخارجية تمثل إحدى نقاط الضعف الرئيسية في القطاع المالي؛ فالمؤسسات المصرفية وشركات التأمين تعتمد على مزودين خارجيين لتشغيل منصات تقنية ومعالجة المدفوعات وإدارة البيانات وتقديم خدمات أخرى، ما يجعل اختراق أحد هؤلاء المزودين مدخلاً محتملاً للوصول إلى عمليات مؤسسات مالية متعددة.

وتبرز خطورة هذا النوع من الهجمات في أن المؤسسة قد لا تكون هدفاً مباشراً للمهاجمين، ومع ذلك تتعرض عملياتها أو بياناتها للخطر نتيجة اختراق شركة تتولى تقديم خدمة لها. كما أن الاعتماد المشترك على مزودي خدمات محدودين قد يوسع نطاق الأضرار، بحيث لا يتوقف أثر الاختراق عند الشركة المستهدفة أولاً؛ بل يمتد إلى عدد من المؤسسات المرتبطة بها.

... وفي اليابان أيضاً

تعكس الأرقام اليابانية بدورها اتساع التهديد المرتبط بالاحتيال المالي؛ فقد بلغت خسائر عمليات الاحتيال الخاصة في البلاد 261 مليار ين خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بزيادة 48.3 مليار ين على أساس سنوي.

وأعلنت وكالة الشرطة الوطنية اليابانية إطلاق آلية لتبادل بيانات الحسابات المستخدمة في الاحتيال مع 807 مؤسسات مالية، بهدف التعرف مبكراً على الحسابات التي تستقبل أموالاً من ضحايا الاحتيال، وتمكين الشرطة والمؤسسات المالية من التدخل قبل وقوع خسائر إضافية. ولا تقتصر هذه الأرقام على الاختراقات الإلكترونية؛ بل تشمل طيفاً أوسع من عمليات الاحتيال المالي، بما فيها تلك التي تستخدم القنوات الرقمية والحسابات المصرفية لنقل الأموال.

ولا تعني هذه الحوادث بالضرورة وجود حملة عالمية واحدة منسقة، لكنها تكشف عن تنوع أساليب استهداف المؤسسات المالية؛ من انتحال صفة موظفي البنوك والتلاعب بالتحويلات إلى اختراق الموردين ومزودي الخدمات واستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن استخدام الحسابات المصرفية والقنوات الرقمية لنقل الأموال المسروقة وإخفاء مساراتها.

ولا تقتصر تداعيات هذه الهجمات على الأموال المفقودة والبيانات المسربة؛ بل تمتد إلى زيادة الأعباء المالية التي تتحملها المؤسسات لحماية أنظمتها واستعادة عملياتها بعد الاختراقات، في وقت باتت فيه تكلفة الحماية والتعافي جزءاً متزايد الأهمية من إدارة المخاطر في القطاع المالي.

فاتورة متصاعدة للحماية والتعافي

تنعكس المخاطر المتزايدة على حجم الإنفاق الذي تخصصه المؤسسات المالية لتعزيز دفاعاتها الرقمية.

وأظهر استطلاع أجرته شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» ونشرته في فبراير (شباط) 2026، أن نحو 74 في المائة من البنوك حول العالم تخطط لزيادة ميزانياتها المخصصة للأمن السيبراني خلال العام، في مؤشر على تحول الحماية الرقمية إلى أولوية متقدمة في خطط الإنفاق وإدارة المخاطر.

وعلى مستوى الاقتصاد العالمي، تتوقع شركة «غارتنر» ارتفاع الإنفاق على أمن المعلومات إلى 244 مليار دولار في عام 2026، مقارنة بنحو 213 مليار دولار في 2025، علماً بأن هذه الأرقام تشمل مختلف القطاعات الاقتصادية ولا تقتصر على المؤسسات المالية.

وفي المقابل، تكشف تقديرات صندوق النقد الدولي عن حجم الخسائر التي يتعرض لها القطاع؛ إذ بلغت الخسائر المباشرة الناجمة عن الحوادث السيبرانية المبلغ عنها في المؤسسات المالية نحو 2.5 مليار دولار بين عامي 2020 و2023. وحذر الصندوق من أن الخسائر غير المباشرة تتجاوز المباشرة بأضعاف، ما يعني أن التكلفة الفعلية قد تكون أعلى بكثير من الأرقام المسجلة، خصوصاً في ظل عدم الإبلاغ عن جميع الحوادث.

وتشمل هذه الخسائر غير المباشرة تكاليف توقف الخدمات وتعطل العمليات، والتحقيقات الفنية واستعادة الأنظمة والبيانات، فضلاً عن الأعباء القانونية والتنظيمية وتراجع ثقة العملاء. وبذلك، لا تعكس قيمة الأموال المسروقة وحدها حجم الضرر الذي قد يلحق بالمؤسسة؛ إذ يمكن أن تستمر تداعيات الاختراق حتى بعد استعادة الأنظمة وتشغيل الخدمات مجدداً.

ووفق تقرير لوزارة الخزانة البريطانية نشر في يوليو (تموز) 2026، ارتفع متوسط تكلفة التعافي من هجمات الفدية لدى المؤسسات المالية عالمياً إلى 2.04 مليون جنيه إسترليني في عام 2024، باستثناء مدفوعات الفدية، مقابل 1.76 مليون جنيه في العام السابق. ويعكس ذلك ارتفاع الأعباء المرتبطة باستعادة الأنظمة والعمليات، حتى من دون احتساب المبالغ التي قد تدفعها المؤسسات للمهاجمين مقابل فك التشفير أو استعادة البيانات.

صورة توضيحية تظهر رمزاً برمجياً للمخترقين (رويترز)

تهديد للاستقرار المالي

لا تقف تداعيات الهجمات عند الخسائر المالية المباشرة؛ إذ قد تمتد إلى تعطيل الخدمات والمدفوعات والإضرار بثقة العملاء، بما يهدد الاستقرار المالي، خصوصاً مع تزايد الترابط بين البنوك وشركات الخدمات المالية واعتمادها على بنية تكنولوجية مشتركة.

وفي دراسة بحثية نشرها صندوق النقد الدولي في مارس (آذار) 2026، تناولت تطور الحوادث السيبرانية والاحتيال الرقمي في القطاع المالي عبر 162 دولة و20 قطاعاً اقتصادياً، شكلت الحوادث المرتبطة بالقطاع المالي نحو 10 في المائة من إجمالي الحوادث السيبرانية المرصودة خلال العقد الماضي. وتركزت هذه الحوادث بصورة أساسية في قطاعي البنوك والأوراق المالية، بينما اقتربت حالات الاحتيال المدعوم إلكترونياً من 3 أمثال مستوياتها السابقة.

وحذر الصندوق من أن البيانات المتاحة قد تقلل من الحجم الفعلي للمخاطر، بسبب عدم الإبلاغ عن بعض الحوادث والفجوات في البيانات بين الدول. وأشار إلى أن الترابط بين المؤسسات المالية واعتمادها على الأنظمة ومزودي الخدمات المشتركين قد يوسع أثر الهجمات من مؤسسة إلى أخرى، بما يهدد استمرارية الخدمات والمدفوعات وثقة العملاء، وصولاً إلى الاستقرار المالي.

وبذلك، لم تعد حماية الأنظمة المصرفية مسؤولية أقسام التقنية وحدها؛ بل أصبحت جزءاً أساسياً من إدارة المخاطر والحوكمة والرقابة على الأطراف الخارجية. ومع تطور أدوات الهجوم المدعومة بالذكاء الاصطناعي واتساع الاعتماد على الخدمات الرقمية، باتت قدرة المؤسسات المالية على اكتشاف الاختراقات واحتوائها وضمان استمرارية خدماتها، عاملاً مؤثراً في سلامة القطاع المالي ككل.