الغذامي: المثقف أصبح قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة

يرى أن عنوان التحولات في المنطقة العربية هو سقوط النخبة وبروز الشعب

د. عبد الله الغذامي
د. عبد الله الغذامي
TT

الغذامي: المثقف أصبح قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة

د. عبد الله الغذامي
د. عبد الله الغذامي

الفلاسفة العرب المسلمون - كابن خلدون مثلا - حين نظروا إلى الفروقات بين الشعوب وجدوا أنّها خصائص ناتجة من ظروف معيشية وبيئية وليست جوهرا إنسانيا.. هذا ما يذهب إليه المفكر السعودي الدكتور عبد الله الغذامي في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، في الرياض.
ولكن الغذامي اتخذ من ذلك منطلقا لتفسير محاولة بعض المثقفين الانخراط في التحليلات السياسية للأوضاع التي تعيشها المنطقة حاليا وأفرزت معها واقعا جعلت المثقف يعيش حالة من التردد والتحوّل. ولهذا السبب لا يعترف الغذامي بمساهمة المثقف في صناعة التحول الذي انتظم المنطقة العربية، وإننا «إذا أردنا أن نتحدث عن هذا التحول لا بد لنا أن نستبعد المثقف من الصورة، لأنه لا يمثل عاملا أساسيا أو عنصرا فعالا بها، وأي إقحام لمصطلح المثقف هنا، سيكون خارج إطار قراءة الحدث، لأن العنوان الأصلي هو سقوط النخبة وبروز الشعب».
هنا نص الحوار مع الغذامي:

* لوحظ في الآونة الأخيرة أن السياسة غلبت على الثقافة والإنتاج الثقافي وتحوّل عدد من المثقفين إلى محللين سياسيين.. برأيك إلى أي حد يمكن أن نصف مثل هذا المسار العام.. هل هو نتاج ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة؟
- عبارة ثقافة متغيرة هي الأقرب إلى مفهوم هذا الوضع وهي النقطة الأساسية وليست نتيجة لما سبق ولكن ما سبق أشعلها وأنضجها لأن هناك ظروفا مرت على العالم العربي منذ عقود، وأنضجت لحظة من لحظات الغربة في التغيير، فالذي حدث ليس سياسة كما أنه ليس تاريخا مجردا وإنما هو تحوّل في علاقة الإنسان مع محيطه، إذ كان الإنسان في السابق يميل إلى الاستجابة لمحيطه ويسعى قدر الإمكان للتأقلم معه، غير أن هذه الظروف يبدو أنها بلغت درجة من الحرارة، بحيث أنتجت هذه الرغبة العارمة للتغيير، مع إقراري بأن ذلك له ثمنه، ولكن هذه حقيقة المسألة. إنها لحظة من لحظات التغيير النوعي في علاقة الإنسان مع ظروفه.
* أنت تتحدث عن الإنسان بشكل عام ولكن لو تحدثنا عن المثقف تحديدا.. إلى أي حد كان متجاوبا مع هذا التحوّل، وهل هو صانع أم مستجيب أم متلق، وأين يقف الآن في ظل ما يحدّث من تحول في المنطقة العربية؟
- (مقاطعا) لا.. إذا أردنا أن نتحدث عن هذا التحول لا بد لنا أن نستبعد المثقف من الصورة، لأنه لا يمثل عاملا أساسيا أو عنصرا فعالا بها، وأي إقحام لمصطلح المثقف هنا، سيكون خارج إطار قراءة الحدث، لأن العنوان الأصلي هو سقوط النخبة وبروز الشعب، ولذلك استعادة المثقف مرة أخرى ولو على المستوى الافتراضي والذهني سيضلل التحليل والنظرة، وبالتالي لن نصل إلى شيء، لأن التغير الذي صار حاليا هو تغير مضاد للظروف كلها ومن بينها المثقف بوصفه ظرفا، حيث إنه صار الآن قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة.
* هناك سجال حول إسهام العرب والمسلمين في بناء حضارة العالم من ناحية تقدمية وأمنية ومستقبلية.. كيف تقرأ مثل هذا السجال وهل هذا مفيد لشباب وسائط التواصل اليوم؟
- الإنسان العربي لكي يدخل في هذه الحضارة ويكون فاعلا بها، ومنفعلا معها أو يكون خارجها، هذه كلها تعود إلى شيء واحد فقط، وهو أن تعمل ولذلك مجرد أن يعمل الإنسان فهو يبني حضارة، وفكرة أن يعمل الإنسان العربي إحدى أهم إفرازات مفهوم الربيع العربي، إذ هذا المصطلح جرى تداوله عالميا، وأصبح منتجا رمزيا وذهنيا عربيا، وهذا المنتج مثله مثل أي منتج، إذ لا تنتج السيارة مثلا وتنساها بل تظل تتابعها في كل المراحل منذ تسويقها وتوفير قطع غيارها والضمان عليها إلى ما إلى ذلك، بمعنى أن مصطلح الربيع العربي الذي تحوّل إلى منتج معقد، لا بد من أن نتابعه بصيانته ومعالجته وإعطائه حقوقه بتسويقه على أنفسنا وعلى التاريخ، لأنه يمثل لحظة تحد بما أنه إنتاج. ولذلك إذا أتقنا هذه الصناعة التي تدعى الربيع العربي، فمعنى ذلك أننا دخلنا الحضارة. وإذا فرطنا به وأهدرناه فسنكون مجرد حدث في التاريخ وانتهى الأمر. ولذلك، وفي إجابة سابقة قلت لك، إنه ليس مجرد حدث تاريخي، لأنه لو صار مجرد حدث تاريخي فسيبقى مجرد فصل من فصول كتاب ويوميات التاريخ، وينتهي هنا أمره. أما إذ حولناه وهذا هو حقه علينا فسيصير معنى يمثل الإنسان العربي في هذه المرحلة وهذا ممكن جدا، ذلك أن الذي صنع الربيع العربي بمقدوره العمل على حفظه وصيانته وتحقيقه عمليا وإنجازيا، وكان بالإمكان أن يكون أمام كل الدول التي أنتج فيها ربيع عربي، أمل بأن يكون مستقبلها ربيعا عربيا وليس فقط في العامين الماضيين فقط. أنت كعربي تنتظر هذا المستقبل الذي يكون يانعا ربيعيا غير أن له في حقيقة الأمر ثمنا لأنه ما من أمر مهم في حياة الإنسان يأتي على طبق من ذهب، إذ أن حتى الورد يحمي نفسه بالأشواك على حدتها ومرارة لسعها وحتى الماء لا بد من تصفيته من الكدر لكي نشربه وملابسنا نغسلها من الدرن لنلبسها وهكذا دواليك، فالأفكار والمصطلحات لا بد لنا أن نعاملها كما نعامل كل تلك الحاجيات الضرورية اليومية، بحيث نعتني بها ونجليها لكي تكون صالحة للاستخدام.
* بين متطلبات التغيير الفكري وصناعة المستقبل تبرز الحاجة لإرساء ثقافة تغيير.. ما أهمية العمل على ذلك؟
- أعتقد أن أول المتطلبات يبدأ من صناعة العمل كأن تصنع شيئا مثل الربيع العربي، ولا بد أن تعطيه حقه ليظل ربيعا، وهذه منظومة كبيرة من الشروط الذهنية والعملية والسياسية وشروط التجربة وشروط الوقوع في الأخطاء ثم تصحيح الأخطاء، إذ التجربة العملية لم تنجح في تاريخ العلوم كلها، إلا باستثمارها لأخطائها وعبر تصحيح هذه الأخطاء، فهي منظومة من الأخطاء تنتهي أخيرا إلى استبعاد هذه الأخطاء والوصول إلى صواب، ولذلك لا بد لنا أن نمر عبر منظومة من الأخطاء مع أهمية ألاّ نتركها تكسر ظهورنا وأحلامنا، في ظل ملاحظة أن الناس عندما تشن مظاهرة أو أن شرطيا يقتل متظاهرا في بنغازي مثلا، لا ينبغي التسليم بأن الربيع العربي انتهى لأن هذا هو ثمن التغيير والتغيير الكبير مقابله ثمن كبير، إذ لا بد أن يكون لنا من الحيز ما يجعل الوسط الثقافي والحضاري صبورا وحكيما حتى نصنع من هذا الحدث قيمة، وإلا سينتكس إلى مجرد مناسبة كالتصفيق وهدف يحاول يسجله ناد رياضي من الأندية. علينا أن ننتظر النتيجة النهائية وهي سجال يحتمل الربح والخسارة ولكن من المهم أن نصيب الهدف الذي نرمي إليه.
* في القرن التاسع عشر قد برزت كتابات لمثقفين غربيين منها مقولة الشاعر البريطاني رديارد كيبلنغ الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب».. برأيك هل هذه المقولة تصنيفية وإلى أي تغلّب ثقافة الصراع على ثقافة الحوار؟
- لا أعتقد أن أحدا سيأخذ مقولة الشاعر البريطاني رديارد كيبلنغ الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» مأخذ الجد الآن لأنها عديمة المعنى، إذ أن المعنى الصحيح أن الإنسان في صراع مستمر، فإن لم يصارع عدوه سيصارع نفسه. المسألة ليست أن الغرب يصارع الشرق، إذ أن الشرق يتصارع مع الشرق نفسه، وكذلك الغرب يتصارع مع الغرب، والمنتج الصناعي يتصارع مع المنتج الصناعي. من البداية أشار برتراند راسل إلى ثلاث خصائص تشبه الخلاصة للحضارات، الخاصية الأولى التنافسية والخاصية الثانية طلب المجد، والخاصية الثالثة طلب الشهرة، فالإنسان يبدو غريزيا أنه مدفوع بالعناصر الثلاثة، فهو كائن تنافسي بالضرورة، وهو راغب في المجد حتى على المستوى الشخصي، كما أن عنصر الشهرة، يعطي مفعولا كبيرا لدى الإنسان، لأنه يريد عندما يعمل عملا ما أن يعرف الناس ذلك مثله مثل الرياضي الذي يريد أن يصفق له المشجعون، تماما كما هو مفهوم الجوائز والأوسمة وشبيهاتهما، ولذلك لا نقول: «شمال شرق غرب جنوب» فهذه سهلة جدا، لأن كلا منّا يستطيع أن يذهب في الاتجاه المتقدم ويترك المتخلف وهي معادلة غير صحيحة، أما المعادلة الصحيحة فهي أن الإنسان كفرد هو كائن تنافسي وبالتالي تناحري في الوقت نفسه، فإما أن تحكمه عبارة «أنا أفضل منك أو أنت أفضل مني» أو يتبع أسلوب هابيل وقابيل وأحدهما يقتل الثاني، فيمتد من نقطة بسيطة إلى نقطة قصوى. التاريخ كله كذلك في شتى أنحاء العالم، ولذلك المسألة ليست أن هناك فرقا بين هذا وذاك والفرق ليس عرقيا وليس عقليا وليس بالجينات، إذ أن الفرق بالعمل. وخير مثال على ذلك نمور آسيا وكلهم شرق ومع ذلك صاروا نمورا كما هو الحال في شرق الشرق (الصين واليابان)، والسؤال هل هي تنافس أميركا وأوروبا؟ نحن نعرف أن المنافسة الكبيرة بين كوريا الجنوبية وأميركا في بعض المنتجات وصلت إلى المحاكم والحروب القانونية وحاليا المنافسة الاقتصادية بين الصين وأميركا، فالقضية هي أن تعمل وإن عملت فستجد لك موقعا، ولذلك فالربيع العربي هو منتج إذا لم نعطه حقه سيضيع هذا المنتج وإن خدمناه سيكون منتجا عربيا فعليا ويضعنا في مراكز متقدمة في الثقافة الإنسانية.
*.. ولكن كيف نخدمه؟
- نعطيه حقه ونشتغل حتى يصير ربيعا فعلا، كأن ندخل العملية الانتخابية ونعزز الديمقراطية، وندخل بسياسة اقتصاد فاعلة إذ الشعب العربي ثار ضد الظلم.. فكيف يرفع الظلم عنه؟ هذا لا يكون إلا بسياسات واقتصاديات معرفية ناجحة. هذا ما يعنى به الربيع العربي، فإن لم تتحقق عبره هذه الخطى سيكون مجرد حدث تاريخي وانتهى الأمر.
* يعتقد البعض أن الفكرة الأحادية أدت إلى انشطار إنساني حضاري يواجه الثقافات والحضارات فإما مسار صراع وإما مسار حوار.. كيف تفسر ذلك؟
- لا يوجد حوار في الكون بل هناك صراع، ولذلك دعنا نعود إلى العنوان الأساسي. إن هناك تنافسية، وداخل التنافسية هناك مائة مصطلح، منه ما يمكن حوله أن تحاور أو تصالح أو تهادن أو تناحر أو تقاتل وغيرها. ففي الحقيقة، لا أصل لمقولة الأخلاق الرياضية، بمعنى قبول الهزيمة، إذ أنه لا يوجد رياضي يقبل الهزيمة، ولكن يمكن أن يكون هناك أمل وتصوّر مثاليان، وإنما أن تجد إنسانا يقبل هزيمة، ولو وجد ذلك لكان أمرا عظيما غير أن ذلك من النوادر، وليس هو الذي يفسر حركة الشعوب، حيث إن هناك أفرادا يتسامون سموا عاليا وكبيرا جدا ولكن هؤلاء قلة في كل التاريخ سواء في الشرق أو الغرب. فإذا ذهبت إلى أثينا وأردت أن تتذكر من كان من سكانها فإنك لن تتذكر إلا أرسطو وأفلاطون فيما ذهب الباقون إلى مثواهم. عموما هناك نوادر ولكن ليست النمط لكل شيء. ومع إيماننا بالحوار إلا أن الواقع يقول بخلاف ذلك، فالناس يتحاورون طالما كانوا في حالة اطمئنان اقتصاديا ومعيشيا ونفسيا، ولكن أي خلل ما بين منظومة ومنظومة يحوّل الحوار إلى الصراع.
* الفلاسفة العرب المسلمون- كابن خلدون مثلا- حين نظروا إلى الفروقات بين الشعوب وجدوا أنّها خصائص ناتجة من ظروف معيشية وبيئية وليست جوهرا إنسانيا..
- (مقاطعا).. هذه حقيقة وكان ذلك واضحا بعد دخول العرب الأندلس والغرب وأميركا عموما، حيث كان هناك اعتقاد لدى البعض منهم بأنهم يمكنهم تغليب الثقافة العربية على غيرها من الثقافات، غير أن الطفرة التي مرت بها أوروبا وأميركا غلبت ثقافات أخرى، وعملت جديا على ذلك، إذ غلبت عليها الثقافة اليهودية والثقافة المسيحية، أي المتكئة على الدين.. وأعتقد أن ذلك كان نتاجا طبيعيا لإفرازات الظروف التي عاشتها الشعوب آنذاك وهي بالفعل ظروف بيئية ومعيشية وليست جوهرا إنسانيا كما ذكرت.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».