من منصة الاعتصام... صراع الدولة المدنية على إيقاعات الشباب

«المؤتمر السوداني» لـ «الشرق الأوسط»: حمدوك أبرز المرشحين لرئاسة الحكومة الانتقالية

شباب سودانيون محتجون امام مقر الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
شباب سودانيون محتجون امام مقر الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

من منصة الاعتصام... صراع الدولة المدنية على إيقاعات الشباب

شباب سودانيون محتجون امام مقر الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
شباب سودانيون محتجون امام مقر الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

الزائر للخرطوم هذه الأيام، لن يفكر طويلاً في البحث عن أماكن لقضاء الوقت... هو خيار يبدو وحيداً، ليس لمعلم سياحي، أو معرض أو لرحلات أو سهرات نيلية... الخيار الأول هو زيارة ميدان الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش.
عالم يضج بالحيوية والحماس... روح الثورة وقلبها النابض، إنها مدينة داخل مدينة.
سكان الخرطوم جميعاً لا يحلو لهم شيء، مثل قضاء النهار، أو الليل، في ساحة الاعتصام، الممتدة على طول نحو 7 كيلومترات، لتشمل معظم شوارع وسط العاصمة بكامل شارع الجيش، وأجزاء كبيرة من شوارع البلدية والجمهورية والجامعة، وجزءاً من شارع النيل.
عائلات بكامل أفرادها تقضي جزءاً كبيراً من الليل، بين أركانها... منصات سياسية لكل حزب، وأركان للنقاش، مسارح يؤمها مطربون كبار، مطاعم على جنبات الطريق، عيادات صحية ونفسية، شرطة أهلية، وخدمات من كل نوع.
متنزهات العاصمة الليلية الممتدة على شارع النيل تشكو قلة الزوار، تأثرت بشكل كبير، جراء عزوف الناس، وتوجههم إلى ميدان الاعتصام النابض بالحياة وسط الآلاف من البشر.
الميدان له طقوس وآداب، تبدأ من بوابات الدخول التي صنعها المعتصمون من متاريس حجرية ضخمة، حيث يتم تفتيش الداخلين إلى الميدان، بعبارات باسمة مثل «ارفع إيدك فوق... التفتيش بالذوق»، «ارفع إيدك حبة... التفتيش بمحبة». ونقاط التفتيش منتشرة بكثرة على طول الطريق.
يقول محمد سليمان سيك، يعرّف نفسه بأنه «خريج قديم»: «التفتيش للتأكد من أن الزائر لا يحمل أي أدوات يمكن أن تُستعمل كسلاح، فالثورة سلمية... وهذا سر نجاحها».
وعلى طول الشارع، تشاهد اللافتات التي ترفع شعارات الثورة، ممهورة بأسماء نقابات وجمعيات وشركات، ومناطق تمثل كل مدن السودان. نقابات الأطباء والمحامين والطلاب والصيادلة، والزرّاع، وحتى الجزارين والعمال المهنيين، الكل يحاول تسجيل اسمه ونقابته ضمن قائمة الحضور؛ فلا تكاد توجد نقابة أو هيئة غير حاضرة، وسط مكبرات الصوت التي تصدح بالأناشيد الوطنية التي تلهب المشاعر.
يقول سليمان (30 عاماً): «نحن نسهر على حراسة الثورة. أنا هنا منذ اليوم الأول، 6 أبريل (نيسان)، لم أبرح هذا المكان. الشعب السوداني كله مع (تجمع المهنيين)، هو منصته الشرعية». يضيف: «ليس لدي شك في أن التجمع يمثل كل السودانيين، فالمدن انتفضت بتعليمات منه، وأسقط أكبر نظام عسكري في المنطقة كلها بنداءاته. المدن الآن تزحف للخرطوم بأوامره. أنا لا أشك أبداً في أنه يملك اليد العليا في التغيير الكبير الذي حدث في السودان».
داخل الميدان تشاهد معتصمين للشرطة السودانية يحملون شعارات تطالب بتطهير صفوفها... وتشاهد عناصر الجيش يطوفون بين المعتصمين، يحثونهم على البقاء والاستمرار حتى بلوغ غايتهم القصوى، وهي تسليم السلطة للمدنيين.
تقول ريما نصر الدين طالبة بجامعة الخرطوم كلية الطب البيطري: «لن نغادر هذا المكان قبل تلبية جميع مطالبنا؛ بتسليم كامل السلطة للمدنيين، لن نقبل أنصاف الحلول. ولن نسمح لأحد بأن يسرق ثورتنا». وتقول: «المكان هنا آمن جداً. أنا أقضي الليل كله هنا؛ هناك لجان أمنية تعمل على حراستنا». وتشير إلى أن «هناك بعض حالات التحرش اللفظي ظهرت أخيراً، وظهرت في المقابل حركة مناهضة لها اسمها (ميدانك)، سجلت بعض الحالات، وتمت تسويتها بواسطة محاكم داخل الميدان يرأسها ضباط كبار في الشرطة».
منطقة الجيش المحظورة التي لم يكن أحد يستطيع أن يقترب منها، أصبحت مباحة الآن لآلاف الشباب الثائرين والغاضبين... لم تنجح كل محاولات الجيش، ومِن قبله أمن النظام البائد، في الاقتراب منها أو فضها.
حاول قادة الجيش فضها مراراً، فوقف في وجههم الآلاف بهتافاتهم قائلين: «الترس ما بنشال... الترس وراه رجال».
على طول الطريق تشاهد عدداً من المنصات السياسية يقيمها قادة أحزاب سياسية معروفة، هناك منصة لحزب «المؤتمر السوداني»، يتحدث فيها زعيم الحزب السابق إبراهيم الشيخ، ونائب رئيس الحزب خالد عمر، ومنصات أخرى لأحزاب «الوحدوي» وزعيمه أمين سعد، و«الشيوعي» بقادته وعناصره، وغيرها من الأحزاب.
إبراهيم الشيخ القيادي البارز في حزب «المؤتمر السوداني»، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن قرار الاعتصام قرار عبقري من حيث المكان والزمان «فاختيار مقر القيادة وفي ذكرى انتفاضة 6 أبريل التي أزاحت نظام الرئيس جعفر نميري كان قراراً موفقاً».
يخشى كثير من السودانيين ضياع ثورتهم بعد معاناة عاشوها طوال ثلاثة عقود، إذا ساد بين المعتصمين الملل جراء طول عمر الاعتصام، لكن الشيخ يرى أن «الزخم لم يقل، والثورة ما زالت مشتعلة في صدور السودانيين»... والحديث عن الملل لا يبدو واقعاً، في نظره... «فالقطارات المقبلة من الولايات، لا تزال تحمل الآلاف من المحتجين إلى داخل العاصمة، جاءوا من مدن عطبرة، ومدني، وحتى من أقاصي دارفور وكردفان... هم يشعرون بأن الثورة لم تحقق أهدافها».
من الواضح في ميدان الاعتصام أن الهدف الأقصى هو الحكم المدني، والوصول لهذا الهدف لا يزال بعيد المنال، لكن الثوار مصممون على البقاء حتى تحقيق هذا الهدف.
يقول الشيخ: «لا خيار أمام المجلس العسكري سوى تسليم السلطة بالكامل للمدنيين. نحن ثُرنا ضد حكم عسكري، ولا نريد استبدال حكم عسكري آخر به»، ويضيف: «العالم كله لن يقبل بواجهة عسكرية بعد الآن، وقوانين الاتحاد الأفريقي لن تقبل ذلك، فمن الأفضل للعسكريين، وهم إخوتنا، أن يتجهوا لحفظ الأمن وحماية البلد... هذه هي مهمتهم الأولى والأخيرة».
الخوف يسيطر على كثيرين من بطء السياسيين في تحقيق أهداف الثورة، فلا يزالون يواصلون التفاوض فيما بينهم، لتحديد أسماء المرشحين للحكومة المدنية الانتقالية، ويشير البعض إلى عواقب وخيمة جراء التأخير، الذي يمنح العسكر فرصة للتمكين، لكن الشيخ يقول: «إن هذا الخوف ليس في محله، فالعمل يجري على قدم وساق لتحديد المرشحين للحكومة الانتقالية والمجلس السيادي والمجلس التشريعي»، ويضيف: «التأني شيء طبيعي في مثل هذه الظروف»، ويشير إلى أن قوى التغيير تقوم بتقديم أسماء المرشحين للمناصب المختلفة».
ويشير إلى أن «الموظف الأممي عبد الله حمدوك، يُعدّ أبرز المرشحين لوظيفة رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية». وبحسب الشيخ، فإن العمل يجري أيضاً لوضع سمات وصلاحيات وسلطات المجلس السيادي، قائلاً: «ينبغي أن تنحصر في اعتماد قرارات الحكومة الانتقالية والتمثيل الدبلوماسي والتمثيل الخارجي للسودان، على أن تمنح الحكومة الانتقالية جميع الصلاحيات التنفيذية».
ورغم أن الجانبين يكادان من حيث المبدأ يتفقان على معظم الإجراءات، فإن لغة التصعيد والتصعيد المضاد لا تزال هي لغة الميدان السائدة حتى الآن... وإن كانت ضائعة وسط أنغام وإيقاعات الشباب الصاخبة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.