تزايد الضغوط على المجلس العسكري السوداني لتسليم السلطة للمدنيين

الجيش تعهد بتأمين الثورة... وحراك الشارع يخطط لمليونية

أحد رموز الحراك يتحدث أمام المعتصمين في الخرطوم أمس (تصوير: مصطفى عمر)
أحد رموز الحراك يتحدث أمام المعتصمين في الخرطوم أمس (تصوير: مصطفى عمر)
TT

تزايد الضغوط على المجلس العسكري السوداني لتسليم السلطة للمدنيين

أحد رموز الحراك يتحدث أمام المعتصمين في الخرطوم أمس (تصوير: مصطفى عمر)
أحد رموز الحراك يتحدث أمام المعتصمين في الخرطوم أمس (تصوير: مصطفى عمر)

تزايدت الضغوط على ضباط الجيش السوداني الذين أطاحوا بالرئيس المعزول عمر البشير، لتسليم السلطة لحكومة مدنية، ففي الوقت الذي أعلن فيه تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» عن مسيرة مليونية لممارسة جديدة حشد لها كل طاقاته، جاءت ضغوط من جهات أخرى خارجية، حيث دعا الاتحاد الأفريقي «المجلس العسكري الانتقالي لتسليم الحكم إلى سلطة انتقالية مدنية في غضون 60 يوماً».
وقال عضو لجنة التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي، علي الريح السنهوري، لـ«الشرق الأوسط» أمس: إن المجلس العسكري الانتقالي نقض اتفاقه مع ممثلي «قوى إعلان الحرية والتغيير»، وعقد مؤتمرين صحافيين حاول خلالهما إيصال رسالة إلى المعتصمين بأن لجنة التفاوض غير متسقة ومترددة، لتبرير تمسكهم بالسلطة.
وأوضح الريح، أن لجنة التفاوض ستواصل التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي، وفي الوقت ذاته تواصل الضغط عبر تصعيد العمل الجماهيري، ومواصلة الاعتصام، بما في ذلك المسيرة المليونية المقررة اليوم، بالإضافة إلى اتخاذ خطوات تصعيدية أخرى يتم اتخاذ قرارات بشأنها حال واصل «العسكري» تعنته وتصريحاته الاستفزازية.
من جهة أخرى، قال الاتحاد الأفريقي في بيان أمس، إنه يشعر بألم عميق لأن الجيش في السودان لم يتنح ويسلم السلطة للمدنيين خلال فترة الخمسة عشرة يوماً التي حددها الشهر الماضي، مهدداً بتجميد عضوية السودان.
وأوضح الاتحاد المكون من 54 دولة أفريقية، أن الستين يوماً هي آخر تمديد للمجلس العسكري لتسليم السلطة لمدنيين، قبل أن ينفذ وعيده بتجميد عضوية حكومة الخرطوم العسكرية في الاتحاد الإقليمي.
ونص الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الموقع سنة 2007، على رفض وحظر و«إدانة التغييرات غير الدستورية للحكومات في الدول أعضاء الاتحاد الأفريقي»، واعتبرته تهديداً خطيراً للاستقرار والسلم والأمن والتنمية في القارة.
ويفرض الميثاق عقوبات على الدولة التي تشهد تغييرات غير دستورية للحكومات، بحرمانها من حق المشاركة في أنشطة الاتحاد، وتعليق عضويتها على الفور، ومحاكمة قادتها، وعدم استقبالهم أو توفير المأوى لهم، وتسليمهم للجهات التي تطلبهم، فضلاً عن فرض عقوبات وإجراءات اقتصادية تأديبية على حكومتهم.
وأمهل مجلس السلم والأمن الأفريقي المجلس العسكري الانتقالي فترة 15 يوماً لتسليم السلطة لمدنيين، بيد أن مؤتمر القمة الذي عقد في القاهرة الشهر الماضي بشأن الأوضاع في السودان، أوصى بإمهال العسكريين ثلاثة أشهر لتسليم السلطة للمدنيين.
وقطع عسكري بارز في الجيش السوداني بعدم إطلاق رصاصة واحدة تجاه الشعب، وتعهد بالوفاء للشعب وثورته، وأن يقف إلى جانبه ويحميه من التخريب والانفلات الأمني.
وقال رئيس أركان الجيش السوداني، هاشم عبد المطلب، في مؤتمر صحافي مع نظيره القادم من دولة جنوب السودان غابريال ريال: إن قوات الجيش ستحافظ على وفائها للشعب، وستقف إلى جانبه ضد التخريب والانفلات الأمني، وستحمي الثورة حتى تحقق أهدافها.
وتشديداً على أهمية استقرار الأمن في البلاد، قال العسكري البارز: إن «العيش بأمان» حق لكل الناس، بيد أنه سارع إلى تأكيد مسؤولية قوات الجيش في الحفاظ على الأمن بقوله: «لن نترك البلاد للفوضى»، دون أن يحدد الفوضى التي يقصد.
وكان نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قد توعد أول من أمس بـ«حسم الفوضى»، والمتمثلة في أخذ الحق باليد، والاعتداءات على «أنصار النظام المعزول»، والقيام بسلطات من اختصاص القوات النظامية، مثل تفتيش المواطنين وإيقافهم دون صفة قانونية.
ووصل رئيس أركان جيش دولة جنوب السودان إلى البلاد في زيارة رسمية تستغرق يومين، ضمن جولة مشاورات تجريها البلدان، والتقى خلالها نظيره في الجيش السوداني، وأكد له وقوف بلاده مع إرادة شعب السودان في التغيير.
وتعهد العسكري الجنوبي بالعمل مع السودان من أجل استتباب الأمن في البلدين الجارين، وقال: «لن نسمح بزعزعة الأمن والاستقرار في السودان».
وتجئ زيارة رئيس أركان جيش جنوب السودان للخرطوم، بعد ثلاثة أسابيع من انحياز الجيش للثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس المعزول عمر البشير، الذي يعد حليفاً رئيسياً لجنوب السودان، وسمح لهم بإقامة استفتاء تقرير المصير وفقاً لاتفاقية السلام السودانية (نيفاشا)؛ ما أدى إلى تكوين دولتهم المستقلة في 2011.
ومنذ عزل البشير، دأبت قوى «إعلان الحرية والتغيير» التي قادت الثورة ضد النظام المعزول، بتكوين «مجلس رئاسي مدني»، يقوم بالمهام السيادية، ومجلس وزراء من الكفاءات، ومجلس تشريعي انتقالي.
من جهتها، أعلنت وزارة خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة تأييدها لانتقال منظم وسلس للسلطة في السودان، وقال وزير الدولة في الخارجية، أنور قرقاش، في تغريدة على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: إن الدول العربية تدعم انتقالاً منظماً وسلساً للسلطة في السودان، وأضاف: «هذا الانتقال يجب أن يجمع بين التطلعات الشعبية والاستقرار المؤسسي»، وتابع: «منطقتنا شهدت أعمالاً فوضوية كثيرة، ولسنا بحاجة للمزيد منها».
وأجبرت الثورة السودانية المستمرة منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) الرئيس المعزول عمر البشير على التنحي، في 11 أبريل (نيسان) الماضي، كما أجبرت نائبه الذي انقلب عليه، عوض بن عوف، على التنحي نتيجة للضغط الشعبي.
ويعد يوم السبت 6 أبريل مفصلياً في تاريخ الثورة السودانية، فقد دعت قوى «إعلان الحرية والتغيير» إلى موكب أمام القيادة العامة للجيش، واستجاب لها مئات الآلاف من المواطنين، تحول إلى اعتصام شارك فيه أكثر من مليون شخص.
ودفع الاعتصام والحشود البشرية صغار ضباط الجيش للانحياز للمواطنين العزل بمواجهة الهجمات الليلية التي كانت تشنها أجهزة الأمن وميليشيات حزب المؤتمر الوطني الحاكم وقتها، مخالفين بذلك التعليمات العسكرية، قبل أن تضطر قيادة الجيش إلى عزل البشير.
ورفض المعتصمون نائب المعزول عوض بن عوف رئيساً للمجلس العسكري، واعتبروا «انقلابه مسرحية سيئة الإخراج»، وأمام ضغط الجماهير، أعلن ابن عوف تنحيه، ونقل رئاسة المجلس للمفتش العام للجيش وقتها، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
تعهد البرهان في أول بيان له بعد تسميته رئيساً للمجلس العسكري الانتقال بتصفية النظام المباد ومحاكمة رموزه، بيد أنه كوّن مجلساً عسكرياً انتقالياً رفضه الثوار، وواصلوا المطالبة بتسليم فوري للسلطة لحكومة مدنية.
وطلبت قوى «إعلان الحرية والتغيير» من المعتصمين مواصلة اعتصامهم أمام قيادة الجيش حتى تحقيق كامل مطالبهم في سلطة مدنية، مهددة بتصعيد متواصل يبلغ مرحلة الإضراب السياسي لإجبار الجيش على التنحي.
وتبعاً لهذا الطلب، واصل الثوار الاعتصام الذي استمر قرابة الشهر، وتعهدوا بمواصلته حتى تحقيق أهداف ثورتهم، وتسليم السلطة لحكومة مدنية بتمثيل عسكري محدود، غير عابئين بمقدم شهر رمضان المعظم، وهو الأمر الذي يثير قلق العسكريين المتمسكين بالسلطة رغم تأكيد زهدهم فيها. وأول من أمس، وإثر تحذيرات وجهها نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بحسم ما أسماه الفوضى، فهمت بأنها محاولة لفض الاعتصام، دعا «تحالف قوى الحرية والتغيير» إلى مسيرة مليونية ينتظر أن تلقى استجابة واسعة، وأن يشارك فيها الملايين، ولا سيما بعد وصول مواكب من معظم مدن السودان، بعضها قطعت آلاف الأميال للوصول إلى مقر الاعتصام أمام قيادة الجيش بالخرطوم، ولا سيما من ولايات دارفور في أقصى الغرب، ولايات جنوب وشمال وشرق البلاد.



بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.

 

 


نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
TT

نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)

اتسعت عمليات العبث والنهب التي تطول المواقع الأثرية في مناطق سيطرة الحوثيين لتصل إلى مدينة ظفار، عاصمة مملكة حِمْيَر التاريخية، والواقعة حالياً في محافظة إب وسط اتهامات لنافذين بالتورط في أعمال تنقيب غير مشروعة، وتحذيرات من باحثين ومهتمين بالتراث من ضياع ما تبقى من الإرث الحضاري اليمني في ظل غياب الحماية والمحاسبة.

ويؤكد باحثون ومهتمون بالآثار أن الحرب التي أشعلها الحوثيون فتحت الباب أمام موجة غير مسبوقة من تهريب الآثار، حيث يقدَّر خروج أكثر من عشرين ألف قطعة أثرية إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية، في وقت تتعرض فيه مواقع تاريخية عديدة لعمليات نهب متواصلة تهدد بفقدان شواهد مهمة من تاريخ اليمن القديم.

توثيق عمليات تنقيب غير مشروعة في مواقع أثرية يمنية (إعلام محلي)

وقال سكان في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) إن نافذين في مديرية السدة نفّذوا، نهاية الشهر الماضي، عمليات حفر في قرية العرافة الواقعة ضمن منطقة ظفار الأثرية، مستخدمين أجهزة كشف متطورة للبحث عن الكنوز واللقى الأثرية.

وأوضحوا أن أعمال الحفر استمرت ثلاثة أيام متواصلة وشملت عدداً من المواقع التاريخية، قبل أن يغادر المنقبون المنطقة بعد الاستيلاء على مقتنيات أثرية مجهولة القيمة.

اختفاء الحراسة

حسب إفادات السكان، فإن أفراد الحراسة المكلفين بحماية المنطقة الأثرية اختفوا طوال فترة الحفر، رغم أن عددهم يتجاوز ثلاثين شخصاً، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة حول وجود تواطؤ أو تغاضٍ متعمَّد عن عمليات النهب.

وأكد الأهالي أن اللصوص غادروا لاحقاً باتجاه مديرية يريم المجاورة دون أن يواجهوا أي اعتراض، في حين لم تتخذ الجهات المختصة أي إجراءات رغم إبلاغها بما جرى. كما أشاروا إلى أن إدارة الآثار في المحافظة لم تتفاعل مع البلاغات المقدمة إليها، الأمر الذي عزز المخاوف من استمرار الاعتداءات على المواقع التاريخية.

مواقع أثرية في مأرب تواجه الإهمال وسط دعوات لتعزيز الحماية (إعلام محلي)

وتساءل السكان عن جدوى وجود قوة مكلفة بحراسة المنطقة تمنع المواطنين من الاقتراب منها، بينما تغيب خلال عمليات الحفر والنهب، محمِّلين مكتب الآثار في المحافظة وإدارة آثار مديرية السدة وطاقم الحراسة مسؤولية التقصير في حماية المواقع الأثرية وصون محتوياتها.

ويقول باحثون ومهتمون بالتراث في محافظة إب إن نهب الآثار تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متكررة تهدد بفقدان جزء مهم من الهوية الحضارية لليمن، داعين إلى تشكيل لجنة تحقيق ميدانية للكشف عن ملابسات الواقعة وضبط المتورطين واستعادة القطع المنهوبة وإيداعها في المتحف المحلي.

دعوات للطوارئ

وفي تطور موازٍ، أطلق أكاديميون وباحثون ومهتمون بالشأن الأثري نداءً لإعلان «حالة طوارئ مجتمعية وثقافية» لحماية أبرز المواقع الأثرية في محافظة مأرب، وفي مقدمها معبد أوام المعروف بـ«محرم بلقيس» ومقبرته التاريخية، إلى جانب معبد برّان الشهير بـ«عرش بلقيس».

وانتقد الموقِّعون على بيان بهذا الشأن ما وصفوها بحالة الصمت تجاه الأخطار التي تواجه هذه المعالم التاريخية، معتبرين أن الجهات المعنية بحماية التراث الثقافي، إضافةً إلى السلطات المحلية، تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن استمرار التدهور والإهمال.

وأكد البيان أن حماية المواقع الأثرية لا تتحقق عبر البيانات والتصريحات فقط، وإنما من خلال إجراءات عملية تشمل الرقابة والحراسة الدائمة ومنع الاعتداءات والتعديات، محذراً من أن استمرار التجاهل قد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها.

ورأى الباحثون أن أي ضرر يلحق بمعبد أوام أو مقبرته التاريخية سيشكّل دليلاً على فشل المؤسسات المعنية في أداء واجباتها، وسيسجَّل كواحد من أسوأ مظاهر التفريط بالتراث الوطني اليمني، نظراً إلى ما تمثله هذه المواقع من قيمة حضارية وإنسانية تتجاوز حدود اليمن.

ودعا البيان الأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني إلى ممارسة مزيد من الضغط من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المواقع الأثرية ومحاسبة المقصرين، مشدداً على أن تلك المعالم ليست ملكاً لمنطقة أو جيل بعينه، بل تمثل إرثاً وطنياً وإنسانياً ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

في السياق ذاته، وصفت المهتمة بالآثار تهاني يوسف ما تتعرض له معابد مأرب التاريخية من إهمال بأنه «جريمة بحق التاريخ والهوية اليمنية»، مؤكدةً أن الوقت لم يعد يسمح بالاكتفاء بمتابعة ما يحدث من بعيد، داعيةً السلطات والمؤسسات المختصة إلى الانتقال من مرحلة البيانات إلى خطوات عملية تضمن حماية هذه الكنوز الحضارية من العبث والاندثار.


تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)

حذَّر تقرير أممي من أن استمرار انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية إلى جانب إيران، بالتزامن مع التراجع الحاد في التمويل الإنساني، يهدد بدفع اليمن نحو مرحلة أكثر خطورة من الأزمة الإنسانية، في وقت أُغلق فيه أكثر من 450 مرفقاً صحياً، بينها 76 مستشفى، نتيجة نقص الموارد المالية وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

وأكد التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أن أي تصعيد عسكري جديد أو ردود انتقامية مرتبطة بانخراط الجماعة الحوثية في الحرب الإقليمية، قد تؤدي إلى موجات نزوح إضافية وسقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ ومنشآت التخزين، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الأوضاع المعيشية لملايين اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ودعا التقرير المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لسد فجوة التمويل المتفاقمة، محذراً من أن استمرار تقليص المساعدات الإنسانية سيؤدي إلى فقدان مزيد من الأرواح وتعريض المجتمعات المحلية لمزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار، فضلاً عن اقتراب الخدمات الأساسية من نقطة الانهيار.

نقص التمويل أدى إلى إغلاق 76 مستشفى ومئات المرافق الصحية في اليمن (الأمم المتحدة)

وتقول المنظمة الدولية، إن التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة لليمن، بعد انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية من خلال هجمات استهدفت إسرائيل. وأوضح التقرير أن دائرة الصراع بدأت بالفعل في استدراج أطراف متعددة، ما يزيد من احتمالات توسع النزاع وانعكاساته على الوضع الإنساني في اليمن.

وحذرت المنظمة من أن أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف مناطق سيطرة الحوثيين قد تتسبب في موجات نزوح جديدة، وتؤدي إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية، وهو ما سيؤثر بصورة مباشرة على وصول المساعدات الإنسانية وسلاسل الإمداد الأساسية.

تقليص المساعدات

أكد التقرير الأممي أن الارتفاع المستمر في الاحتياجات الإنسانية في اليمن، بالتوازي مع التخفيضات الكبيرة في التمويل الدولي، وتراجع القدرة على الوصول إلى المحتاجين، دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص كثير من البرامج المنقذة للحياة.

وشددت منظمة الصحة العالمية على أن توفير تمويل كافٍ للاستجابة الإنسانية وضمان وصول المساعدات دون عوائق، يمثلان شرطاً أساسياً لمنع تفاقم الكارثة، مشيرة إلى أن نحو 22.3 مليون يمني ما زالوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.

الحرب تسببت في تراجع التنمية البشرية باليمن بما يعادل أكثر من عقدين (إعلام محلي)

ويعاني نحو 5 ملايين يمني من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 1.4 مليون شخص يواجهون أوضاعاً مصنفة ضمن مرحلة الطوارئ، وهي من أخطر مراحل الجوع وفق التصنيفات الدولية.

كما حذرت المنظمة من استمرار تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل شلل الأطفال والكوليرا والحصبة والدفتيريا وحمى الضنك والملاريا، مؤكدة أن ضعف برامج التحصين وانتشار المعلومات المضللة أسهما في تفاقم هذه الأوضاع الصحية.

إغلاق المستشفيات

أبرز التقرير الأممي التأثير المباشر لأزمة التمويل على القطاع الصحي؛ إذ لم يحصل برنامج الاحتياجات الإنسانية والاستجابة خلال العام الماضي إلا على 29 في المائة من التمويل المطلوب، ما أجبر المنظمات الإنسانية على تقليص أو تعليق عدد كبير من الخدمات الأساسية.

وحسب التقرير، أدى انخفاض التمويل حتى مايو (أيار) الماضي إلى تراجع خدمات التغذية بنسبة 63 في المائة، كما تسبب في إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً، من بينها 76 مستشفى، خلال العام الماضي، ما حرم ملايين اليمنيين من خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

منظمات أممية تحذر من تحول الأزمة اليمنية إلى «أزمة منسية» (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن سنوات الحرب الطويلة تسببت في تراجع التنمية البشرية في اليمن بصورة حادة، موضحة أن البلاد فقدت بحلول عام 2019 ما يعادل 21 عاماً من التقدم التنموي، مع تحذيرات من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يرفع هذه الخسائر إلى ما يقارب 4 عقود من التنمية.

أزمة منسية

من جهته، وصف فرانشيسكو غالتيري، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، الوضع الإنساني في البلاد بأنه «أزمة منسية»؛ مشيراً إلى أن الغذاء والرعاية الصحية يمثلان الاحتياجين الأكثر إلحاحاً بالنسبة لملايين اليمنيين.

وأوضح أن معدلات سوء التغذية تواصل الارتفاع، بينما تواجه النساء في المناطق الريفية والنائية صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية، لافتاً إلى أن نحو 65 ألف امرأة حامل يحتجن إلى المساعدة خلال فترات الحمل والولادة.

وأعاد المسؤول الأممي التذكير بأن اليمن يسجل أعلى معدل لوفيات الأمهات في المنطقة العربية؛ حيث تفقد 3 نساء حياتهن يومياً، بسبب مضاعفات الحمل أو أثناء الولادة، مؤكداً أن غالبية هذه الوفيات كان يمكن تجنبها لو توفرت خدمات الرعاية الصحية المناسبة.

وأكد غالتيري أن النقص الحاد في التمويل بات يهدد برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان، كما يهدد معظم العمليات الإنسانية العاملة في اليمن، موضحاً أن تراجع التمويل بنحو 40 في المائة خلال العام الماضي بسبب انسحاب عدد من المانحين، أجبر الصندوق على تعليق ما بين 30 و35 في المائة من الخدمات التي كان يقدمها للمستفيدين.