جدل مزارع شبعا يتجدد في لبنان

دمشق رفضت نصيحة دولية بالإقرار بتبعية المنطقة لسيادة بيروت

جنديان لبنانيان يمران تحت آلاف من الأعلام اللبنانية ضمن حملة لتحطيم الرقم القياسي في موسوعة غينيس ببيروت أمس (أ. ب)
جنديان لبنانيان يمران تحت آلاف من الأعلام اللبنانية ضمن حملة لتحطيم الرقم القياسي في موسوعة غينيس ببيروت أمس (أ. ب)
TT

جدل مزارع شبعا يتجدد في لبنان

جنديان لبنانيان يمران تحت آلاف من الأعلام اللبنانية ضمن حملة لتحطيم الرقم القياسي في موسوعة غينيس ببيروت أمس (أ. ب)
جنديان لبنانيان يمران تحت آلاف من الأعلام اللبنانية ضمن حملة لتحطيم الرقم القياسي في موسوعة غينيس ببيروت أمس (أ. ب)

فوجئ عدد من السفراء العرب والأجانب المعتمدين لدى لبنان بحملات التخوين والشتائم التي استهدفت رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي»، وليد جنبلاط، على خلفية تأكيده أن مزارع شبعا سورية، وأن ملكية اللبنانيين للأراضي فيها شيء، والسيادة السورية عليها شيء آخر، وسألوا عن الأسباب الكامنة وراء عدم مقارعته بالوثائق والخرائط من قبل من شاركوا في هذه الحملات المنظّمة ضده لتبيان أن ما قاله ليس صحيحاً وأن موقفهم على صواب.
اللافت في الحملات التي استهدفت جنبلاط أن وراءها قوى وشخصيات تنتمي إلى «محور الممانعة» في لبنان، الحليف للنظام في سوريا ولإيران، وأنها جاءت بأمر عمليات إقليمي، لم يكن «حزب الله» في منأى عنه، وإن كان تجنَّب الانخراط مباشرة في هذه الحملات.
لكن الحملات التي نُظّمت ضد جنبلاط تزامنت مع الهفوة السياسية التي سقط فيها وزير الدفاع، إلياس بو صعب، بقوله في جولته الجنوبية برفقة قائد الجيش العماد جوزف عون، إن الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية للبنان يبدأ بعد زوال الأخطار الإسرائيلية على لبنان، واضطر لاحقاً إلى تصويب موقفه بعد سيل من الردود الاعتراضية على ما صدر عنه، مع أن «الوكالة الوطنية» التابعة رسمياً لوزارة الإعلام كانت أول من نشر كلامه هذا. ودعت الأمم المتحدة بلسان أمينها العام، رئيس الجمهورية ميشال عون، إلى بدء حوار جدي حول الاستراتيجية الدفاعية.
وفي سياق الحملات التي صبّت غضبها على جنبلاط، فإن بعض من نظّمها ادّعى أن إسرائيل رفضت من خلال الأمم المتحدة تزويد لبنان بخريطة تثبت لبنانية مزارع شبعا، في مقابل اتهام رئيس «التقدّمي» مجموعة من ضباط لبنانيين وسوريين تولوا تحريف الخرائط للادعاء بأن المزارع لبنانية.
إلاّ أن هذه الحملات لم يكن يدرك أصحابها أن السلطات السورية استحدثت مخفراً في المزارع عام 1955 لمكافحة التهريب الذي ينطلق منها، وأن استحداثه جاء إبان تولي اللواء الراحل شوكت شقير (والد النائب والوزير السابق أيمن شقير) رئاسة هيئة الأركان العامة في الجيش السوري.
وبقي هذا المخفر السوري، الذي كان بمثابة نقطة مراقبة لمثلث التهريب في المزارع إلى لبنان وسوريا وإسرائيل، قائماً إلى أن احتلت الأخيرة هذه المنطقة في حرب يونيو (حزيران) 1967، وأُلحقت بالقرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي، رغم أن لبنانيين يملكون مساحات واسعة من أراضيها.
ولم يتحرك لبنان الرسمي لدى الأمم المتحدة ليطلب منها أن تعيد النظر بإلحاق المزارع بهذين القرارين، وانسحب الموقف اللبناني لاحقاً على حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 التي خاضتها مصر وسوريا ضد إسرائيل لتحرير الأراضي التي احتلتها في 1967.
حتى أن لبنان الرسمي لم يحرّك ساكناً بعد اجتياح إسرائيل للجنوب في عام 1978، ليطلب مع صدور القرار 425 عن مجلس الأمن الدولي تثبيت لبنانية المزارع، وكذلك الأمر في العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان في يونيو 1982.
ولم تتبدّل سياسة اللامبالاة اللبنانية حيال المزارع عندما انسحبت إسرائيل من الجنوب في مايو (أيار) 2000 ما أدى إلى تحريره من الاحتلال، مع أن الانسحاب تم في عهد رئيس الجمهورية إميل لحود، وأثناء تولي الرئيس سليم الحص رئاسة الحكومة.
وعمّت في حينها الاحتفالات بتحرير الجنوب، وتداعت الحكومة والبرلمان إلى عقد جلسة في بنت جبيل لم يأت من تحدّث فيها على ذكر استعادة المزارع التي استحضرت إلى الواجهة بخرائط جرى تحريفها لإلحاق المزارع بها، فيما غابت المزارع عن الخريطة اللبنانية الرسمية المعتمدة في الدوائر الحكومية وفي مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش، وهذا التحريف أُقحم بالخريطة بطلب سوري وبغطاء لبناني رسمي.
وبعيداً عن الاحتفالية السورية بتحرير الجنوب، لا بد من الإشارة إلى الموقف الذي صدر عن وزير الخارجية السورية فاروق الشرع، قبل أسابيع قليلة من انسحاب إسرائيل، وفيه أن الحديث عن الانسحاب هو مؤامرة على لبنان وسوريا، وكان سبقه إلى موقفه هذا عدد من الشخصيات التي تدور في فلك السياسة السورية حيال لبنان.
لذلك مع استحضار المزارع، بالتزامن مع رسم خط الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، الذي عُرف بـ«الخط الأزرق»، سارعت الشخصيات والأحزاب اللبنانية المرتبطة بالنظام الأمني اللبناني - السوري، على حد قول الذين واكبوا هذه المرحلة لـ«الشرق الأوسط»، إلى استبدال خطبها الاحتفالية بتحرير الجنوب بخطب ترضي النظام في سوريا.
ويؤكد أكثر من وزير ونائب ممن واكبوا هذه المرحلة أن الأمم المتحدة دخلت على الخط، ونصحت لبنان من خلال موفدها إلى بيروت تيري رود لارسن، بضرورة التحرّك لدى القيادة السورية للحصول منها على الخرائط والوثائق التي تثبت لبنانية المزارع.
لكن من طرح الأمر على القيادة السورية عاد بخفّي حنين من دون الحصول على الوثائق التي يتقدم بها لبنان إلى الأمم المتحدة، للتأكيد على لبنانية المزارع، شرط أن تكون مقرونة بتوقيع الحكومتين اللبنانية والسورية، والأخيرة أخذت تتصرف على أنها فقدت ورقة أساسية من خلال تحرير الجنوب تستقوي بها في التفاوض مع إسرائيل، خصوصاً أن دمشق تترك للبنان مقاومة الاحتلال، وتنسب إلى نفسها حق التفاوض بالنيابة عنه.
إلا أن محاولة انتزاع ما يُثبت لبنانية المزارع من دمشق لم تتوقف، مع أن وليد المعلم الذي خلف الشرع على رأس الخارجية السورية أثناء توريث الرئاسة إلى بشار الأسد بعد وفاة والده حافظ الأسد سعى للالتفاف على طلب لبنان للوثائق بقوله إن المزارع لبنانية، وهذا لم يُصرف في المحافل الدولية، وإن كان بعض حلفاء سوريا في لبنان تعاملوا معه على أنه جرعة سياسية يستخدمونها ضد المعارضة التي انتعشت سياسياً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذي أعقبه انسحاب الجيش السوري من لبنان.
وفي هذا المجال علمت «الشرق الأوسط» أن ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، حضر بامتياز على طاولة مؤتمر الحوار الوطني الأول، الذي رعاه الرئيس بري في البرلمان في ربيع 2006، وطلب حينها الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، الاستعاضة عن كلمة الترسيم التي تُستخدم في العادة بين دولتين متخاصمتين بتحديد الحدود.
إلاّ أن دمشق لم تأخذ لا بطلب ترسيم الحدود أو تحديدها، وأبلغت من زارها للبحث معها في هذا الأمر بأن الترسيم يبدأ فور انسحاب إسرائيل من المزارع. ولا أيضاً بطلب جمع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه في داخلها، رغم أنها أوفدت لهذه الغاية حليفها أمين عام «الجبهة الشعبية - القيادة العامة» أحمد جبريل.
وباختصار، فإن دمشق سعت إلى تجميع أوراقها التي فقدت بعضها باغتيال رفيق الحريري، ولهذا أبقت على المزارع جبهة مفتوحة سمحت من خلالها لـ«حزب الله» بالإبقاء على سلاحه الذي ازدادت فاعليته في حرب يوليو (تموز) 2006.
لكن هذا كله لم يقفل الباب أمام الإصرار على أن تتجاوب دمشق مع طلب لبنان تزويده بالخرائط والوثائق، لتثبيت لبنانية المزارع، وهذا ما حصل عندما زار رئيس الوزراء سعد الحريري، دمشق، في أول حكومة ترأسها والتقى الأسد.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن الأمور العالقة بين البلدين أُثيرت في هذا اللقاء، ومنها إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وتثبيت لبنانية المزارع، خصوصاً أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أكد للذين راجعوه من القيادات اللبنانية أن الخرائط الرسمية للبنان لا تلحظ أي وجود للمزارع، وبالتالي لا حل إلا بمراجعة سوريا للحصول منها على رسالة خطية تؤكد لبنانية المزارع، بما يسمح بشمولها بمهمة «يونيفيل» استناداً للقرار 425.
وحسب هذه المعلومات، فإن الحريري ترأس مع نظيره السوري محمد ناجي العطري، الاجتماع المشترك للهيئة اللبنانية - السورية، الذي أدى إلى تعديل 24 اتفاقية من مجموع الاتفاقيات المعقودة بين البلدين، وعددها 42، إضافة إلى البحث في تشكيل لجنة فنية مشتركة توكل إليها مهمة ترسيم الحدود.
لكن المفاجأة كانت أن لبنان بادر إلى تشكيل لجنة أمنية سياسية بإشراف الوزير جان أوغسبيان، المكلف متابعة البحث في الملفات بين البلدين، وضمت اللجنة ممثلين عن وزارات الدفاع والخارجية والداخلية وضباطاً من الأجهزة الأمنية.
وأبلغ أوغسبيان الجانب السوري أن لبنان شكل هذه اللجنة، وزوّدت بالوثائق والخرائط، ومنها ما يتعلق بالخرائط الجوية، وفيها مسح شامل للحدود بين البلدين، وكان جواب دمشق أن اللجنة التي ستكلّف بترسيم الحدود منصرفة الآن إلى ترسيم الحدود السورية مع الأردن، رغم أن لبنان في تصوّره لعملية الترسيم أبقى على المزارع نقطة ربط نزاع.
وهكذا تعثّرت مهمة حكومة الحريري في ترسيم الحدود من جهة، وفي تثبيت لبنانية المزارع، بعد أن أُطيح بحكومته الأولى بذريعة عدم إحالة شهود الزور في جريمة اغتيال الحريري إلى المجلس العدلي، مع أن هذه الذريعة سُحبت من التداول فور أن اختير الرئيس نجيب ميقاتي، خلفاً له على رأس حكومة جديدة.
وعليه، فإن جنبلاط من وجهة نظر القانون الدولي والهيئات التابعة للأمم المتحدة، التي تنظر في النزاعات بين الدول، على حق في موقفه من المزارع، وأن الحملة عليه جاءت لأغراض إقليمية للإبقاء على جبهة الجنوب مفتوحة، وإلا لماذا تعترف دمشق بلبنانيتها في العلن، وترفض إدراج اعترافها في وثيقة موقّعة تُرفع إلى الأمم المتحدة؟



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.