«تايم لايف» لحميد بن عمرة نحت في حاضر الزمن وماضيه

مخرج يبحث عن الحرية وممثلة تتوق للحياة

محمد ملص كما يبدو في «تايم لايف»
محمد ملص كما يبدو في «تايم لايف»
TT

«تايم لايف» لحميد بن عمرة نحت في حاضر الزمن وماضيه

محمد ملص كما يبدو في «تايم لايف»
محمد ملص كما يبدو في «تايم لايف»

ينجز المخرج حميد بن عمرة، وهو سينمائي جزائري المولد، فرنسي الهوية، فيلماً جديداً من تلك التي لا تعرف التبويب وسهولة التصنيف.
«تايم لايف» فيلم طويل يجمع بين لغة الفيلم التجريبي ولغة الفيلم التسجيلي ولديه هوس خفي بالحكاية مسرودة عبر سير حياة. لكنه ليس فيلماً تجريبياً ولا عملاً تسجيلياً وبالتأكيد، كذلك، أبعد عن أن يكون فيلماً روائياً.
«تايم لايف» عن شخصيات تتحدث عن واقعها في جانبيه المنفرد بها والجماعي. زوجة بن عمرة، الممثلة الفرنسية ستيفاني بن عمرة (التي قامت بإنتاج الفيلم أيضاً) تتحدث عن نفسها كفنانة وكزوجة وكباحثة في فن زوجها والأرضية التي تجمعهما لجانب الحياة الزوجية. صوّرها المخرج بطلاقة وهي حبلى وجمع ما صوّره في ذلك الحين بما صوّره لها من قبل ومن بعد وعكس في كل ذلك نظرتها إلى الحياة والفن والعائلة.
في حديثها حول الذات تعكس ستيفاني أحلام الأمس وطموحات الغد. تتناول نفسها بكلمات تفصح عن كل تلك الرغبات التي تكنها امرأة عليها أن تنجز ما وهبت نفسها له. تقول في مشهد: «أنا معجزة. لا أنا ممثلة». ثم تأتي الصور لتتحدث عنها كممثلة وكزوجة وأم ثلاثة أولاد ومستمعة ومعلقة. وببراعة لا تكشف عن نفسها بسهولة، يربط المخرج بين ستيفاني الممثلة والزوجة والأم. ثم بين الأمومة وحب الحياة.
الفيلم عنها لكنه ليس عنها فقط. هناك الأفريقية ميك درّة التي تستعيد ثقافتها وثقافة الحياة الفنية كإنسانة وكفنانة ومستمعة «بلوز» متيّـمة. وهناك الراقص الأفريقي (برايس بارا - باكوتو) الذي يوجز، عبر رقصه الإيقاعي المنفرد، فن الفولكلور الأفريقي وكيانه وإغرائه.
وهناك الناقد والمثقف الأردني عدنان مدانات الذي درس في موسكو وعاش في بيروت ثم عاد إلى عمّان ويدير حالياً نشاطات مؤسسة «شومان» الثقافية. نراه يواجه الحاضر بتراث الماضي. يصوّره المخرج (وقد زاره في الأردن) وهو بين الآثار، ثم وهو يستعيد بعض ثقافته نثراً.
لكن في الصلب هناك المخرج السوري محمد ملص صاحب «الليل» و«أحلام مدينة» و«سلم إلى دمشق» الذي زار المخرج الجزائري في منزله الفرنسي وأمضى أياماً. ما هو رائع ونموذجي في هذا الشأن هو أن الفيلم لا يبدأ بمحمد ملص وهو يصل إلى المنزل حاملاً حقيبة كبيرة واحدة وأخرى صغيرة. هذا سيكون تقليداً متبعاً وبن عمرة لن يسمح به. على العكس، سيقدم لنا محمد ملص في أحاديث عدة ومشاهد كثيرة (مستمعاً هنا ومتكلماً هناك) ثم يصوّره، بعد نحو ساعة أول وصوله إلى البيت.
هذا يعكس الكثير من منهج عمل بن عمرة. فالفيلم ليس مكتوباً كسيناريو. بن عمرة لديه منهج في البال ويعتمد على المونتاج بعد التصوير لكنه لا ينطلق بسيناريو عليه أن ينفذه كما هو أو حتى مع بعض التعديل.

صرخة مُخرج
يعرض «تايم لايف» لمحمد ملص وهو يصوّر بكاميرا ديجيتال حيناً ويقرأ في كتاب حيناً ويستمع هنا ويتحدث هناك. هذا المخرج الذي وُلد في القنيطرة وانتقل مع والده الراحل إلى دمشق صغيراً ثم ترعرع فيها، يلفته - مبكراً في الفيلم - إنه حين وصل ضيفاً إلى حيث يعيش بن عمرة (منطقة دوفيل) استمع لصوت الطيور. كان يسمعها في دمشق ثم انقطعت. توقفت عن الطير والتحليق واختفى تغريدها.
من بين ما يعرض الفيلم من مشاهد للمخرج السوري تلك التي نراه فيها يحمل سلماً خشبياً في بعض الهضاب. يثبته على الأرض ويصعد عليه ثم يقف فوق إحدى عتباته العالية ويصيح «بدّي حرية»... ثم يصيح مرّة ثانية «بدّي فيلم» ثم يمزج بن عمرة بين العبارتين فإذا بالعبارتين تُسمعان معاً (شريط صوت فوق شريط صوت آخر) «بدي حرية- فيلم» مجسداً أن الفيلم والحرية لا ينفصلان.
لهذا السلم حكاية مهمة: في فيلم ملص «سلم إلى دمشق» (2015) نشاهد أحد أبطاله يحمل السلم إلى سطح المنزل الدمشقي ويصعده ويصيح «بدّي حرية» إعلاناً منه ومن المخرج عن موقف معارض للحرب وحدها ولمآلاتها المتعددة.
في ذلك الفيلم استغل ملص تلك النافذة الضيقة المتاحة له ليبث صرخته مطالباً بالحرية لوطنه. هنا يستعيد الفيلم بمشهد ويستعيد النداء في الوقت ذاته.
فيلم بن عمرة الجديد يأتي بعد إثر فيلمين مهمّين قبل هذا العمل وهما «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام». كلاهما انتهجا طريقة جديدة في عرض الموضوع المتناول وكافة المواضيع الأخرى الصادرة عنه.
في «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» (2016) عاين بن عمرة حياة الممثل المسرحي الجزائري محمد أدار ومن خلاله عاين تاريخه وطموحات وذلك الزمن الذي عايشه ولا يزال. لجانبه، عزز الفيلم طروحاته بتقديم مواد أرشيفية لبعض ما دار في المشهد الثقافي العربي من أسماء ونشاطات. ليس على أي نحو شوهد من قبل، فالصور التي يلتقطها المخرج مؤلّفة دوماً من طبقات ومعان وأحياناً من رموز ولو أنها في محصلتها عاكسة لرغبته رصد حياة الممثل ومن خلالها أحلامه وإحباطاتها ومن خلالها إحباطات الثقافة والفن بشكل عام.

ابتكارات
«حزام» كان مختلفاً إذ هو عن علاقة الحزام الذي يلفه لاعب الكاراتيه (الذي نال عنه المخرج ميداليات وأحزمة متقدمة) بالحزام الذي تلفه الراقصة الشرقية. العلاقة لافتة لا من حيث إن الحزام يلف الوسط في كل وضع، بل يشمل الربط البحث في الفنين معاً، فن الكاراتيه وفن الرقص الشرقي.
في «حزام» اختار بن عمرة شخصية معلمة الرقص الشرقي آسيا قمرة. وإذا ما كان السفر والترحال والقطارات والمساحات المفتوحة أمام الكاميرا مزايا الفيلم السابق، لجانب مشاهد من التمرينات المسرحية الداخلية، فإن معظم الفيلم الجديد يدور داخل قاعة المدرسة التي تديرها السيدة آسيا. لكنه قليل ملحوظ يخلق، بسبب جمالياته، توازناً فعالاً.
هذا لجانب مشاهد بوح يقوم خلالها المخرج المعروف محمد ملص بالإفصاح عن مجمل أسئلته في الزمن الصعب الذي يعيشه السينمائي وجدانياً.
الفيلمان جيدان بلا نزاع. فيهما ابتكارات فنية من تلك التي تشغل بال المخرج فيقدم عليها مقتنعاً بقيمتها وأسلوبه التعبيري المنفرد به. لكن «تايم لايف» خطوة عملاقة تتجاوزهما. ما زال فيلماً ذاتياً ينطلق من قناعات المخرج وإبداعاته، لكن ما يسبر غوره يخلق فاصلاً كبيراً في الشكل وفي الموضوع بينه وبين فيلميه السابقين.
إذ يستعصي «تايم لايف» على أي تصنيف جاهز، يبقى عملاً مبدعاً وبعيداً عن الادعاء. فيلم نابع من قلب وعين وشغف بلغة سينمائية تتجاوز المطروح. لا يرضى المخرج بالثوابت ولا المتغيرات عنده مجرد محاولات. بل يؤم مساحة خاصة به يشغلها بكل ثقة مجسداً هواجس مخرج منفرد بنفسه أيضاً.



ستون عاماً على لغز المرأتين عند برغمان

ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
TT

ستون عاماً على لغز المرأتين عند برغمان

ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)
ليف أولمان في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)

60 سنة مرّت على فيلم إنغمار برغمان «برسونا» (Persona)، وما زال يثير النقاشات والكتابات ويستقطب اهتمام الباحثين والمؤرخين. وعُرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدّة منذ إنتاجه عام 1966، ولا يزال يحظى بالاهتمام بعد مرور نحو 19 عاماً على رحيل مخرجه.

إلى ما سبق، هناك عمل بريطاني للمخرج بنديكت أندروز، بعنوان «إلكترا/برسونا»، شاركت في بطولته الممثلتان كيت بلانشيت ونينا هوس. وقد عُرض على خشبة المسرح الوطني في لندن بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، وصُوّر أيضاً للعرض على الشاشة. ويجمع بين مسرحية «إلكترا» لسوفوكليس وفيلم برغمان، ولذلك لا يُعدّ إعادة إنتاج سينمائية مباشرة له.

هناك أسباب كثيرة للاهتمام بهذا الفيلم. فهو مُدرج في قوائم النقاد إما على أنه أفضل فيلم حقّقه برغمان، أو أحد أفضل أعماله. ولم يأتِ هذا التقدير من فراغ، بل لأن «برسونا» (القناع) شكّل بداية مرحلة جديدة لبرغمان، اتّسمت بمزيد من التوغّل في أعماق النفس البشرية، كما في أفلام لاحقة له، مثل «ساعة الذئب» (Hour of the Wolf، 1968)، و«العار» (Shame، 1968)، و«اللمسة» (The Touch، 1971).

كان إنغمار برغمان أحد أكثر المخرجين العالميين توغّلاً في أعماق شخصياته، ينتقل بين جوانبها من دون فواصل تقليدية أو سياق سردي تمهيدي. وعندما يقطع مشهداً ليبدأ آخر، يصعب التكهّن بالتسلسل بينهما. وعندما تتحرّك الكاميرا لتعكس صورة في المرآة أو تنتقل بين الذكريات والأزمنة، فإنّ ما يحدث لا يقتصر على صورة منعكسة، وإنما هو انتقال كامل إلى جانب آخر من الشخصية، يتطلّب تفسيراً لحل لغز لا يقلّ تعقيداً عن لغز المشهد السابق أو اللاحق.

بيبي أندرسون في «برسونا» (شركة «سفينسك فيلم إندوستري»)

شِعر وتجريب

كان «برسونا» أحد أفلام المخرج السويدي إنغمار برغمان، ومن أعماله التي تعاون فيها مع مدير التصوير سفين نيكفيست. وهو من أصعب أفلام المخرج تحليلاً، إذ يعمل على مستويات عدّة. هناك مستوى العلاقة الوجدانية بين بطلتيه: الممثلة إليزابيت (ليف أولمان)، التي توقّفت عن الكلام، والممرّضة ألما (بيبي أندرسون)، التي تعتني بها.

وهناك مستوى آخر يتمثّل في اختيار المخرج ما يريد التعبير عنه والطريقة التي يُعبّر بها، والتي تثير أحياناً حيرة المتلقّي حيال ما يراه. لكنها حيرة محسوبة، لا في إطار التركيبة الفنية للفيلم فحسب، وإنما أيضاً في التركيبة النفسية لشخصياته. لذلك، لا يتحوّل الفيلم إلى متاهة أو مجموعة أسئلة يعجز المشاهد عن الإجابة عنها، ولو بمزيد من التركيز.

«برسونا» فيلم شعري بنبرة تجريبية خاصة، من دون التخلّي عن الدراسة النفسية التي ميّزت عدداً من أفلام برغمان. الفيلم آسر، ومشبَع باختيارات المخرج في توجيه الأداء. فلا يُسمح لبطلتيه، ولا للعدد القليل من الممثلين الذين يؤدّون أدواراً صغيرة، بالخروج عن التفاصيل التي يحدّدها. والارتجال ممنوع، كما اعتاد في أفلامه الأولى، حتى الثمانينات، عندما بدأ يمنح ممثليه قدراً من الحرّية.

تبدأ القصة بصورة لآلة عرض سينمائي، تليها لقطات من فيلم رسوم متحرّكة وآخر كوميدي صامت، يظهر فيه شخص يهرب من الأشباح بالاختباء تحت شرشف سريره. وتتبع ذلك لقطات لعنكبوت وأشجار في فصل الخريف وحاجز من الأسلاك الشائكة والثلج، ثم صبيّ على سرير أبيض، يبدو نائماً أو ميتاً، وامرأة عجوز. يرنّ هاتف، وتفتح المرأة عينيها، بينما يتقلّب الصبيّ في سريره.

ومع ظهور الصبيّ، يبدأ الفيلم بالانتقال تدريجياً من تتابع اللقطات المتفرّقة إلى صلب حكايته.

تتلقّى الممرّضة ألما (بيبي أندرسون) تعليمات بالاعتناء بالممثلة إليزابيت فوغلر (ليف أولمان)، التي توقّفت تماماً عن الكلام خلال أدائها مشهداً من مسرحية «إلكترا».

يدور جزء من الفيلم في المستشفى، حيث نتابع حال الممثلة والممرّضة التي تحاول مساعدتها. وتتداخل في هذه المرحلة مشاهد وتفاصيل لا تتّضح دلالاتها منذ البداية. تشاهد إليزابيت على التلفزيون صوراً من حرب فيتنام، بينها مشهد إحراق راهب بوذي نفسه احتجاجاً على الحرب. لا تتكلّم، لكن ردّ فعلها يكشف تأثّرها بما تراه. وتؤكد المشاهد التي تجمع المرأتين في المستشفى اختلاف شخصيتيهما، تمهيداً لاستكشاف العلاقة النفسية المعقّدة التي ستنشأ بينهما لاحقاً.

إنغمار برغمان (المعهد السويدي للأفلام)

أدوات برغمان

بعد ذلك، وبناءً على اقتراح طبيبة المستشفى، تنتقل ألما بالممثلة الصامتة إلى منزل صغير على البحر، أملاً في أن يساعد تغيير الأجواء على تهدئة إليزابيت وتجاوز الحالة النفسية الغامضة التي تمرّ بها. وفي هذا المنزل المطلّ مباشرة على البحر، يمارس برغمان لعبته القائمة على الغموض وتقديم مَشاهد عصيّة على الفهم في البداية، أو عند مُشاهدة الفيلم للمرة الأولى. تحاول ألما إقناع إليزابيت بالكلام، لكنّ الممثلة تواصل صمتها. ولا تنطق بكلمة «لا شيء» إلا في مشهد متأخر من الفيلم، عندما تطلب منها ألما ترديدها.

الفيلم، من هنا، يدور حول امرأتين تدخل كلّ منهما عالم الأخرى، بموازاة عالمها الخاص. ويمهّد لذلك حوار تلقيه الطبيبة أمام إليزابيت، قبل انتقالها إلى المنزل البحري، تتناول فيه الحلم المستحيل بأن يكون الإنسان على حقيقته، لا أن يبدو كذلك فحسب، والفجوة بين صورته أمام الآخرين وحقيقته أمام نفسه.

يفسّر هذا الحوار وضع إليزابيت، لكنه يتوغّل أيضاً في أزمة الازدواجية التي تتجاوز هاتين الشخصيتين لتقترب من شخصياتنا نحن، إذ يختلف تصرّفنا عندما نكون وحدنا عن تصرّفنا أمام الآخرين. إنه وضع مصطنع يمنحنا شعوراً بالراحة، ويتصل كذلك بالهوية الذاتية ومواجهتها.

ومع توالي اعترافات ألما وكشف جوانب من حياة إليزابيت، وانتقال المخرج بين الحقيقة والذاكرة من دون فواصل أو ترتيب سردي تقليدي، تتبلور حالة إليزابيت، فإذا بصمتها وسيلة للامتناع عن الكذب، أو هكذا تفسّره الطبيبة. أما ألما، التي تتحدّث كثيراً، فتصل إلى حالة نفسية تهدّد قدرتها على التمييز بين ذاتها وذات الممثلة. إنه فيلم عن امرأتين تبدوان مختلفتين، لكن العلاقة بينهما تكشف تدريجياً أوجه التشابه والتداخل، إلى حدّ يصعب معه الفصل بينهما.

وعلى أكثر من صعيد، لم تعد الممرّضة مجرد أداة للمساعدة، إذ أصبحت تعيش أزمة نفسية خاصة بها. ويتّضح ذلك خصوصاً عندما تقرأ رسالة كتبتها إليزابيت إلى الطبيبة، تتحدّث فيها عن رغبتها في مواصلة العيش في الصمت والعزلة، وتكشف أنها كانت تراقب ألما وتدرس شخصيتها. عندها تدرك الممرّضة أن اعترافاتها تحوّلت إلى مادة تتأملها الممثلة، فتتصدّع الثقة بينهما.


شاشة الناقد: ليام نيسون... مُحارب أفغانستان في فيلمين

ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
TT

شاشة الناقد: ليام نيسون... مُحارب أفغانستان في فيلمين

ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)
ليام نيسون في «النمس» (سامويل غولدوين)

THE MONGOOSE

النمس | ★★★* إخراج: مارك فانسلوف

‫* الولايات المتحدة وأستراليا (2026) | عروض تجارية

منذ عام 2008، دأب ليام نيسون على الظهور في دور المُحارب المنفرد في سلسلة من أفلام الحركة. كان «تيكن» (Taken) أولها، وتبعه جزءان آخران، ثم شارك في «الأيام الثلاثة المقبلة» (The Next Three Days)، بدور صغير، و«مجهول» (Unknown)، و«من دون توقف» (Non-Stop)، و«الركض طوال الليل» (Run All Night)، ضمن مجموعة كبيرة من أفلام النوع.

لا يعني ذلك أنه امتنع عن تمثيل سواها؛ فأفلامه بالغة التنوّع، وتتوالى بلا انقطاع، لكنه كوّن لنفسه صورة حافظ عليها بنجاح مهني، حتى وإن أخفق بعضها في تحقيق نجاح تجاري.

«النمس» فيلم حركة آخر تتفاوت مستوياته. فمن ناحية، هو فيلم بارع في الكتابة والتنفيذ، يستند السيناريو على مطاردة طويلة بالسيارات بين رجل هارب من الشرطة وقوى القانون التي تلاحقه. ريان فلاناغان، الملقّب بـ«فانغ» (نيسون)، محارب سابق في أفغانستان نال أوسمة عسكرية، ويجد نفسه متهماً بالقتل بعدما يقتل خطيب زوجته السابقة دفاعاً عن النفس. وهو يدرك الآن أنّ الحروب لم تعد تُخاض دفاعاً عن قيم بقدر ما تقوم على مبرّرات لا يُعوّل عليها. ويستخدم مهاراته في المراوغة حتى لا تتكرّر تجربته في تلك الحرب، عندما وقع مع رفاقه في الأسر، ودُفنوا في التراب حتى رؤوسهم، قبل أن يتمكّن هو ومعظمهم من النجاة.

مشهد النجاة كرتوني، ولا جديد فيه، لكن المخرج، الذي ينجز هنا فيلمه الروائي الطويل الأول، وسبق أن عمل مؤدّياً ومنسّقاً لمَشاهد الخطر في عدد من أفلام نيسون، يستخدم الاسترجاع الزمني في مواضع صحيحة ومبرّرة خلال النصف الأول من الفيلم، ثم ينصرف إلى متابعة المطاردات الشيّقة في نصفه الثاني. نيسون مناسب للدور بموهبته، ويستفيد هنا من تجسيد شخصية تختلف عن معظم أدواره السابقة.

تدور الأحداث في الزمن الحاضر، لكن الفيلم متيّم بسينما السبعينات، إخراجاً ومواقف وشخصيات، وحتى بالأغنيات التي تعود إلى تلك المرحلة. والأغنية التي نسمعها نغمةً لاتصال زوجة ريان السابقة، وعنوانها «أنتِ مثيرة» (You Sexy Thing)، تعود بدورها إلى السبعينات، واشتهرت بأداء فرقة «هوت شوكليت» (Hot Chocolate)، وإن كانت النسخة المستخدمة في الفيلم إعادة أداء لها. وبذلك، فهو فيلم جيد أيضاً في استحضار الحنين إلى الماضي.

THE FIX

التصويب | ★☆

* إخراج: غاي موشي

‫* الولايات المتحدة (2026) | عروض تجارية

في «التصويب» (The Fix)، يقتل فريق أميركي من عناصر العمليات الخاصة، بقيادة تاكر (زاكاري ليفاي)، الإيرانيين الأشرار والإيرانيين الأخيار على السواء. يدخل الفريق طهران بحثاً عن 25 مليون دولار مخبّأة في فندق منذ أيام الثورة الإيرانية.

ليام نيسون في «التصويب» (أسترال فيوتشر)

كان الفريق قد خدم في أفغانستان خلال الأيام الأخيرة من الوجود العسكري الأميركي هناك، وهي المدّة التي تدور فيها أحداث مطلع الفيلم. ثم يزور تاكر رئيس عملياته السابق، لاري (ليام نيسون)، الذي يعاني مشكلات في الذاكرة، فيكشف له عن الأموال المخبّأة في طهران. يقرّر تاكر اقتحام طهران متخفّياً مع رجاله في زيّ مدني، بحثاً عن ذلك الكنز. أما الساعة الأخيرة، فتتوالى فيها مشاهد الحركة والقتال التي تعرف منذ بدايتها مَن سيُقتل فيها ومَن سيخرج حيّاً منها.

للسيناريو همّ واحد، هو تقديم فيلم حركة عسكري متوّج بالضحايا. وهنا يكمن تناقض أساسي في شخصية تاكر، لأنّ السيناريو يقدّمه رجلاً يحمل في نفسه رفضاً للمهمّات العسكرية التي انصرف إليها طوال حياته، ويدرك مسؤوليته حيال عائلته التي نبذته بسبب غيابه معظم الوقت عن البيت. لكن هذا الرفض لا يمنعه من القيام بعملياته في أفغانستان، ولاحقاً في إيران، بكل استعداد لدعم رسالة عسكرية واضحة ضد البلدين، ثقافةً وسياسةً. هذا ما يجعل الفيلم أحد تلك الإنتاجات الحافلة بالبطولات الخارجة عن الواقع، منذ أن انبرى تشاك نوريس وسيلفستر ستالون لتلقين الفيتناميين دروساً قاسية، حتى بعد الهزيمة الأميركية هناك.

ينتقل الفيلم من ورطة إلى أخرى لحشد أكبر قدر ممكن من الأحداث. وكلما بدا أنه حلّ مشكلة، خلق مشكلة أخرى، ممّا يؤدّي إلى إطالة رتيبة. هو متخم من دون إشباع، وكثير الحركة من دون متعة.

سبق للمخرج موشي أن خدم في الجيش الإسرائيلي، ولا يتطلّب الأمر كثيراً من الخيال لندرك أنّ فيلمه هذا، الذي كتبه مع آخرين، يتبع أجندة سياسية خاصة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
TT

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام التي تنتقد السياسة الداخلية وتكشف عن أوضاع الفلسطينيين تحت ممارسات الدولة، والتفرقة العنصرية التي تنفيها الدولة وتؤكدها الأحداث والدلائل المختلفة.

في المواجهة وزارة الثقافة الإسرائيلية التي تمسك بزمام المنح التي توفرها الحكومة الإسرائيلية لمنتجي وصانعي الأفلام في كل عام، والتي تبلغ ما يوازي 40 مليون دولار. التوجه الحالي للوزارة هو تشجيع الصناعة المحلّية من ناحيةٍ، ودعم الأفلام التي لا تناهض توجهات وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر إحكام القبضة على من يمكن له التمتع بمنحة حكومية لتحقيق فيلمه، وذلك بناءً على موقفه السياسي منها.

سبق لعدد من المخرجين الإسرائيليين المعروفين بمواقفهم المعارضة، من بينهم آفي مغربي ونيتا شوشاني وناداف لابيد، أن استفادوا من المنح الحكومية لإنتاج أفلام تنتقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين أو تعيد مساءلة السردية الرسمية لتأسيس إسرائيل. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم شوشاني «1948: تذكّر، لا تتذكّر»، (1948: Remember, Remember Not) الذي أُنتج عام 2023 وأثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزارة الثقافة للمخرجة بإعادة المنحة الحكومية التي حصلت عليها لإنجاز الفيلم.

محمد غزاوي في «البحر» (ماجدال فيلمز).

ما وراء البحر

في العام الماضي، نفذ فيلم «البحر» لمخرجه شاي كارميلي-بولاك بنفسه من هذا القرار. حققه شاي كارميلي- بولاك متناولاً قصّة ولد فلسطيني قرر الوصول إلى البحر الذي لم يره من قبل. مثَّل الفيلم إسرائيل في ترشيحات الأوسكار بعد أن نال أربع جوائز من مهرجان «القدس السينمائي»، بينها جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثل التي فاز بها الصبي محمد غزاوي. مما دفع وزير الثقافة ميكي زوهار، إلى قرار حجب المساعدة الحكومية لمهرجان القدس احتجاجاً منه على خروج «البحر» بتلك الجوائز عنوةً عن أفلام رآها أكثر استحقاقاً.

الترشيح الإسرائيلي لأوسكار العام المقبل هو دراما عاطفية عنوانها «أخبرني كل شيء» (Tell Me Everything) لموشي روزنثال. فيلم محافظ حول صبي (في الثانية عشرة من عمره أيضاً) يكتشف سرّاً عن أبيه يؤدي به إلى طرح تساؤلات حوله مع سعي الأب لإعادة بناء الثقة بينهما.

بدوره من المتوقع جداً أن يدخل فيلم «نازا»، المعروض حالياً في صالات أميركية محدودة، الترشيحات الرسمية في سباق أوسكار أفضل فيلم تسجيلي طويل في العام المقبل.

لكن في الوقت الذي يُثير «نازا» هذا القبول العالمي والتقدير لا بد من الإشارة إلى أنه يطمر بعض الإنجازات الفلسطينية التي تتحدّث عن الوضع الفلسطيني حيال الجبروت الإسرائيلي مثل «غزّة 13» لحسام أبو دان، و«المواطن أسامة» (ترشيح فلسطين الرسمي للأوسكار) لأحمد حسّونة، و«حوار مع البحر» لمؤيد عليان، وهي بعض النتاجات ذات الشأن الفلسطيني الذي خرجت هذا العام.

لا بد من التذكير بأن «نازا» ليس فيلماً إسرائيلياً على الإطلاق. الإنتاج انطلق من مؤسسة «ذ غارديان» البريطانية، وانضمّت إليها شركة «JW Films» الأميركية، وتبنّت توزيعه شركة «MK2» الفرنسية. لهذا السبب لم يكن في استطاعة الحكومة الإسرائيلية سوى الاحتجاج ضدّه والتحقيق مع الجنود الذين أدلوا بتصريحاتهم و-تلقائياً- عدم عرضه في البلاد. وهذا هو حال أفلام إسرائيلية معارضة تجد نفسها أمام جدار منع غير رسمي بسبب عزوف صالات السينما عن عرضها خوفاً من احتجاج اليمين المتطرّف.

راشل شور ويوڤال إبراهام مخرجا «نازا» (ذا غارديان فيلمز)

«نازا» مضاد

تداعيات سياسة البطش الإسرائيلية توالت منذ العام الماضي على أصعدة رسمية وغير رسمية حول العالم. على سبيل المثال تبنى مهرجان «IDFA» في أمستردام سياسة تستبعد المؤسسات والأفلام المرتبطة مباشرةً بتمويل حكومي إسرائيلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يقاطع المخرجين أو الأفلام الإسرائيلية المستقلة. وفي الثاني من مارس (آذار) هذا العام تم إلغاء مهرجان «الفيلم اليهودي في أونتاريو (كندا)»، وفي أبريل (نيسان) اضطر منتجو فيلم «Seret»، (إخراج دانييلا غرودسكي وداني كوهن)، إلى الاكتفاء بعرض خاص للفيلم في لندن بعدما تعذّر إيجاد صالة سينمائية عامّة له.

كما تعذّر على المخرج آموس غيتاي تسويق فيلمه الجديد «الطريق إلى أريحا» عالمياً، فمنذ عرضه في مهرجان ڤينيسيا في الدورة ذاتها التي تم فيها عرض «نازا»، لم يشق طريقه صوب أي عرض تجاري خارج بلاده باستثناء العرضين اللذين خُصصا له يوم أمس (الخميس)، في مهرجان طوكيو السينمائي.

داخل إسرائيل ذاتها تم إنتاج 31 فيلماً جديداً هذه السنة؛ معظمها يواكب قرارات الحكومة ويتجنّب سطوتها، من بينها «نازا» آخر هو «نازا: القصّة الحقيقية». حققه ثلاثة مخرجين هم: هاغاي غوتمن، وآريَل أوربوش، وروي دانينو، وهدفه مناقضة «نازا» الأول والبرهنة على أن ما ورد في ذلك الفيلم غير صحيح. الملصق المختار للفيلم يصوّر مخرجَي «نازا»، راشَل شور ويوڤال أبراهام وعليهما كلمة «خائنان» مطبوعة باللون الأحمر.

معظم ما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية هذا العام (31 فيلماً) يختار الطريق الآمن. الموضوعات المطروحة تتناول، على سبيل المثال، قصّة فتاة جميلة تتعرّض لحادثة تُقعدها (Many Waters)، وزوجين يكتشفان بعد سنوات من زواجهما أسراراً (Thou Shalt Love)، وفتاة تبحث عن موقعها بين أسرة جديدة (Habaita‪!‬)، وأخرى تكاد تفقد عملها مفتشة في حافلات المدينة بسبب مشاجرة (Lev Zahav).