الزهراني: كل كتابة خلاقة هي هروب مؤقت من فجاجة الواقع

الناقد السعودي يرى أن نسبة كبيرة من الروايات السعودية من قبيل المتوسط الجيد

د. معجب الزهراني
د. معجب الزهراني
TT

الزهراني: كل كتابة خلاقة هي هروب مؤقت من فجاجة الواقع

د. معجب الزهراني
د. معجب الزهراني

في روايته اليتيمة، يجسد الناقد والروائي السعودي الدكتور معجب الزهراني مقولة المثل الأفريقي: «من يمشي لا بد أن يرقص»، لكن رواية «رقص» (صدرت عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام 2010) جسدت رقصا يتجاوز حدود الحركة في تداع فلسفي ثري بالسرد واللغة.
في الحوار التالي، يتحدث الزهراني عن طفرة الرواية السعودية، الشاعر الراحل الدكتور غازي القصيبي (هو الذي فتح الباب واسعا أمام هذه الكتابات السردية التي تعبر عن الذات العميقة في كل منا بجرأة غير معهودة في واحد من أكثر المجتمعات العربية تكتما). هنا نص الحوار:

* بعد ثلاثة أعوام على صدور روايتك الأولى «رقص».. كيف تنظر لتلقيها جماهيريا ونقديا؟
- هي روايتي الأولى وأرجو ألا تكون الوحيدة. أما عن تلقيها فقد كان نوعيا وليس جماهيريا في ظني. ثم إنها كانت ثاني أكثر الكتب مبيعا في معرض الرياض للكتاب حين صدرت عام 2010. وكتب عنها كثير من المقالات والدراسات، كانت في معظمها إيجابية، ودخلت متنا للبحث في رسالتي ماجستير وأطروحة دكتوراه، وهذه كلها مؤشرات جيدة بالنسبة لعمل روائي لن يجده أحد بسهولة في أي من مكتباتنا.
* هل كانت هذه الرواية هروبا من عالم النقد إلى عالم السرد؟
- كل كتابة خلاقة هي هروب مؤقت من الواقع ووقائعه الفجة إلى عالم المتخيل، الذي يتيح للذات أن تستحضر ما تشاء وتحاور من تشاء وفق شروط لعبة الكتابة. إنه إذن شكل من أشكال الاستطراد ثم الالتفات إلى بعض القضايا والمواقف، وطرح التساؤلات حولها بلغة جمالية لا تحلل وتعلل، وتستنتج بقدر ما تمتع، وتثير الفضول لدى القارئ كي يكمل ما تبقى ومن شرفات الإبداع ذاتها.
* كيف تصف تجربتك في عالم الرواية.. وما مدى تأثير السيرة الذاتية عليها؟
- لا يتعلق الأمر بتجربة، بل بمغامرة باشرتها في ظروف خاصة جدا، ولعل باريس هي التي أيقظت الحلم القديم وساعدت على تحقيقه كما بينته في إحدى عتبات النص.
* ما الإغراء خلف تكاثر النصوص الروائية سعوديا؟
- المؤكد أن كل نص جميل يغري الذات المبدعة في كل منا بتجريب اللعبة ذاتها، ويظل الأثر الأهم للخطاب الروائي الجديد في مجمله وليس لنص فردي بعينه. وألح على هذا البعد، لأن هناك تحولات ثقافية عامة طرأت على مجتمعنا في العقدين الأخيرين هي التي دفعت شعراء وأكاديميين وصحافيين إلى الكتابة الروائية رغبة منهم في البوح بالمسكوت عنه، وربما لمجابهة خطابات أخرى بطريقة فنية ماكرة وفعالة بمعنى ما. وفي هذا السياق، لعل غازي القصيبي هو الذي فتح الباب واسعا أمام هذه الكتابات السردية التي تعبر عن الذات العميقة في كل منا بجرأة غير معهودة في واحد من أكثر المجتمعات العربية تكتما.
ألقيت قبل عامين محاضرة في عمان عن «ربيع الرواية السعودية»، وكتبت غير مرة دراسات ومقالات عن الطفرة الروائية التي تشهدها ساحتنا المحلية، خاصة منذ عقدين. فهناك وفرة من الأعمال التي تصدر سنويا لأسماء معروفة جيدا في هذا المجال، ونسبة كبيرة من هذه الأعمال هي من قبيل المتوسط الجيد الذي عادة ما يحدد مستوى المنتج الروائي والأدبي عموما، ومن حين لآخر نفاجأ بأعمال متميزة تحصد جوائز محلية وعربية وعالمية متميزة. ولا تفسير لكل هذا إلا أن تلك التحولات العميقة التي يعيشها مجتمعنا من دون أن يجري التعبير عنها بشكل جدي في الخطاب السائد، تجذب مزيدا من الكتاب إلى الشكل الروائي المعروف بقدراته على الحوار مع مجمل الخطابات الاجتماعية لتعزيز بعضها ومعارضة بعضها الآخر.
* كناقد.. كيف تقيم روايتك؟
- لا يستطيع الكاتب أن يقيم عمله بشكل محايد حتى وإن عاد ولبس جبة الناقد، والسبب هو العلاقة الحميمة بين الطرفين. لكن حينما أعود إلى ما كتبت من نصوص سردية وشعرية قبل وبعد «رقص»، لمح ما يشبه اللغة الراقصة التي قد تثير دهشتي أنا أيضا كقارئ عادي. هل هناك علاقة محبة عميقة بيني وبين العربية؟ أزعم ذلك وأعتز به.
* قلت في مرحلة الكتابة إما أن تنسى العالم، وإما أن يحضر فيثقل عليك ويفسد كل شيء.. ما الذي حضر عندك وما الذي غاب؟
- نعم، الكتابة الإبداعية تقتضي نسيان أو تغييب الأشياء من حولك والتركيز على النص وحده لا شريك له وإلا فسدت اللعبة، تماما كما يفسدها الاستحضار القصدي لتجارب الماضي وذكرياته.
فما يحضر يحضر غالبا في شكل تدفقات عفوية حرة تضمنتها التعبيرات اللغوية ذاتها، بينما هي تدور حول تيمة أو نواة سردية صغرى هي وحدها الواضحة في البدء. فالكلمات ذات أرواح، وبالمعنى الحقيقي الواقعي لا بالمعنى الصوفي الغنوصي، لأنها استعملت من قبل آلاف المرات، وكثيرا ما يفاجأ الكاتب بعبارة توجه عملية السرد في طريق لم يكن مرئيا قبيل لحظات وعليه أن يمضي فيه حتى النهاية ليكتشف وعوده الممكنة وإلا دخل الافتعال وتعطل الخيال.
* ما خططك المستقبلية بالنسبة للكتابة أو النقد؟
- لعلني من أصحاب الطرق لا الخطط. حين تقاعدت من عملي في الجامعة، قررت أن أعود لقرية الغرباء (قرية تابعة لوادي الصدر بمنطقة الباحة جنوب السعودية) وأتفرغ لكتابة الذات والسفر الحر الذي أعشقه.. ومع تخوفي من الطائرات. وهأنذا الآن متورط في عمل بجامعة خاصة - جامعة اليمامة - لم يكن يخطر ببالي، ولا أدري متى تحين لحظة الخلاص! أما القراءة والكتابة بالنسبة لي، فهي مهنة حرة وغواية فاتنة، لا يمضي يوم من دون مباشرتها ولو لساعة. أشارك كثيرا في مؤتمرات وندوات، وألقي محاضرات بشكل شبه منتظم، داخل المملكة وخارجها، وأكتب مقالات نقدية أو تأملية قليلة جدا من حين لآخر. أما هاجسي الأكبر، فهو مواصلة الكتابة في عمل روائي أشتغل عليه منذ سنوات، والمؤكد أنه لن ينجز قريبا.
* ماذا تمثل الكتابة الإبداعية بالنسبة إليك؟
- الكتابة الخلاقة إما أن تطلق الكائن الحر الخلاق في الذات وإما أن تفقد مبررها ومعناها. إنها نوع آخر من البحث عما نحب ولا نعرف متى وكيف نصل إليه.. هذا إن لم يكن الوصول محالا.
* وماذا بشأن النقد؟
- النقد هو خطاب غيري أو موضوعي، ولأنه منتوج معرفي فمن المنطقي تماما أن يطرح قضية محددة ويعالجها بأسلوب جدي شفاف، والمحصلة هي تعبير عن موقف من نص وخطاب من جهة وعن المجتمع الذي ينتج ويتداول فيه.
* ما الفارق بينهما؟
- بصيغة مجازية، يمكنني أن أقول إن حصان الإبداع يفترض أن ينطلق ليسبح في فضاء مفتوح، بينما يركض حصان النقد في مضمار محدد ووفق شروط معروفة سلفا.
* نعرف أنك تدرس الأدب المقارن، فما تأثير ذلك في فلسفة روايتك «رقص»؟
- لا تأثير يذكر في ظني. فالتخصص الأكاديمي لا يغري، وقد درست الأدب العربي الحديث شعرا ونثرا، والنظريات النقدية المعاصرة أكثر مما درست الأدب المقارن، لأنه لا يزال تخصصا ثانويا أو هامشيا في جامعاتنا. المقرر الذي درسته على مدى ربع قرن ولعل له حضورا مؤثرا في «رقص» هو «علم الجمال»، وقد نبهني سؤالك إلى هذا الأمر للتو. نعم، هناك حفاوة بالغة في الكتابة بفنون الرسم والرقص والغناء والموسيقى والنحت قد تكون امتدادا لمحبتي لهذه المادة التي غالبا ما تمتع الطلاب والطالبات أكثر من غيرها.
* للنقاد همومهم ومتاعبهم التي لا تختلف عن مواجع الكتاب.. ماذا عن مواجعك كناقد؟
- هناك ناقد حرفي يشتغل بالنقد تدريسا وممارسة ثم ينسى كل شيء بعد ذلك، ويقبله نموذج الناقد المثقف الذي يدرك أنه مطالب دائما وأبدا بتقصي العلاقات العميقة فيما بين النصوص والذات والمجتمع والعالم، كما يقول إدوارد سعيد. من هذا المنظور، لا تختلف هموم الناقد عن هموم غيره من المثقفين المسكونين بهاجس البحث الدائم عن المزيد من حريات القول والكتابة والتخيل والتصرف، خاصة في مجتمعات عربية تسودها ثقافة تقليدية تسلطية تقمع الفرد مرة باسم الدين ومرة باسم الوطن ومرة باسم الهوية الخاصة للمجتمع. ولعلي أستطرد قليلا لأعبر عن قلقي العميق من ندرة هذا النموذج اليوم عندنا فيما كان هو الأكثر حضورا وفاعلية في الحقل الثقافي قبيل سنوات!
* ما أهم التوجهات التي تدعم عالم النقد في السعودية؟
- في الفترة السابقة، كانت التوجهات واضحة نسبيا لأنها موزعة بين ثلاثة أقطاب أساسية، هي النقد التقليدي المعياري - الوعظي، والنقد اللغوي الحداثي، والنقد الاجتماعي الذي يراوح بين التوجهين وإن كان عادة ما يقترب من التوجه الحداثي بحكم مرجعياته المعرفية الفكرية الحديثة هي أيضا. وأسماء نقاد مثل حسن الهويمل وعوض القرني وسعيد السريحي وعبد الله الغذامي وميجان الرويلي وسعد البازعي وعلي الدميني وسعاد المانع وفاطمة الوهيبي معروفة جيدا داخل المملكة وخارجها، لأنهم خاضوا بدرجات متفاوتة في صراعات حادة وطرحوا رؤى وتصورات مهمة حول قضايا محددة، مثلهم مثل نظرائهم في المغرب والمشرق. ولأنني لا أجد ما أقوله عن الخطاب النقدي الراهن، ومع شديد احترامي لكل النقاد الشباب، فاعذريني على حكمة الصمت.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.

عاجل موسكو تحض الأجانب والدبلوماسيين على مغادرة كييف قبل شن ضربات على مراكز صنع القرار