محمد بنيس: أكتب بسلوك الناسكين.. وكنت دائما حريصا على البعد عن السلطة

صاحب «المكان الوثني» يفوز بجائزة ماكس جاكوب الفرنسية للشعر

محمد بنيس: أكتب بسلوك الناسكين.. وكنت دائما حريصا على البعد عن السلطة
TT

محمد بنيس: أكتب بسلوك الناسكين.. وكنت دائما حريصا على البعد عن السلطة

محمد بنيس: أكتب بسلوك الناسكين.. وكنت دائما حريصا على البعد عن السلطة

منحت جمعية الشاعر الفرنسي ماكس جاكوب جائزتها الشعرية السنوية للشاعر المغربي محمد بنيس عن ديوانه «المكان الوثني»، الذي ترجمه إلى الفرنسية برنار نويل بالتعاون مع الشاعر. وبنيس واحد من أهم الشعراء العرب المعاصرين. وقد ترجمت أعماله إلى الكثير من اللغات؛ من بينها: الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والألمانية، والإسبانية، والبرتغالية، واليابانية، والروسية، والسويدية، والمقدونية، والتركية، بالإضافة إلى ممارسته النقد. وهو حاصل على دكتوراه الدولة في كلية الآداب بالرباط سنة 1988، في موضوع «الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها»، ويعمل أستاذا للشعر العربي بجامعة الرباط. ويحسب له أنه صاحب الفضل في تخصيص يوم عالمي للشعر عندما استجابت «اليونيسكو» لطلبه أثناء توليه رئاسة بيت الشعر بالمغرب.
هنا لقاء معه عن تجربته الشعرية، والمشهد الثقافي العربي عموما:

* تجاوزت مبكرا حدودك المغربية، فعرفت على نطاق واسع في الغرب.. في فرنسا بالتحديد. كيف جرى ذلك؟
- كنت على اتصال بالغرب منذ 1968، حين توجهت أول مرة إلى باريس. ومنذ تلك السنة، لم تتوقف أسفاري إلى الغرب. ثم جاءت ترجمة قصائد لي إلى الفرنسية على أثر صدور ديواني الأول «ما قبل الكلام» سنة 1969. وبعدها، صدرت ترجمة قصائد إلى السويدية. وفي 1975، نشرت لي جريدة «لوموند» الباريسية قصيدة مترجمة إلى الفرنسية، وصدرت في الفترة ذاتها ترجمة قصائد إلى الإسبانية. أما انطلاقتي نحو اللقاء الشعري والثقافي والمشاركة في مهرجانات، فيرجع إلى 1985، عندما دعيت إلى تظاهرة كبرى أقامها متحف الفنون الحديثة في مدينة غرونوبل الفرنسية للثقافة المغربية. هذه المشاركة فتحت لي أبواب المشاركات اللاحقة في مهرجانات ولقاءات، بين أوروبا وأميركا وأميركا اللاتينية.
* وصفك برنار نويل، مترجمك إلى الفرنسية، بالصبر على البحث عن الأصالة داخل اللغة العربية. إلى أين قادك مثل هذا البحث؟
- برنار نويل شاعر فرنسي كبير، وله معرفة واسعة بالشعر العالمي، وقريب جدا من الشعر العربي المعاصر، من خلال أبرز أسمائه، خاصة الذين ترجمت بعض أعمالهم إلى الفرنسية. حصل التعارف بيننا في أواسط الثمانينات، وابتداء من تلك الفترة ترسخت العلاقة بيننا. وعندما تعاونت معه على إنجاز ترجمة لبعض قصائدي، ثم ديوان «هبة الفراغ»، استطاع أن يذهب أبعد في قراءة شعري وإدراك قيمته. لا شك في أن لرأيه اعتبارا، لأنه متحرر من العقلية الفرانكفونية وبعيد عن القيم السائدة في العالم العربي. ونستخلص من ذلك، أن الكتابة بالعربية مثل الكتابة بغيرها. فالشاعر (أو الكاتب) هو نفسه الذي يعطي البعد الأعلى للغة. لقد كنت واعيا منذ البدء بأن الكتابة بالعربية إما أن تكون حديثة وإما لا. كما كان واضحا لدي أن الانخراط في الحركة الشعرية الحديثة لا بد أن يكون ذا بعد كوني. كل ذلك يتطلب ثقافة واعية بتراثها اللغوي والشعري، وعلى صلة عميقة ومباشرة بالثقافة الإنسانية.
* هل يعني انخراطك في الحركة الشعرية الحديثة هو الذي قاد إلى حضورك شعريا في المشهد الشعري العالمي، أكثر مما لو كنت من الشعراء الكلاسيكيين؟
- طبعا، هذا أمر بدهي. إن لقاءنا العالم الحديث يصعب أن يتحقق من خلال رؤية تقليدية للشعر وللحياة في آن. فالشعر العربي التقليدي، كما نعرفه لدى أحمد شوقي أو من سواه، ليس له أي حضور في الوسط الشعري الغربي، بخلاف الشعر العربي الحديث. بل إن شعرنا القديم ذو مكانة أقوى من التقليدي، تتسع شيئا فشيئا إمكانية ترجمته وتداوله بين الشعراء والفلاسفة الغربيين، وليس فقط بين المستشرقين، كما تعودنا من قبل.
* بماذا ترد على من ينتقصون من قيمة شعر الحداثة في العالم العربي؟
- أتأسف لكوننا لم نقطع المسافة الضرورية، بكل جرأة وشجاعة، لتصبح الثقافة العربية الحديثة مندمجة في نظامنا التعليمي وفي حياتنا العامة، ولم نتجرأ بعد على كسر الطوق المضروب حول اعتقاداتنا السائدة. هناك أدب عربي حديث تراكم عبر أجيال، في كل من المشرق والمغرب، وهو يوما بعد يوم يرفع العربية وثقافتها إلى مستوى الوعي النقدي والجمالي بالذات وبالعالم. ومن ينقصون من قيمة شعر الحداثة يعيشون خارج الزمن الحديث وخارج المغامرة الكبرى لتحديث الشعر واللغة العربية على السواء. إنهم مضادون لحياة العربية، كما أنهم مضادون لحياة مبدعة ومتجددة.
* ترأست «بيت الشعر في المغرب» من 1996 إلى 2003. ونجحت في تحقيق طلبك من «اليونيسكو» بتخصيص يوم عالمي للشعر. فهل تعتقد أن الشعر ما زال يحتل مكانته أم أنه تراجع؟
- هناك بالتأكيد تراجع في حضور الشعر بالوسط الثقافي إجمالا، في المكتبات وفي المعارض، كما في مكانة الشعر ضمن الأنشطة الثقافية. هذه وضعية عالمية، ولأجل مواجهتها كنت قدمت طلبي إلى «اليونيسكو». وتعني هذه الوضعية، قبل كل شيء، سيطرة الأدب الإعلامي، الذي تمثله، في أجلى حالاته، الرواية التي تكتب اليوم. لا بد أن نكون واعين بهذا الذي يحدث. وأول من يجب أن يستوعب الانحسار الذي يعيشه الشعر هم الشعراء. عليهم ألا يتراجعوا عن الشعر وألا يتنكروا له أو يندموا على ما كتبوه. التاريخ لم ينته بعد، وأفق الشعر لا يعد أصحابه بغير إبداع لغة متفردة، هي السبيل كي تبقى اللغة موجودة على الأرض.
* لم تكتف بكتابة الشعر، بل شاركت بقوة في حركة النقد والتنظير للشعر.. كيف توفق بين الاثنتين؟ ألا تجد أن هناك تناقضا بين كتابة الشعر وممارسة النقد؟
- عملي عن الشعر المغربي الحديث، ثم العربي، جاء ضمن تهيئي لشهادات جامعية. وقد اتبعت فيهما الطريق النظري، أي الشعرية، في أحدث توجهاتها. وهي تختلف تماما عن النقد. ولكني لم أتخل قط عن الشعر. ويبقى أن كتابة القصيدة أصعب لأنها إبداع، وكل إبداع يتطلب تثقيفا متواصلا وعملا لا يعرف التعب أو الملل. كتابة القصيدة تنـتمي إلى المجهول، وتجربة كتابتها مختلفة ومتفردة.
* منعت السلطات المغربية مجلة «الثقافة الجديدة» عام 1984. فما طبيعة علاقتك الآن بالسلطة؟ وما طبيعة العلاقة التي يجب أن تكون بين المثقف والسلطة؟
- سلطة الدولة اليوم في المغرب تحترم أكثر حرية التعبير. على أنني كنت دائما حريصا على البعد عن السلطة. فالمثقف له مسؤولية النقد، التي تفرض عليه حماية محيطه الحيوي من أي تدخل في حريته أو فرض تبعيته لأي جهة سياسية. هذا الاختيار صعب، لأننا لم نتعلم بعد قبول ممارسة الحرية المطلوبة للثقافة، كما أننا لم نفهم بعد أن المثقف يقوم بعمل لا يمكن أن يكون ذا معنى إن هو كان خاضعا لمن يمنع عنه حرية الكلام والتعبير والتفكير. وقد كنت على الدوام أقاوم ما يمنع عني حريتي، سواء من جانب سلطة الدولة أو سلطة الأحزاب والمؤسسات السياسية أو حتى الثقافية التابعة للأحزاب.
* في ظل الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية، هل ترى أن المثقف العربي فشل في القيام بدوره في هذه الأحداث؟
- لا يمكن الحديث عن المثقفين بالجمع. عندما تفاجأ المثقفون مثلما تفاجأ السياسيون بالربيع العربي، أعلن قسم منهم انحيازهم إلى حركة الشبان ووقفوا إلى جانبها بالكتابة والمشاركة في النقاشات. لكن هناك آخرين تبرؤوا منها. والثقافة اليوم في وضع صعب، بل إن الثقافة تكاد تغيب عن الساحة في أغلب البلاد العربية. ما نعيشه قلب كامل لمشروع تاريخي، وتغيير لمساره، بينما الثقافة ليست مهيأة بما يكفي لتبصر ما نعيش والانتقال إلى أفق مفتوح. يبدو لي هذا الاختيار شبه مستحيل في الفترة الراهنة. وما يمكن أن يقوم به كل من يشترط في عمله الحرية هو أن يعمل بشكل فردي، خارج أي ضغط كيفما كان.
* كيف تقيم تجربتك في «كتاب الحب» مع التشكيلي ضياء العزاوي؟ وما الذي أضافته إليك كشاعر؟
- تجربة «كتاب الحب»، التي هي كتابة تتقاطع مع كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم، كانت مفيدة جدا. فضياء العزاوي يتميز بتجربته الطويلة والرائعة مع الشعر العربي، قديمه وحديثه. وهو خبير بالحوار الذي أقامه مع أعمال شعرية وأدبية. وما أضافته لي هو أنها دفعتني لكتابة عمل لم يكن إنجازه في الحسبان. ويكمن نجاح عملنا المشترك في أن كل واحد منا اشتغل بحرية كاملة.
* كتبت سيرة ذاتية عام 1996 «شطحات لمنتصف النهار». فهل تنوى استكمالها؟
- تراودني أحيانا فكرة كتابة ما بعد «شطحات لمنتصف النهار». لكن، لدي الآن أعمال أخرى تنتظر الإنجاز، وأتمنى أن أنجح ذات يوم في استئـناف ما كنت كتبته. ولا أظن أن ذلك سيسير على نفس شاكلة الكتاب الأول. فأنا أؤمن بأن كل كتاب يجب أن يكون تجربة مستقلة بذاتها. مع ذلك، سنرى.
* ما جديدك في العام الجديد؟ وهل تشهد الفترة المقبلة انخراطا أكثر في الكتابة والدراسة النقدية أم عودة للشعر؟
- أشتغل على ديواني الجديد، الذي أخذ مني وقتا، وأنا منتبه لما يفرضه علي من مراقبة ومعرفة وقدرة على اختراق ما سبقت لي كتابته. أكتب بسلوك الناسكين. ثم إني أعمل على إعادة نشر أعمال لي في طبعات جديدة. لقد كان الشعر كلمتي الأولى وكذلك ستبقى، في الكتابة والحياة.



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية