لمن يكتب المبدعون المغاربة... اليوم؟

بين أسئلة الجدوى والحرية والالتزام وتخيل قارئ محدد

طارق بكاري  -   محمد عبد الغني  -  عبد اللطيف السخيري
طارق بكاري - محمد عبد الغني - عبد اللطيف السخيري
TT

لمن يكتب المبدعون المغاربة... اليوم؟

طارق بكاري  -   محمد عبد الغني  -  عبد اللطيف السخيري
طارق بكاري - محمد عبد الغني - عبد اللطيف السخيري

كثيراً ما يُطرح سؤال «لمن نكتب؟» مقروناً بـ«كيف؟» و«لماذا؟»، من دون أن تستقر الإجابة على حال، وذلك تبعاً لقناعات المبدعين والتحولات المرتبطة بالكتابة في علاقةٍ بالرؤية إلى العالم، وما يَسْتَضْمِرُه السؤال منْ إشكالات الكِتابة: الجَدوى، الحُرية، الالتزام وثُنائيَّة الشَّكل والمضمون.
في علاقة بسؤال «لمن نكتب؟»، وما قد تتناسل عنه من أسئلة، نقرأ للكاتب والشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي، في كتابه «شاعر يمر» الذي استعاد فيه جانباً من سيرته الذاتية: «لم تتوقف المعارك التي انخرطت فيها لحد الآن، إلا أنني أجد نفسي سائراً في منعطف وفي الوقت نفسه متورطاً فيه. اعتباراً من ذلك فإن سؤال لمن نكتب ولماذا وكيف؟ سوف يُطرح على نحو مختلف. نكتب من أجل الحفاظ على ذاكرة المغامرة الإنسانية، وربما لكي نشهد، مَن يدري خلال كم من الوقت، آخر اختلاجاتها، هل تكون تلك هي المهمة الأخيرة للأدب؟ هل يشاركني كتاب آخرون الإحساس نفسه أمام هذه الخلخلة، أم أنني وحدي في ركني مَن يشعر بالذعر ويغرق في الهذيان؟».
من جهته، اختار عبد الفتاح كيليطو، في كتابه «حصان نيتشه»، أن يطرح قضية الكتابة في علاقتها بفعل القراءة. يقول: «إحدى مهام الكاتب هي أن يتبنى نبرة، ويحتفظ بها، ويجعل القارئ يتقبلها. حينما أقرأ محكياً، يحدث أن أقول لنفسي أمام مقطع: قد عشت هذا المشهد، وأحسست بهذه العاطفة، ويتكون عندي انطباع بأن ما أقرأه قد كُتب لي خصوصاً، بل يحدث أن أقول لنفسي بكل سذاجة: «كان بمقدوري أن أكتب هذا الفصل، وهذا الكتاب. وفي حال قصوى، أكاد أحقد على المؤلف لأنه قد اختلس شذرة من ذاتي، وسلبني إياها! سيسعدني أن يصادف القارئ نفسه في هذا النثر السردي، أن يتوجه إليه بإحساس أنه كان بإمكانه أن يكتبه، ويقرأه كما لو كان هو نفسه قد كتبه».
ماذا يقول كتابنا الذين ينتمون إلى جيل لاحق؟
- محمود عبد الغني: أكتب لشخص يشبهني
جواباً عن سؤال «لمن أكتب؟»، يقول الشاعر والروائي محمود عبد الغني: «أكتب لشخص يشبهني، يضجر في كل سطر، يعرف كل شيء ويجهل كل شيء في آن واحد. عدوّ ذكي للكاتب، يقف عند كل فكرة يقدمها له ويتأملها، ويعيد قراءة كل حكاية ليختبر صلابة تخييلها، وعند كل حبكة ليرى تماسكها وحسن تنظيمها. هكذا أتخيّل قارئي. لا أقصد المثقف بل صاحب خبرة في القراءة، والتأمل، والضجر السريع. كل شيء في هذا القارئ جميل ومثير ورائع. قارئ رقيق يقرأ بالنهار، فيكون قارئاً مستمعاً لنبض النصوص، وبالليل فيكون رقيقاً مثل الليل، الكلمات بالنسبة إليه أنشودة والشخصيات أغوار».
ويستحضر عبد الغني، الجاحظ، الذي قال عن هذا الشبيه إنه «يعرف كل شيء، وربما أكثر من الكاتب نفسه. بل وحتى إن كان يحبك ويقتني كتبك، فليس لأنه مستسلم لها أو لك، بل لأنه يريد عجنها من جديد، وإخراجها في شكل جديد»، و«لذلك -يستدرك محمود عبد الغني- وجب الحذر منه، ورؤية ظلاله المنتشرة في كل مكان. كل شيء فيه يفضحه، إنه كاتب متنكّر في هيئة قارئ. مؤوّل لا يملّ، شكلاني لا حدود لشكلانيته. وأنا أكتب إليه وأحييه. أنا سكرتيره الخاص. وذلك قدري الجميل».
- طارق بكاري: أكتبُ استشفاءً
من جهته، يقول الروائي طارق بكاري، جواباً عن السؤال نفسه: «شخصياً عندما أكتب لا ألقي بالاً لمسألة التلقي. أؤمنُ بأن الكاتب حينَ يخلصُ للكتابة ويبدعُ بصدقٍ فإن ما يكتبهُ يصلُ بصدقٍ إلى قلوب القراء بغضّ النظر عن اختلافاتهم الشكلية، لأنّ الأدب الحقيقي يخاطبُ الإنسان في القارئ، وهو واحد، بغضّ النظر عن الجغرافيا، أو اللغة أو الدين... ثمّ إنني أكتبُ لنفسي كذلك، أكتبُ استشفاءً. لطالما آمنتُ بإمكانية التداوي بالأدب كتابةً وقراءةً، ولأنني أجدُ في الكتابة عزاءً من نوع ما فلا بد من أن يجد القراء في الأدب هذا العزاء».
يستدرك بكاري فيقول إنه يكتبُ أيضاً «لمن يؤمنون بأن بمقدور الأدب أن يرتق الجراح الكثيرة التي تخلفها الحياة في أرواحهم، لمن يرون مثلي أن باستطاعة الأدب أن يصالحهم مع ذواتهم، أن ينقدهم، والأهم أن يُطلعهم على الحجم الحقيقي لأحزانهم، أكتبُ للذين يؤمنون بجدوى هذا التطهير. وأكتب أيضاً للمستقبل، أريدُ لنصوصي أن تعيشَ طويلاً بعدي، أشتهي هذا الخلود الرمزي الذي يمنحنا إياه الأدب، وأراهن على هذا الأمر في كل ما أكتب. كما أنني أكتبُ للحاضر، لقرائي وهم كثيرون من المحيط إلى الخليج، للقراء المخلصين جداً مغاربةً وعرباً».
- عبد اللطيف السخيري: لِمَن... ولماذا؟
ويرى الشاعر عبد اللطيف السخيري، أن سؤال «لِمَنْ يَكْتُبُ المُبدِعُون المغاربة اليَوم؟» هو «سُؤالٌ مُتعدِّدُ الأَبعاد، وإِنْ كانَ التبئيرُ فيه على المُرسَل إليه أَسَاساً».
يشدد السخيري على أن تعدُّدية السُّؤال تتبدى «فيما يَسْتَضْمِرُه منْ إشكالات الكِتابة، كأسئلة: الجَدوى، والحُرية، والالتزام، وثُنائيَّة الشَّكل والمضمون... إلخ»؛ ليرى أن مُسْتَنَد هذا الزَّعْم «تلازُمُ سُؤالِ: لِماذا نَكتُب؟ وسؤال: لِمَنْ نكتُب؟ حيثُ تَتَعَدَّى الكتابة الذَّاتَ نَحو المُتلقي أو القارئ تَحديداً»، مشيراً إلى أنَّ «دَوافعَ الكِتابة وغَاياتِها تَختلِفُ من مُبدِعٍ إلى آخر، تَبَعاً لسياقه الثقافي والاجتماعي والتاريخي، ولاستعداداته النفسية، وأسئلته الإبداعية»، وأن «العوامل ذَاتها تحدِّدُ العَلاقة التي يَبْنِيها، أو يَفْتَرِضُها تجاهَ القَارئ في أثناء فعل الكِتابة، سواءٌ أَكَان قَارئاً مُفترضاً، أَم مُتخيَّلاً، ضِمْنياً، أم خبيراً... إلخ».
يستدرك السخيري، فيشير إلى أن «العلاقة المُشارَ إليها هُنا، لَيست بالبَساطة التي قد نَظُنُّها. فقدَ فَتحت نَظريات التلقي والقِراءة وَعْيَنا على الدور الكبير الذي يُؤَدِّيه القَارئُ في بِناء مَعْنَى النَّص بما يَجْعَلُ القِراءة كِتَابَة عَلى كِتَابة، أي كتابة مُضاعَفَة. وعَلى الرُّغم من أَنَّ نَفْي أَي دَوْرٍ للقارئ في أَثناء إِنتاج العَمَل الإبداعي يَبْقَى ضَرْباً منَ العِناد غَيْرِ المُجدي؛ فَإنَّ الزَعم بأنَّنا نَتوجَّهُ إلى قَارئ مُعَيَّن، وأننا نَعْمَلُ على التأثير فيه، وتَغْييرِ قَناعاته، هُوَ قَوْلٌ لا يَقِلُّ ادِّعاءً عن سَابِقِه. وبَيَانُ ذلكَ أنَّنا في الكِتابة –وبخَاصَّة الكِتابة الشِّعرية- نَكتُبُ ونحنُ على وَعْي بِانتِمَاء فِعْلِنَا لِسِيَاقٍ درَاميّ، تَتَوَجَّهُ فيهِ الذَّاتُ نحوَ ذَاتِها، وتَظَلُّ -في تصوُّرِنا- مُتَأَرْجِحَة بينَ اليَأس من تفَاعُل الآخَر مَعها، وبَين الأَمَل في ذلكَ التفاعُل الذي يَتَغَيَّا تَغْيير الوَاقع».
يربط السخيري إجابته عن السؤال بالسياق الثقافي المغربي الراهن، الذي قال عنه إنه «يُحفِّزُ على مُشاطرة موريس بلانْشُو رَبْطَهُ الكتابة بالمَوت، على اعتبار أن (اكْتِمال) العَمل الأدبي هو إِعلانٌ عن مَوْتِ مُؤلِّفِه، وبِداية حَياة العَمَل في لَحْظَة الاِنْفِصَال هاتِه، التي هِي في الآن نَفْسِه لحظة اتِّصال آخر بِواسطة القِراءة. وبهذا الفَهْمِ يَسْتحيلُ التواصُل بين المُؤلِّف والقَارئ، لأنَّ التواصُل –إِن تَمَّ- يَكُون بينَ القارئِ والعَمل الأدبي (المُؤلَّف) بِوَصْفِه إِنْتَاجاً لُغَويّاً بالأسَاس. وهُنا تَحْضُرنِي قَصيدة مُكَثَّفَة لِتْشَارْلز سِيمِيك بعنوان (إلَى القَارئ): أَلا تَسْمَعُنِي-أَخْبِطُ حَائِطَكَ- برَأْسِي؟- بِالتأْكِيدِ تَسْمَعُنِي، - فَلِماذا إِذاً- لا تَرُدُّ عَلَيَّ؟- اِخْبِطِ الْحَائِطَ مِنْ جِهَتِك- وَلْنَبْقَ خِلّاناً».
يختم السخيري، بالقول: «نَكْتُب إلى هَذا القارئ، ونَكُونُه عند تَلقِّينا لِكِتابة الآخرين، فَتَحْضُر المُفارقة بين التواصُل واستحالته. لَمْ تَعُدِ الحَاجَة –في ضَوْءِ أُفُول الآيديولوجيا في سياقِنا الثَّقافي- إلى التزام الكَاتب بالمَعْنَى السَّارتريّ؛ وإنَّما نَحْنُ في حَاجة إلى التزَام الْكِتَابة بِمُقَوِّمَاتها الشَّكلية والمَضْمُونية، وهي تَبْحَثُ عن حَداثَتها الخاصّة».



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».