السجن 30 عاماً لشقيق محمد مراح منفذ هجوم تولوز

الدفاع يعلن استئناف الحكم ويتهم الادعاء بالتأثر بالرأي العام

عبد القادر مراح خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية في باريس في 25 مارس 2019 وهو الشقيق الأكبر لمحمد مراح الذي قتل سبعة أشخاص في تولوز ومونتوبان (جنوب غربي فرنسا) في مارس 2012 (أ.ف.ب)
عبد القادر مراح خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية في باريس في 25 مارس 2019 وهو الشقيق الأكبر لمحمد مراح الذي قتل سبعة أشخاص في تولوز ومونتوبان (جنوب غربي فرنسا) في مارس 2012 (أ.ف.ب)
TT

السجن 30 عاماً لشقيق محمد مراح منفذ هجوم تولوز

عبد القادر مراح خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية في باريس في 25 مارس 2019 وهو الشقيق الأكبر لمحمد مراح الذي قتل سبعة أشخاص في تولوز ومونتوبان (جنوب غربي فرنسا) في مارس 2012 (أ.ف.ب)
عبد القادر مراح خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية في باريس في 25 مارس 2019 وهو الشقيق الأكبر لمحمد مراح الذي قتل سبعة أشخاص في تولوز ومونتوبان (جنوب غربي فرنسا) في مارس 2012 (أ.ف.ب)

في شهر مارس (آذار) عام 2012. تسمرت كاميرات التلفزة العالمية على شقة في أحد أحياء مدينة تولوز «جنوب شرقي فرنسا» لتتابع المواجهة بين شخص متهم بقتل 7 أشخاص بينهم ثلاثة من الفرقة الأجنبية في الجيش الفرنسي ومدرس وثلاثة أطفال من مدرسة يهودية في المدينة المذكورة. وبعد حصار دام 32 ساعة، نجحت فرقة التدخل التابعة للشرطة الفرنسية في الدخول بصعوبة إلى شقة الجاني التي كانت قائمة في الطابق الثاني وأصيب خمسة من عناصرها بالرصاص قبل أن ينجح أحد رماة النخبة التابعة للفرقة من إصابة الجاني برصاصة قاتلة. كل ذلك حصل تحت سمع ونظر العالم. وبسرعة فائقة، برز اسم محمد مراح وصفته «قاتل الدراجة النارية» بسبب استخدامه لهذه الدراجة في عمليات الاغتيال التي قام بها في مدينتي تولوز ومونتوبون «القريبة من الأولى». وشيئا فشيئا، ظهرت حقيقة محمد مراح الذي لم يكن نكرة لدى المخابرات الداخلية الفرنسية. وهذه الأخيرة كانت تتابعه منذ سنوات، ليس فقط لأنه كان نزيل السجون لجنح مختلفة «سرقة، أعمال سطو، العنف، تهريب المخدرات.....» بل لأنه جند للتطرف الديني الأصولي وسافر إلى باكستان وأفغانستان وسوريا ولبنان والعراق ومصر وفلسطين وإسرائيل وكان على تواصل مع طالبان حيث تدرب على استخدام السلاح في أحد مخيمات قندهار. كذلك، فإن المخابرات الأميركية وضعت اليد عليه في أفغانستان وأطلعت المخابرات الفرنسية على «أنشطة» هذا الشاب مزدوج الجنسية «الفرنسية والجزائرية» الذي قتل بالرصاص في الثالثة والعشرين من عمره.
مات محمد مراح لكن صورته لم تمت إذ أنه يمثل «الموجة الثانية» من الإرهاب الأصولي الذي ضرب فرنسا. وجاءت الموجة الإسلاموية الأولى إلى هذا البلد مع الأصوليين الجزائريين الذين ضرب إرهابهم باريس والعديد من المدن الفرنسية في العام 1995. ومع أولى العمليات الإرهابية التي أصابت فرنسا مجددا مع بدء العام 2015 وارتباط العديد منها بتنظيمات متطرفة أكانت القاعدة أم «داعش»، عادت إلى الأذهان صورة محمد مراح لسببين: الأول، محاكمة شقيقه عبد القادر مراح والثاني كونه يمثل النموذج الإرهابي الذي انتقل من خانة ارتكاب الجنح «العادية» التي أوصلته إلى السجون حيث اتجه إلى التطرف الديني والجهادي لكون السجون المدرسة الثانية في فرنسا بعد الإنترنت التي توصل إلى الجهاد وإلى التواصل مع تنظيمات إرهابية خارجية.
كل هذه العناصر وكثير غيرها تم تحليلها والتمحص فيها ودراسة التشابكات فيما بينها بمناسبة محاكمة شقيق مراح والأكبر منه سنا. وقد انتهت المحاكمة التي جرت أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس وقضت بعد مطالعات الادعاء والدفاع، بإدانة عبد القادر مراح وإنزال الحكم بسجنه لثلاثين عاما بسبب «التواطؤ» مع شقيقه في عمليات القتل. إلا أن إريك دوبون موريتي، محامي عبد القادر وأحد أساطنة المحامين في باريس أعلن أن موكله يريد الطعن بالحكم استئنافه أمام محكمة التمييز خصوصا أن الحكم الأول الذي صدر عن المحكمة الابتدائية والذي استأنفه الادعاء العام وأهالي الضحايا لم يثبت تهمة التواطؤ بحق عبد القادر. وفي أي حال، فإن الادعاء العام الذي كان يطالب الحكم بالسجن مدى الحياة لـعبد القادر لم يحصل على ما كان يسعى إليه.
حقيقة الأمر أن معركة قانونية حامية حصلت طيلة عدة أسابيع أمام محكمة التمييز. من جهة الادعاء ومن جهة ثانية الدفاع. وجوهر المعركة كان السعي لجلاء الدور الذي لعبه عبد القادر في الأعمال الجرمية والإرهابية التي ارتكبها شقيقه. وكان واضحا أن مصير هذه المعركة المعقدة والمتأثرة بضغوط الرأي العام وصور العمليات الإرهابية «الحديثة» التي ضربت باريس والكثير من المدن، لم يكن محسوما. والسؤال المطروح يتناول مدى اطلاع عبد القادر على ما خطط له ونفذه شقيقه وأهمية المساعدة اللوجيستية والمعنوية التي وفرها لشقيقه الأصغر. وتجدر الإشارة إلى أن عبد القادر نفسه كان ينتمي إلى التيار الإسلاموي المتطرف وكان على تواصل مع محمد.
الثابت أن عبد القادر هو من وفر الدراجة النارية التي استخدمها شقيقه في تنقلاته وفي عمليات الاغتيال السبع التي قام بها. وجاء في حكم المحكمة أن عبد القادر «بوضعه دراجة نارية بتصرف محمد مراح، قدم مساعدة للإعداد للأعمال الإجرامية لشقيقه»، موضحة أن عبد القادر مراح «كان على علم تام بخططه الإجرامية» وبالتالي فإنه ّ«شريك في الجرائم». والأكثر من ذلك أن المحكمة أشارت إلى أن عبد القادر مراح اعترف بأن شقيقه أسر له عند عودته من المنطقة القبلية في باكستان في نهاية 2011 بأنه «مستعد لرفع الراية، وهي عبارة لا تترك مجالا للشك في تصميم محمد مراح». وأضافت أن «الفخر الذي عبر عنه منذ توقيفه بأفعال شقيقه (...) وعدم تعبيره عن الندم» خلال التحقيق والمحاكمة دفعا المحكمة إلى إصدار «عقوبة قاسية». ورأى الادعاء في مطالعاته أن عبد القادر كان «الرأس المدبر» بينما محمد كان الذراع التي ضغطت على الزناد. وأكثر من ذلك فقد وصف عبد القادر بأنه «المرشد الروحي» و«الملهم» لشقيقيه وبالتالي فإن مسؤوليته كبيرة. ولكل هذه الأسباب، ارتفعت عقوبة عبد القادر من عشرين سنة «وفق محكمة البداية» إلى ثلاثين سنة وفق محكمة الجنايات الخاصة».
ومن جهة أخرى، خفضت المحكمة عقوبة المتهم الثاني فتاح ملكي (36 عاما) بعدما اكتفت بإدانته بـ«المشاركة في عصابة أشرار» وأسقطت صفة الإرهاب. وقد حكم على الرجل المتحدر من تولوز بالسجن عشر سنوات لأنه أمن قطعة سلاح وسترة واقية من الرصاص لمحمد مراح. وكانت محكمة البداية حكمت عليه بالسجن 14 عاما. هذه القراءة رفضها محامي عبد القادر الذي سعى لاستغلال نقطة ضعف الادعاء وهي غياب الأدلة الحسية التي تتيح للمحكمة تجريم موكله. وأخذ أريك دوبون موريتي على الادعاء التحرك تحت ضغط الأحداث وبفعل التأثر بينما طالب هو بالنظر فقط في الدلائل والقرائن ليس إلا. لكن دفاعه لم يكن كافيا للمحلفين الذين تداولوا طويلا قبل النطق بالحكم.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended