الزنتان تتأهب لاسترداد مطار طرابلس من قوات مصراتة

معركة على «الشرعية» في ليبيا.. وانقسام في الجيش بعد تعيين قائده الجديد

الزنتان تتأهب لاسترداد مطار طرابلس من قوات مصراتة
TT

الزنتان تتأهب لاسترداد مطار طرابلس من قوات مصراتة

الزنتان تتأهب لاسترداد مطار طرابلس من قوات مصراتة

بينما تتأهب ميليشيات الزنتان وجيش القبائل الليبية المتحالف معها لتحرير مطار العاصمة الليبية طرابلس من قبضة ميليشيات مصراتة وحلفائها، عاد المؤتمر الوطني العام (البرلمان) المنتهية ولايته إلى المشهد السياسي باجتماع سيعقده بمقره بطرابلس اليوم الاثنين فيما بدا أنه بمثابة معركة على الشرعية بينه وبين مجلس النواب المنتخب الذي يتخذ من مدينة طبرق في شرق ليبيا مقرا مؤقتا له.
وتلقت «الشرق الأوسط» معلومات عن عمليات انتقام واسعة النطاق قامت بها القوات المشاركة ضمن ما يسمى بعمليتي «فجر ليبيا» و«قسورة» في مدينة طرابلس ضد بعض المحسوبين على كتائب الزنتان وجيش القبائل التي تعرضت لهزيمة مفاجئة أول من أمس أجبرتها على إخلاء مواقعها في المطار الذي سيطرت عليه قوات مصراتة.
وقال شهود عيان إن مطار طرابلس الدولي لـ«الشرق الأوسط» أصبح في حالة يرثى لها بعدما أقدمت ميليشيات مصراتة على عمليات تخريب واسعة في مختلف منشآته، فيما أظهرت بعض الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي عناصر من هذه الميليشيات وهي تلوح بعلامة النصر وترقص على الطائرات المحطمة والرابضة في مدرج المطار الذي تعرض أيضا للتخريب.
وتحدث سكان رفضوا الكشف عن هويتهم عما وصفوه بحملة مداهمات كبيرة في عدة أحياء من العاصمة لكل العائلات التي شارك أبناؤها في الدفاع عن المطار قبل سقوطه أو التي تدعم عملية الكرامة التي يشنها الجيش الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد المتطرفين في شرق ليبيا.
وقالت مواطنة بالمدينة لـ«الشرق الأوسط»: «لمجرد أنها تحمل لقب الزنتاني أو الورشفاني يجري إشعال النيران في بيوت تلك العائلات»، فما رأى مواطن آخر أن ما يجري يشبه التطهير العرقي، على حد قولها.
كما روى السكان ما وصفوه بانتهاكات لحقوق الإنسان من قبل الميليشيات المتطرفة بعد سيطرتها على مطار طرابلس والعاصمة نفسها بشكل عام، وقالوا إن «عناصر هذه الميليشيات يبحثون عن كل الشخصيات من التيار المدني وصحافيين وناشطين ويداهمون منازلهم». وقالت مصادر إن منازل بعض وزراء الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله الثني لم تسلم أيضا من هذه الانتهاكات، مشيرة إلى اقتحام منزل وزير المواصلات في حي الأندلس والعبث بمحتوياته.
وقالت مواطنة لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عائلة تحمل لقب الورشفاني في حي غوط الشعال تم حرق منزلها، لأن مدينة ورشفانة بالكامل كانت تناصر الجيش، وكان أبناؤها عقبة أمام الميليشيات للتقدم باتجاه طرابلس طيلة الـ40 يوما الماضية».
كما أكد مسؤول أمني رفيع المستوى في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» أن «ميليشيات مصراتة وحلفائها سيطروا على المطار بالكامل ودخلوا إلى مقر جمعية الدعوة الإسلامية وأغلقوا كل الشوارع المؤدية للمطار من جهة الشمال من الفلاح والدريبي والحي الإسلامي».
وتابع: «إذا لم يكن هناك قرار انسحاب من المجلس العسكري للزنتان، كما يشاع، وإذا لم يقصف الطيران، فالتوقعات أن الساعات المقبلة ستشهد حربا قوية». وأبلغت مصادر مقربة من المجلس العسكري للزنتان «الشرق الأوسط» أن قرار الانسحاب من المطار كان تكتيكا، نافية تعرض قوات الزنتان لهزيمة، وقالت: «الانسحاب أمر مؤقت، سرعان ما سنسترد مواقعنا ونقضي على الجماعات المتطرفة حول المطار».
لكن المصادر نفسها امتنعت عن الخوض في تفاصيل، فيما قالت مصادر ليبية إن قوات الزنتان ومصراتة تحشد مقاتليها مجددا تحسبا لمعركة جديدة حول المطار الذي يقع على بعد 30 كيلومترا جنوب العاصمة طرابلس.
ونفى المكتب الإعلامي لعملية «فجر ليبيا» ما تردد عن استهداف طائرات مجهولة لقوات «فجر ليبيا» في العاصمة طرابلس أو أي أماكن أخرى، مؤكدا في بيان مقتضب أن «كل قواتنا بخير وعافية ولم تتعرض إلى أي قصف أو استهداف، وكل المواقع التي تم تحريرها (أول من) أمس لا تزال تحت سيطرتنا».
وتتكون قوات «فجر ليبيا» في أغلبها من ميليشيات مدينة مصراتة التي تقع على بعد 200 كيلومتر شرق طرابلس، وحلفائها من الإسلاميين في مختلف مناطق غرب البلاد، وتقاتل مع ميليشيات الزنتان وحلفائها من «الوطنيين» الذين يلقون دعما من خليفة حفتر اللواء المتقاعد من الجيش الليبي.
من جهته، أبلغ عمر حميدان الناطق الرسمي باسم المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق «الشرق الأوسط» أن المؤتمر سيجتمع بمقره في العاصمة طرابلس غدا الاثنين بناء على دعوة مفاجئة وجهها رئيس المؤتمر نوري أبو سهمين إلى الأعضاء.
وقال حميدان إن المؤتمر سيستأنف نشاطه مجددا في أعقاب دعوة عدد من الثوار السابقين المؤتمر إلى الانعقاد كونه «الممثل الشرعي الوحيد»، مشيرا إلى أن عددا من أعضاء المؤتمر عقدوا اجتماعا طارئا في طرابلس مساء أول من أمس لحفظ سيادة البلاد، على حد تعبيره.
وكانت عملية «فجر ليبيا» قد أعلنت عدم الاعتراف بمجلس النواب الجديد والحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني، وقال متحدث باسمها: «ندعو المؤتمر الوطني العام لسرعة الانعقاد باعتباره الجسم الشرعي الوحيد القائم لضمان الحفاظ على ثوابت ثورة السابع عشر من فبراير (شباط) عام 2011 التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي».
وكان مجلس النواب المنتخب الذي أعلن نفسه أعلى سلطة تشريعية ودستورية في البلاد عقب انتهاء فترة ولاية البرلمان السابق قد عد «قوات فجر ليبيا» و«جماعة أنصار الشريعة» «مجموعات إرهابية»، وتعهد بدعم الجيش لمحاربتها.
ورأى المجلس في بيان تلاه أحد أعضائه أن الجماعات التي تتحرك تحت هذه التسميات «جماعات إرهابية خارجة عن القانون ومحاربة لشرعية الدولة»، وقال إنها «هدف مشروع لقوات الجيش الوطني الليبي الذي نؤيده بكل قوة لمواصلة حربها حتى إجبارها على إنهاء أعمال القتال وتسليم أسلحتها».
وانتقد البيان «ما يصدر عن رؤوس وقادة ما يعرف بعملية (فجر ليبيا) و(مجلس شورى ثوار بنغازي) من تصريحات لا تعترف فيها بمجلس النواب باعتباره المؤسسة الشرعية التي تمثل إرادة الشعب الليبي»، مضيفا: «تمادوا بالحديث عن انقلاب فعلي على الشرعية ومؤسساتها، وحضوا على مواصلة الحرب على أهلنا ومدننا». وجدد مجلس النواب «إدانته المطلقة التامة لأعمال الحرب والإرهاب التي تشنها الجماعات المهاجمة لمدينة طرابلس والجماعات المحاربة لمدينة بنغازي»، مؤكدا أنه «سوف يسعى بكل ما بوسعه من جهد وإمكانات لإنهاء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن».
وأكد المجلس أن «الحرب الدائرة الآن هي حرب بين الدولة الليبية ومؤسساتها الشرعية يقودها أبناؤنا من جنود وضباط الجيش ضد جماعات إرهابية خارجة عن القانون والشرعية»، لافتا إلى أنه «سوف يدعم قوات الجيش الوطني بكل ما يلزمها لحسم هذه الحرب ووضع حد لها».
إلى ذلك، وفي تأكيد على صحة المعلومات التي نشرتها «الشرق الأوسط» سابقا حول اعتزام مجلس النواب الليبي الإطاحة باللواء عبد السلام العبيدي من منصبه في رئاسة هيئة أركان الجيش الليبي، قرر المجلس مساء أمس إقالة العبيدي وتعيين عبد الرزاق الناظوري بدلا منه.
وقال أعضاء في المجلس إنه تم انتخاب الناظوري بعدما حصل على 88 صوتا في جلسة عقدها المجلس بمقره المؤقت في مدينة طبرق بأقصى شرق البلاد، مشيرة إلى أنه تمت ترقيته إلى رتبة «لواء» بعد انتخابه.
وكان المجلس قد استمع إلى سبعة ضباط كانوا مرشحين لتولي المنصب قبل أن يقع اختياره على العقيد الناظوري الذي كان آمر كتيبة الأوفياء في مدينة بنغازي وشارك بها في الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011.
لكن قيادات من الجيش الليبي أعلنت في المقابل عقب اجتماع عقدته بقاعدة طرابلس الجوية رفض هذا التعيين، فيما يمثل بداية انشقاق خطير في بقايا المؤسسة العسكرية الليبية المهترئة أساسا، حيث أعلنت هذه القيادات في بيان بثته وكالة الأنباء المحلية عن رفضها جر المؤسسة العسكرية الدخول في التجاذبات السياسية.
وأكدت تمسكها بقيادة رئيس أركان الجيش الليبي المتمثلة في شخص العبيدي، مبينة أن منطقة طبرق العسكرية والوحدات الواقعة في نطاقها خارج سيطرة الجيش الليبي ورئاسة أركانه.
وقال البيان إن قيادة الجيش الليبي تعمل تحت قيادة رئيس أركانه المتمثلة في شخص اللواء الركن عبد السلام جاد الله العبيدي وترفض رفضا قاطعا تعيين ضابط عمليات الكرامة رئيسا لأركان الجيش الليبي، كما أعلن رفض هيئة القيادة لما تقوم به قوات حفتر، وحذر كل من انتسب إليها بالملاحقة القانونية.
وأضاف البيان: «إن العمل الجبان الذي قامت به الطائرات المعادية هو خرق سافر لسيادة الدولة الليبية، وإن قتلها أبناء الشعب الليبي وتدمير مقدراته هو عمل يجب علينا التصدي له وملاحقة فاعليه والمتآمرين معهم».
وتشهد طرابلس منذ 13 يوليو (تموز) الماضي اشتباكات مسلحة، حيث تشن ميليشيات إسلامية متحالفة مع مجموعات من مدينة مصراتة (200 كم شرق طرابلس) عملية «فجر ليبيا» على كتائب مدينة الزنتان (170 كم جنوب غربي طرابلس) التي يتهمونها بأنها الذراع المسلحة للتيار الليبرالي والتي تسيطر على مطار طرابلس.
كما تشهد مدينة بنغازي (شرق ليبيا) قتالا شرسا بين قوات يقودها اللواء حفتر قائد قوات عملية «الكرامة» وكتائب إسلامية من الثوار الذين شاركوا في القتال ضد نظام القذافي تنضوي تحت لواء «مجلس شورى ثوار بنغازي».
إلى ذلك، أعلن صالح عقيلة مع رئيس مجلس النواب الليبي، أن المجلس لا يزال ينتظر تدخل المجتمع الدولي لحماية المدنيين الليبيين، لكنه شدد في المقابل على أن المجلس لم يطلب أي تدخل لتوجيه ضربات على ليبيا.
وأوضح أن هناك تدخلا أجنبيا في الشأن الليبي بهدف نشر الفوضى، عادًّا أن كل التشكيلات التي لا تنصاع لقرارات مجلس النواب هي خارج الشرعية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.