الزنتان تتأهب لاسترداد مطار طرابلس من قوات مصراتة

معركة على «الشرعية» في ليبيا.. وانقسام في الجيش بعد تعيين قائده الجديد

الزنتان تتأهب لاسترداد مطار طرابلس من قوات مصراتة
TT

الزنتان تتأهب لاسترداد مطار طرابلس من قوات مصراتة

الزنتان تتأهب لاسترداد مطار طرابلس من قوات مصراتة

بينما تتأهب ميليشيات الزنتان وجيش القبائل الليبية المتحالف معها لتحرير مطار العاصمة الليبية طرابلس من قبضة ميليشيات مصراتة وحلفائها، عاد المؤتمر الوطني العام (البرلمان) المنتهية ولايته إلى المشهد السياسي باجتماع سيعقده بمقره بطرابلس اليوم الاثنين فيما بدا أنه بمثابة معركة على الشرعية بينه وبين مجلس النواب المنتخب الذي يتخذ من مدينة طبرق في شرق ليبيا مقرا مؤقتا له.
وتلقت «الشرق الأوسط» معلومات عن عمليات انتقام واسعة النطاق قامت بها القوات المشاركة ضمن ما يسمى بعمليتي «فجر ليبيا» و«قسورة» في مدينة طرابلس ضد بعض المحسوبين على كتائب الزنتان وجيش القبائل التي تعرضت لهزيمة مفاجئة أول من أمس أجبرتها على إخلاء مواقعها في المطار الذي سيطرت عليه قوات مصراتة.
وقال شهود عيان إن مطار طرابلس الدولي لـ«الشرق الأوسط» أصبح في حالة يرثى لها بعدما أقدمت ميليشيات مصراتة على عمليات تخريب واسعة في مختلف منشآته، فيما أظهرت بعض الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي عناصر من هذه الميليشيات وهي تلوح بعلامة النصر وترقص على الطائرات المحطمة والرابضة في مدرج المطار الذي تعرض أيضا للتخريب.
وتحدث سكان رفضوا الكشف عن هويتهم عما وصفوه بحملة مداهمات كبيرة في عدة أحياء من العاصمة لكل العائلات التي شارك أبناؤها في الدفاع عن المطار قبل سقوطه أو التي تدعم عملية الكرامة التي يشنها الجيش الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد المتطرفين في شرق ليبيا.
وقالت مواطنة بالمدينة لـ«الشرق الأوسط»: «لمجرد أنها تحمل لقب الزنتاني أو الورشفاني يجري إشعال النيران في بيوت تلك العائلات»، فما رأى مواطن آخر أن ما يجري يشبه التطهير العرقي، على حد قولها.
كما روى السكان ما وصفوه بانتهاكات لحقوق الإنسان من قبل الميليشيات المتطرفة بعد سيطرتها على مطار طرابلس والعاصمة نفسها بشكل عام، وقالوا إن «عناصر هذه الميليشيات يبحثون عن كل الشخصيات من التيار المدني وصحافيين وناشطين ويداهمون منازلهم». وقالت مصادر إن منازل بعض وزراء الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله الثني لم تسلم أيضا من هذه الانتهاكات، مشيرة إلى اقتحام منزل وزير المواصلات في حي الأندلس والعبث بمحتوياته.
وقالت مواطنة لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عائلة تحمل لقب الورشفاني في حي غوط الشعال تم حرق منزلها، لأن مدينة ورشفانة بالكامل كانت تناصر الجيش، وكان أبناؤها عقبة أمام الميليشيات للتقدم باتجاه طرابلس طيلة الـ40 يوما الماضية».
كما أكد مسؤول أمني رفيع المستوى في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» أن «ميليشيات مصراتة وحلفائها سيطروا على المطار بالكامل ودخلوا إلى مقر جمعية الدعوة الإسلامية وأغلقوا كل الشوارع المؤدية للمطار من جهة الشمال من الفلاح والدريبي والحي الإسلامي».
وتابع: «إذا لم يكن هناك قرار انسحاب من المجلس العسكري للزنتان، كما يشاع، وإذا لم يقصف الطيران، فالتوقعات أن الساعات المقبلة ستشهد حربا قوية». وأبلغت مصادر مقربة من المجلس العسكري للزنتان «الشرق الأوسط» أن قرار الانسحاب من المطار كان تكتيكا، نافية تعرض قوات الزنتان لهزيمة، وقالت: «الانسحاب أمر مؤقت، سرعان ما سنسترد مواقعنا ونقضي على الجماعات المتطرفة حول المطار».
لكن المصادر نفسها امتنعت عن الخوض في تفاصيل، فيما قالت مصادر ليبية إن قوات الزنتان ومصراتة تحشد مقاتليها مجددا تحسبا لمعركة جديدة حول المطار الذي يقع على بعد 30 كيلومترا جنوب العاصمة طرابلس.
ونفى المكتب الإعلامي لعملية «فجر ليبيا» ما تردد عن استهداف طائرات مجهولة لقوات «فجر ليبيا» في العاصمة طرابلس أو أي أماكن أخرى، مؤكدا في بيان مقتضب أن «كل قواتنا بخير وعافية ولم تتعرض إلى أي قصف أو استهداف، وكل المواقع التي تم تحريرها (أول من) أمس لا تزال تحت سيطرتنا».
وتتكون قوات «فجر ليبيا» في أغلبها من ميليشيات مدينة مصراتة التي تقع على بعد 200 كيلومتر شرق طرابلس، وحلفائها من الإسلاميين في مختلف مناطق غرب البلاد، وتقاتل مع ميليشيات الزنتان وحلفائها من «الوطنيين» الذين يلقون دعما من خليفة حفتر اللواء المتقاعد من الجيش الليبي.
من جهته، أبلغ عمر حميدان الناطق الرسمي باسم المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق «الشرق الأوسط» أن المؤتمر سيجتمع بمقره في العاصمة طرابلس غدا الاثنين بناء على دعوة مفاجئة وجهها رئيس المؤتمر نوري أبو سهمين إلى الأعضاء.
وقال حميدان إن المؤتمر سيستأنف نشاطه مجددا في أعقاب دعوة عدد من الثوار السابقين المؤتمر إلى الانعقاد كونه «الممثل الشرعي الوحيد»، مشيرا إلى أن عددا من أعضاء المؤتمر عقدوا اجتماعا طارئا في طرابلس مساء أول من أمس لحفظ سيادة البلاد، على حد تعبيره.
وكانت عملية «فجر ليبيا» قد أعلنت عدم الاعتراف بمجلس النواب الجديد والحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني، وقال متحدث باسمها: «ندعو المؤتمر الوطني العام لسرعة الانعقاد باعتباره الجسم الشرعي الوحيد القائم لضمان الحفاظ على ثوابت ثورة السابع عشر من فبراير (شباط) عام 2011 التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي».
وكان مجلس النواب المنتخب الذي أعلن نفسه أعلى سلطة تشريعية ودستورية في البلاد عقب انتهاء فترة ولاية البرلمان السابق قد عد «قوات فجر ليبيا» و«جماعة أنصار الشريعة» «مجموعات إرهابية»، وتعهد بدعم الجيش لمحاربتها.
ورأى المجلس في بيان تلاه أحد أعضائه أن الجماعات التي تتحرك تحت هذه التسميات «جماعات إرهابية خارجة عن القانون ومحاربة لشرعية الدولة»، وقال إنها «هدف مشروع لقوات الجيش الوطني الليبي الذي نؤيده بكل قوة لمواصلة حربها حتى إجبارها على إنهاء أعمال القتال وتسليم أسلحتها».
وانتقد البيان «ما يصدر عن رؤوس وقادة ما يعرف بعملية (فجر ليبيا) و(مجلس شورى ثوار بنغازي) من تصريحات لا تعترف فيها بمجلس النواب باعتباره المؤسسة الشرعية التي تمثل إرادة الشعب الليبي»، مضيفا: «تمادوا بالحديث عن انقلاب فعلي على الشرعية ومؤسساتها، وحضوا على مواصلة الحرب على أهلنا ومدننا». وجدد مجلس النواب «إدانته المطلقة التامة لأعمال الحرب والإرهاب التي تشنها الجماعات المهاجمة لمدينة طرابلس والجماعات المحاربة لمدينة بنغازي»، مؤكدا أنه «سوف يسعى بكل ما بوسعه من جهد وإمكانات لإنهاء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن».
وأكد المجلس أن «الحرب الدائرة الآن هي حرب بين الدولة الليبية ومؤسساتها الشرعية يقودها أبناؤنا من جنود وضباط الجيش ضد جماعات إرهابية خارجة عن القانون والشرعية»، لافتا إلى أنه «سوف يدعم قوات الجيش الوطني بكل ما يلزمها لحسم هذه الحرب ووضع حد لها».
إلى ذلك، وفي تأكيد على صحة المعلومات التي نشرتها «الشرق الأوسط» سابقا حول اعتزام مجلس النواب الليبي الإطاحة باللواء عبد السلام العبيدي من منصبه في رئاسة هيئة أركان الجيش الليبي، قرر المجلس مساء أمس إقالة العبيدي وتعيين عبد الرزاق الناظوري بدلا منه.
وقال أعضاء في المجلس إنه تم انتخاب الناظوري بعدما حصل على 88 صوتا في جلسة عقدها المجلس بمقره المؤقت في مدينة طبرق بأقصى شرق البلاد، مشيرة إلى أنه تمت ترقيته إلى رتبة «لواء» بعد انتخابه.
وكان المجلس قد استمع إلى سبعة ضباط كانوا مرشحين لتولي المنصب قبل أن يقع اختياره على العقيد الناظوري الذي كان آمر كتيبة الأوفياء في مدينة بنغازي وشارك بها في الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011.
لكن قيادات من الجيش الليبي أعلنت في المقابل عقب اجتماع عقدته بقاعدة طرابلس الجوية رفض هذا التعيين، فيما يمثل بداية انشقاق خطير في بقايا المؤسسة العسكرية الليبية المهترئة أساسا، حيث أعلنت هذه القيادات في بيان بثته وكالة الأنباء المحلية عن رفضها جر المؤسسة العسكرية الدخول في التجاذبات السياسية.
وأكدت تمسكها بقيادة رئيس أركان الجيش الليبي المتمثلة في شخص العبيدي، مبينة أن منطقة طبرق العسكرية والوحدات الواقعة في نطاقها خارج سيطرة الجيش الليبي ورئاسة أركانه.
وقال البيان إن قيادة الجيش الليبي تعمل تحت قيادة رئيس أركانه المتمثلة في شخص اللواء الركن عبد السلام جاد الله العبيدي وترفض رفضا قاطعا تعيين ضابط عمليات الكرامة رئيسا لأركان الجيش الليبي، كما أعلن رفض هيئة القيادة لما تقوم به قوات حفتر، وحذر كل من انتسب إليها بالملاحقة القانونية.
وأضاف البيان: «إن العمل الجبان الذي قامت به الطائرات المعادية هو خرق سافر لسيادة الدولة الليبية، وإن قتلها أبناء الشعب الليبي وتدمير مقدراته هو عمل يجب علينا التصدي له وملاحقة فاعليه والمتآمرين معهم».
وتشهد طرابلس منذ 13 يوليو (تموز) الماضي اشتباكات مسلحة، حيث تشن ميليشيات إسلامية متحالفة مع مجموعات من مدينة مصراتة (200 كم شرق طرابلس) عملية «فجر ليبيا» على كتائب مدينة الزنتان (170 كم جنوب غربي طرابلس) التي يتهمونها بأنها الذراع المسلحة للتيار الليبرالي والتي تسيطر على مطار طرابلس.
كما تشهد مدينة بنغازي (شرق ليبيا) قتالا شرسا بين قوات يقودها اللواء حفتر قائد قوات عملية «الكرامة» وكتائب إسلامية من الثوار الذين شاركوا في القتال ضد نظام القذافي تنضوي تحت لواء «مجلس شورى ثوار بنغازي».
إلى ذلك، أعلن صالح عقيلة مع رئيس مجلس النواب الليبي، أن المجلس لا يزال ينتظر تدخل المجتمع الدولي لحماية المدنيين الليبيين، لكنه شدد في المقابل على أن المجلس لم يطلب أي تدخل لتوجيه ضربات على ليبيا.
وأوضح أن هناك تدخلا أجنبيا في الشأن الليبي بهدف نشر الفوضى، عادًّا أن كل التشكيلات التي لا تنصاع لقرارات مجلس النواب هي خارج الشرعية.



مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.


مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
TT

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

وقالت وزارة الداخلية المصرية في بيان مقتضب، الأحد، إنه «لا صحة لما تم تداوله بأحد المواقع الإخبارية بمواقع التواصل الاجتماعي، بشأن صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين للأراضي المصرية»، دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول ما يتردد عن ملاحقة مخالفي شروط الإقامة بالبلاد.

وخلال الأيام الماضية، جرى تداول أخبار ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن أجهزة الأمن المصرية تنفِّذ حملات مطاردة للسوريين الموجودين بمصر، وتضبطهم وترحلهم، فضلاً عن منع دخول السوريين للبلاد. وتسببت تلك الأنباء في حالة من الجدل الواسع.

إلا أن رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر»، تيسير النجار، قال لـ«الشرق الأوسط»: «بعد أن أصدرت السلطات المصرية تنبيهات عدة للسوريين الموجودين بمصر بضرورة تقنين أوضاعهم، بدأت الشرطة في تنفيذ حملات تدقيق ضد غير الملتزمين. وهذا حق سيادي مصري باتخاذ اللازم ضد مخالفي القوانين؛ سواء أكانوا سوريين أم غيرهم، وترحيلهم من البلاد، بينما يتمتع الملتزمون بحقوقهم كاملة».

وأضاف النجار: «السلطات المصرية أيضاً أعطت تسهيلات تتمثل في إعفاء راغبي المغادرة من غرامات مخالفة الإقامة، وسافر فعلاً عدد ضخم من السوريين وعادوا إلى سوريا، وهناك آخرون يفكرون في السفر، ولكن بعضهم تهدمت منازلهم في سوريا خلال الحرب، ويعملون على إعادة بنائها»، موضحاً: «نبذل جهوداً مع السلطات المصرية للسماح لهم بالبقاء لحين ترتيب أوضاعهم في سوريا، ووقتها سيغادرون».

وقال رئيس الجالية السورية بمصر سابقاً، راسم الأتاسي، لـ«الشرق الأوسط»: إن «حملة تدقيق بدأتها السلطات المصرية منذ أول العام الجاري»، ووقتها غادر إلى سوريا، وحالياً يتلقى اتصالات كثيرة من سوريين في مصر يطالبون بالتدخل لدى السلطات، للسماح لهم بالبقاء حتى ترتيب أوضاعهم.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

وقدَّر رئيس «الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر»، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين في مصر بنحو 1.5 مليون شخص، يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة لدى الاتحاد، باستثمارات تقترب من مليار دولار، وفق تصريحاته خلال «الملتقى الاقتصادي السوري- المصري»، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وعام 2024، وضعت السلطات المصرية اشتراطات لدخول السوريين القادمين من دول أخرى إلى أراضيها، تتضمن الحصول على موافقة أمنية مسبقة، إلى جانب تأشيرة الدخول، وغيرها من الاشتراطات، مثل ضرورة الحصول على الموافقة على فتح مطاعم أو شركات سورية في مصر.

من جانبه، قال مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد: «نتابع ببالغ الاهتمام أوضاع المواطنين السوريين في مصر، ومنذ مطلع العام، أجرينا لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه أهلنا هناك».

وأضاف عبر حسابه الرسمي على موقع «إكس»: «وجَّهنا سفارتنا في القاهرة إلى تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة. كما تقدَّمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة، تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين المقيمين في مصر. حقوق السوريين وحماية مصالحهم في الاغتراب ستبقى دائماً على رأس أولويات عملنا الدبلوماسي».


مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمسّ هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، وقال في مؤتمر صحافي، الأحد، عقب مباحثات عقدها مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: «بحثنا تعزيز التعاون العسكري والأمني»، مؤكداً استعداد مصر لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب، مع الصومال.

وتوافقت مصر والصومال على «تكثيف التنسيق لمواجهة التحديات التي تعترض منطقة القرن الأفريقي». وشدد الرئيس السيسي ونظيره الصومالي على أن «مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن، تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما».

وأشار السيسي في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، إلى «الدور الخاص المنوط بمصر والصومال، على ضوء موقعهما الفريد، على المدخلين الجنوبي والشمالي للبحر الأحمر».

مؤتمر صحافي مشترك بين السيسي وحسن شيخ محمود الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وتأتي زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة بينما تتصاعد التوترات في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا سيما مع اعتراف إسرائيل بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي دولة مستقلة، والذي قوبل برفض مصري وعربي؛ ما يعكس بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إدراك البلدين خطورة التحديات التي تواجه القرن الأفريقي.

وأكد السيسي «عزم بلاده استكمال نشر قواتها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في جميع ربوع الصومال»، وقال إن «مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال... وستواصل جهودها لتعزيز أمن واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وجدد السيسي التأكيد، على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، الأمر الذى يعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي... وسابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره».

بدوره، أعرب الرئيس الصومالي عن «تقديره لموقف مصر وجهودها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي»، مؤكداً «حرص بلاده على تعزيز التنسيق مع مصر بما يخدم الأمن الإقليمي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبحسب الباحث الصومالي الدكتور شافعي يوسف عمر، فإن زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، في ظل توترات في القرن الأفريقي ومحاولات المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، خصوصاً فيما يتعلق بالبحر الأحمر وخليج عدن». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الصومال لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي وأمن الممرات البحرية الدولية».

وتابع: «هذه الزيارة تؤكد أن القاهرة ومقديشو تتحركان اليوم كجبهة سياسية واحدة لمنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع في عالم يشهد تحولات حادة في موازين القوة».

وعقد الزعيمان لقاءً ثنائياً، تلته جلسة مباحثات موسعة، تم خلالهما التأكيد على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، والتحذير من أي خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول، بوصفها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.

وأضاف البيان المصري: «الرئيسان توافقا على ضرورة تسوية مختلف النزاعات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، فضلاً عن أهمية تثبيت السلم والاستقرار الإقليمي، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعوب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة البحرية».

مصر جددت رفضها المساس بوحدة الصومال أو الاعتراف باستقلال أي إقليم منه (الرئاسة المصرية)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير علي الـحفني أن «الوضع الراهن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يستدعي تكرار الزيارات واللقاءات على أعلى مستوى والتشاور والتنسيق بين الزعيمين». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تشهد تطورات مهمة تتعين متابعتها والتحسب لتداعياتها، والحيلولة دون أي محاولات لزعزعة الاستقرار».

وهذه هي الزيارة الخامسة للرئيس الصومالي إلى القاهرة منذ يناير (كانون الثاني) 2024. وأعرب السيسي عن «تقديره لتنامى وتيرة الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين بما يعكس عمق وخصوصية العلاقات التاريخية، والروابط الأخوية، والتي تجسدت في الشراكة الاستراتيجية، التي أعلن عنها، خلال زيارة شيخ حسن محمود للقاهرة في يناير 2025».

وأشار إلى أن «هذا الزخم يعكس حرص البلدين على الارتقاء بالعلاقات الثنائية، وتعزيز التنسيق؛ من أجل دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وعدم المساس بتخوم الأمن القومي المصري».

ولفت الباحث الصومالي إلى أن «تكرار اللقاءات بين الرئيسين هو انعكاس لانتقال العلاقات من إطار الدعم التقليدي إلى شراكة استراتيجية قائمة على التنسيق العميق» مشيراً إلى «إرساء القاهرة ومقديشو أساساً قانونياً وسياسياً للعلاقات عبر (إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة)، و(بروتوكول التعاون العسكري والأمني) وغيرها من الاتفاقيات التي تم توقيعها في السنوات الثلاث الماضية». وقال: «هذه الاتفاقيات ليست شكلية، بل تعبّر عن إرادة سياسية مشتركة لبناء محور استقرار في القرن الأفريقي». وأوضح أن «التحالف المصري - الصومالي ركيزة أساسية لمنع زعزعة هذا التوازن الاستراتيجي».

وتناولت المباحثات – وفق البيان الرئاسي المصري - عدداً من ملفات التعاون الثنائي، وسبل تعزيزه في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، وتعظيم الاستفادة من سهولة الربط الجوي والبحري بين البلدين. وأكد السيسي أن «مصر تولي أهمية كبيرة للتعاون مع الصومال في المجال الطبي»، مشيراً إلى أن القاهرة «تعتزم إرسال قافلة طبية إلى الصومال قريباً».

كما تطرقت المباحثات أيضاً إلى «تعزيز التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات، عبر برامج (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، إلى جانب التعاون العسكري والأمني»، وأعرب السيسي عن «استعداد بلاده لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب مع الصومال».