«السترات الصفراء» مستمرون في حركتهم الاحتجاجية ولكن من غير أعمال العنف

مظاهرات في باريس والمدن الكبرى وسط إجراءات أمنية استثنائية

وحدات من قوى الشرطة ومكافحة الشغب في ساحة «تروكاديرو» المشرفة على «برج إيفل» (أ.ف.ب)
وحدات من قوى الشرطة ومكافحة الشغب في ساحة «تروكاديرو» المشرفة على «برج إيفل» (أ.ف.ب)
TT

«السترات الصفراء» مستمرون في حركتهم الاحتجاجية ولكن من غير أعمال العنف

وحدات من قوى الشرطة ومكافحة الشغب في ساحة «تروكاديرو» المشرفة على «برج إيفل» (أ.ف.ب)
وحدات من قوى الشرطة ومكافحة الشغب في ساحة «تروكاديرو» المشرفة على «برج إيفل» (أ.ف.ب)

أمضت جادة الشانزليزيه أمس، للمرة الثانية، يوماً هادئاً، استمتع فيه الباريسيون والسائحون بأشعة الشمس الربيعية، بعيداً عن أعمال الحرق والنهب، والمواجهات بين القوى الأمنية والمتظاهرين من السترات الصفراء، ومن انضم إليهم من مشاغبين. وأفضى هذا الوضع إلى «أزمة ثقة» بقدرة الحكومة على المحافظة على الأمن، الأمر الذي دفع الرئيس ماكرون إلى مطالبتها بإجراءات أمنية صارمة، أبرزها منع التظاهر في الجادة المذكورة، وفي محيط القصر الرئاسي والبرلمان، والاستعانة بوحدات من الجيش لحراسة المواقع الحساسة، وتحريك القضاء بفعالية أكبر. والإجراءات نفسها أتيح العمل بها في المدن الأخرى. وكانت النتيجة أمس أن مظاهرات «السترات الصفراء»، للسبت العشرين منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية، جاءت سلمية، باستثناء «مناوشات» بقيت تحت السيطرة في مدينة بوردو (جنوب غرب) وأفينيون (جنوب شرق) وسان أتيان (وسط).
ومنذ الصباح الباكر، تمركزت وحدات من قوى الشرطة والدرك ومكافحة الشغب بكثافة في جادة الشانزليزيه، وتحت قوس النصر، والشوارع المتفرعة عنها، حيث منع التظاهر. وأقيمت نقاط تفتيش على مداخل الجادة التي لم تستطع بعد محو آثار يوم 16 مارس (آذار) الماضي الذي أطلق عليه «السبت الأسود». ونتيجة لذلك، كانت حركة السير فيها طبيعية، فيما المطاعم والمقاهي والمحلات فتحت أبوابها. لكن ليس بعيداً منها، تجمع آلاف المتظاهرين الذين تقاطرت موجاتهم في ساحة «تروكاديرو» المشرفة على «برج إيفل» الشهير، في مظاهرة سمحت بها مديرية الشرطة. وتميزت المظاهرة التي انطلقت من ساحة شاتليه، وسط باريس، ومن محطة القطارات المسماة «محطة الشرق»، بالهدوء وبالغياب الملحوظ لمجموعات المشاغبين تلك المسماة «بلاك بلوك» اليسارية الفوضوية التي استفادت أيام التعبئة السابقة من المناسبة لتعيث فساداً في العاصمة والمدن الأخرى. وكان لافتاً النظام والهدوء اللذين سادا المسيرة الطويلة التي مرت في جادات سياحية وتجارية ومناطق سكنية راقية، مثل الحي السابع من باريس، قبل الوصول إلى برج إيفل. بيد أن الأمور مالت إلى التوتر مع انتهاء المظاهرة في ساحة تروكاديرو التي شهدت مواجهات محدودة بين مجموعة صغيرة من مرتدي الثياب السوداء وقوى مكافحة الشغب التي أطلقت الغاز المسيل للدموع، وأقفلت جادة كليبير، والشوارع الأخرى المفضية إلى جادة الشانزليزيه. وكان الهم الأول للقوى الأمنية أن تمنع وصول المتظاهرين ومن يرافقهم إلى الجادة المذكورة.
وما شهدته باريس أمس عرفت مثله المدن الكبرى الأخرى، وتحديداً مدينة بوردو التي دعا رئيس بلديتها أصحاب المتاجر والمطاعم والمقاهي إلى الامتناع عن استقبال الزبائن، كما دعا السكان للبقاء في منازلهم، في إطار ما سماه «مدينة ميتة»، تلافياً لأحداث الشغب وأعمال العنف التي اعتادت عليها هذه المدينة التي تعد المركز الاحتجاجي الأول في منطقة جنوب غربي فرنسا. وبالتوازي مع هذه الدعوة، أمر مدير الشرطة بمنع التظاهر في قلب المدينة وعلى واجهتها النهرية، بيد أن هذه التدابير كافة لم تحل دون قيام مظاهرة سارت في شارع سانت كاترين، أكبر الشوارع التجارية في المدينة، حيث جرت بعض المناوشات مع رجال الدرك ووحدات مكافحة الشغب. وهاجم ملثمون فرع مصرف محلي، وأضرموا النيران في مكان قريب منه، الأمر الذي استدعى تدخل رجال الأمن، واللجوء إلى القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع. وفي السياق عينه، ذهب مدير الشرطة في مدينة أفينيون التاريخية الشهيرة، التي يطلق عليها اسم «مدينة الباباوات»، إلى إجراءات أكثر صرامة، إذ منع المظاهرات والمسيرات داخل المدينة وخارجها، مما حمل السترات الصفراء إلى التجمع على طريق سريع قريب، حيث تعرقل السير، مما استدعى تدخل القوى الأمنية. وحصلت مسيرات ومظاهرات في كثير من المدن الأخرى، وساعد على ذلك الطقس الجميل الذي خيم على فرنسا يوم أمس.
وتأتي أهمية استمرار الحراك، وفق المراقبين، من اقتراب موعد إعلان الحكومة عن الإجراءات التي تنوي اتخاذها رداً على المطالب التي رفعت خلال جلسات «الحوار الوطني الكبير» الذي أطلقه رئيس الجمهورية في يناير (كانون الثاني) الماضي، ودام أكثر من شهرين. وقد انتهى الحوار رسمياً في 15 مارس (آذار)، ومن المنتظر أن يعلن الرئيس ماكرون عن الخلاصات التي سيأخذ بها منتصف الشهر الجاري. والحال أن الكثيرين من المراقبين يرون أن ماكرون «ليس في وضع يتيح له الاستجابة» للمطالب الرئيسية التي رفعتها «السترات الصفراء» خلال أكثر من 4 أشهر من التعبئة، خصوصاً لجهة زيادة القدرة الشرائية، وتخفيف أعباء الضرائب، وإعادة فرض ضريبة الثروة، وإلغاء الزيادات على المحروقات، التي عادت أسعارها إلى الارتفاع، وإقرار العمل بالاستفتاء بمبادرة شعبية. والتخوف الذي يؤرق السلطات أن تدفع الخيبة من الإجراءات الحكومية المنتظرة الناس مجدداً، وبشكل أقوى، إلى الشارع، واعتبار أن الحوار المذكور لم يكن سوى وسيلة لكسب الوقت وتمييع التعبئة. وفي أي حال، فإن ماكرون استبق الاستحقاق الرئيسي، 15 أبريل (نيسان)، بالتأكيد أكثر من مرة أنه ليس مستعداً لإعادة فرض ضريبة الثروة، كما أنه يرفض استحداث شريحة جديدة للرواتب المرتفعة في عملية احتساب ضريبة الدخل. ولذا، فالسؤال المطروح يتناول بالدرجة الأولى كيفية تمويل التدابير التي يمكن أن يعلنها، باستثناء تلك التي لا تكلف الخزينة شيئاً، مثل الإصلاحات المؤسساتية والاجتماعية.
أما المشكلة الثانية التي يواجهها الرئيس، ومعه الحكومة، فعنوانها الانتخابات الأوروبية المقبلة التي ستجرى نهاية مايو (أيار) المقبل. وتتنافس لائحة الحزب الرئاسي (الجمهورية إلى الأمام)، التي تقودها وزيرة الشؤون الأوروبية السابقة ناتالي لوازو، مع لائحة اليمين المتطرف، الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن. وتبين استطلاعات الرأي أن اللائحتين تتجاوران في نسبة الأصوات التي ستحصلان عليها، وبالتالي فإن النقمة المتأتية عن عدم الرضا على قرارات ماكرون المنتظرة ستكون لها انعكاساتها في صندوق الانتخاب، وعلى توازن القوى السياسية في الساحة الفرنسية.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».