«كيميا»... مطاردة طيف زهرة برية

المصري وليد علاء الدين يسائل جلال الدين الرومي في روايته الجديدة

«كيميا»... مطاردة طيف زهرة برية
TT

«كيميا»... مطاردة طيف زهرة برية

«كيميا»... مطاردة طيف زهرة برية

يعترف الكاتب المصري وليد علاء الدين في المشاهد الافتتاحية لروايته «كيميا» بورطته التاريخية مع عالم الأحلام، وعلاقته الغريبة بها، فهو يُهيمن عليها أحياناً ويُديرها إذا لزم الأمر، يقول بطل الرواية: «ليست الأحلام غريبة عليّ، فأنا أحد الحالمين الكبار».
هذا التمهيد لغرائبيات سردية مُنتظرة يرتفع سقفه مع اكتشاف القارئ أن بطل الرواية هو الكاتب نفسه، بشخصيته الواقعية، والذي فجرت رحلته الشخصية والمهنية إلى مدينة «قونية» في نفسه بحوراً من الشك، ترجم هذا الشك برحلة موازية من البحث والتحري.
كان غرض رحلة البطل الصحافية هو مواكبة احتفال منظمة «اليونيسكو» بالشاعر جلال الدين الرومي في مئويته الثامنة، وكانت المهمة هي تسجيل يومياته وتقاريره عن تلك الرحلة في رحاب «مولانا» الرومي. واستعداداً لهذه المهمة المشحونة بالتأمل، والكتابة الوصفية، تسلح بطل الرواية، بالقراءة المكثفة عن جلال الدين الرومي، إلا أن رواية «بنت مولانا» للكاتبة البريطانية مورل مفروي، قلبت موازين البطل، وأصابته بتشويش سيطر على حالة التقدير التي يكنها لجلال الدين الرومي، وهي التي تدور عن «كيميا» الفتاة التي تربت في بيت الرومي كابنته، وأحبها ابنه حباً شديداً، ولكنه أهداها كزوجة لصديقه شمس الدين التبريزي وهي تصغره بنحو 48 عاماً.
تتكشف على مدار الرواية، الصادرة عن دار «الشروق» المصرية وتقع في 232 صفحة، تفاصيل الرحلة الشاقة التي قطعها البطل إلى «قونية»، يُسجل يومياته ويرسلها، ويظل على هامش يوميات الرحلة التي تحتفي بالرومي في حالة تقفٍ لأثر «كيميا»، وقبرها وسيرتها، والحقيقة التاريخية حول إهداء جلال الدين الرومي لها كزوجة لشمس الدين التبريزي، يبحث في هوامش القُطبين الرومي والتبريزي عن حقيقة موت هذه الفتاة أو قتلها، يغمره تساؤل على مدار الرحلة عن سبب تعلقه بمعرفة قصتها ومصيرها، تصورات كانت تتوالد وتؤجج خياله.
الشغف بقصة «كيميا» وحقيقتها، تضافر مع طبقات السرد في الرواية وألاعيب أحلام المؤلف، حتى ما عاد يُميّز بين ما هو حقيقي وما هو خيال، وتضاعف الأمر عندما تراءى له علاء الدين ولد جلال الدين الرومي شاكيّاً له حبه لـ«كيميا» وحرمان والده له منها بإهدائها لشمس التبريزي، حتى كادت تلك الخيالات تُطيح بالبطل في هوة لا تنتهي من الصراخ والشك، وكما يقول مصوراً هذه المشهد: «استلقيت على السرير مُندهشاً من تلك اللعبة التي تلعبها الأحلام معي. هل حلمت بعلاء الدين؟ لم يكن هو من يخوض بقدمين حافيتين في مستنقعات قونية الباردة. كنت أنا. لم أكن أنا من يخشى لقاء جلال الدين... كان هو».
تبادل الأدوار بين وليد علاء الدين، وعلاء الدين ولد، كان أحد أبرز مفاتيح المؤلف لاختراق حُجب التاريخ ووصله بذاته وضميره، فخلق خط وصال وهمياً بين أحد أبرز الشهود على مأساة «كيميا»، وهو ابن جلال الدين الرومي الذي أحبها ومع ذلك أهداها الرومي للتبريزي برغم علمه بهذا الحب، وتتوالد عند هذه النقطة التساؤلات التي تفرض نفسها على السرد، منها سبب موافقة التبريزي على الزواج بـ«كيميا» التي كانت تصغره بما يقارب الـ50 عاماً، ولماذا مرضت «كيميا» بعد زواجه بها بفترة قليلة حتى غادرت منها الروح، ولماذا تلاشت سيرتها حتى من أشعار جلال الدين الرومي الذي كان لها بمثابة الأب، ثم لم يُعرف لها قبر قط، وكان القبر أحد شواهد حياة «كيميا» الغامضة التي كان يتحرى عنها البطل، وظل يتخيله: «تصورت قبر (كيميا) رقيقاً. تخيلت شاهِدته من زجاج أو رخام يضاهي البللور شفافية. تسري بين حبيباته عروق وردية. لا شيء يشبه ذلك هنا».
تمر الرواية بمقاطع من مشاهد جلال الدين الرومي وسيرته، أيضاً المواقع الحقيقة التي تحتضن السيرة والتي مرّ بها المؤلف خلال رحلته إلى قونية، في تماهٍ سلس لعدة قوالب أدبية ما بين يوميات، وسيرة، وأدب رحلات، ومُراسلات، وتقنية الأحلام، والتخييل الروائي، وجعل المؤلف التنقيب عن أثر «كيميا» هو العربة الأمامية التي تقود قطار روايته، تنقيب في الذاكرة الشعبية، والأضرحة، في الأعمال الأدبية التي تناولت سيرتها كـ«بنت مولانا» و«قواعد العشق الأربعون» الأكثر ذيوعاً، حتى غبَّر التنقيب خيالاته التي جسدت له ابن جلال الدين الرومي كقرين يهمس له أوجاعه منذ فارقت «كيميا» بيتهم وفرّق بينهم والده.
يُطارد وليد علاء الدين أحلامه كمُحارب يتحرر من حُجب الماضي ويُحاكمه، وهو يسلك دروب المعرفة بالفتاة التي نشأت في بيت الشاعر والعاشق الصوفي جلال الدين الرومي، لا يخشى من أن يسأل: هل قتل شمس (كيميا)؟، يجد نفسه في منتصف رحلته إلى «قونية» عاجزاً عن بلوغ رؤية صافية سديدة وهو يسجل مُهمته الصحافية عن رحلة «مولانا»، حتى أنه في رسالته الأخيرة الموجهة لبريد رئيسه الإلكتروني قال له:
«أظنني في حاجة إلى وقت طويل... طويل بالفعل... لمراجعة الكثير من الأمور قبل أن تتضح الرؤية أمامي، واسمح لي أن أحتفظ بعنوان ما أرسله إليك من مشاهدات وخواطر كما هو: (في الطريق إلى مولانا)، فأنا - في الواقع لم أصل بعد». يعترف الكاتب بالتشوش وهو لا يعلم إذا كان حقاً لجلال الدين الرومي ضحايا بهيئة زهرة بريّة، كما كان ينعت «كيميا» في روايته، التي حمل طيفها من «قونية» في رحلة عودته إلى دبي.



«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات
TT

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

ليس معنياً الشاعر عقل العويط في «كتاب الغرفة» الذي صدر له حديثاً عن «دار نوفل» في بيروت، لا بالتسميات ولا بالأنواع الأدبية. هو يكتب نصاً يشبهه. «سرد مفتوح»، تتداخل فيه الأزمنة والشخصيات والذكريات التي يستدعي واحدها الآخر، ويبقى المحور هو الغرفة التي قد تصبح البيت برمته، أو الرحم الدافئ لشاعر اختار أن يتعاطى مع العالم على طريقته: «لا أبحث عن المال، ولا الشهرة، ولا العلاقات الاجتماعية، ولا المجاملات، ولا مآدب الأكل، ولا الشراب، ولا الترف، ولا الجاه، ولا المقامات الزائلة... أنا هنا مَلك غنيٌّ، فمن مثلي؟!». ذلك لأن كاتبنا في غرفته التي اختارها مقاماً، يعيش حالة من الانخطاف، أو استبدال بكل ما هو خارجي كونه الذاتي الذي يستكمل حضوره بالقراءة والكتابة والتفكّر. «بمقدوري أن أُمضي أياماً متتالية بلياليها في هذه الغرفة، دون أن أشعر بالرغبة في مغادرتها إلا لسدّ جوع وعطش». خيار العزلة وجوديٌّ، من فضائله حماية الذات، وإشعال جذوة النبش في حناياها، حيث صحبة الكتب والحبر والورق وأصدقاء القلب، تحمي من مصادقة الانتهازيين والمرائين وماسحي الجوخ ومقبّلي الأحذية، والمرتشين وبائعي الضمير. «أنظر إلى هذا العالم الخارجي المقيت وأبصق».

السرير الأيقونة

من محطة شراء السرير الحديدي القديم الذي سيتحول إلى أيقونة الغرفة ومحورها تبدأ الرحلة، التي ظنها الكاتب، بضع صفحات، فإذا بها تتناسل، في انسكاب للتذكارات، يجعلك تشعر بأن الحواجز هُدمت، والموانع انكسرت، وحان وقت الحقيقة، لأن تتجلى كما هي.

نثر شعري، أو شعري نثري لا فرق، يمر بك في طرابلس حين كان في المدرسة الثانوية، ثم الانتقال إلى بيروت للالتحاق بكلية التربية حيث كانت فورة استثنائية وحركة تشكل الوعي المجتمعي والسياسي. ثم بدء التفتح على الحياة في منزل الشقيقة الكبرى بعد زواجها، ومشاركة وليدها غرفته وتربيته، والمغامرات الشبابية الأولى في اكتشاف الجسد، وإطلاق العنان للهوى، قبل أن تصاب الشقيقة بمرض عضال وتفارق الحياة، ويغيب السند.

يخبرنا الكاتب بأن ديوان «مقام السروة»، كان مرافقة شعرية لموت شقيقته يوماً بيوم ولحظة بلحظة، «معرّياً الموت نفسه من رائحته العفنة، مضيفاً عليه ما يجعل الحياة باللغة بديلاً عن الحياة».

الانتقال إلى غرفة في شارع الحمرا عند جدة أحد الأصدقاء هي المحطة الوسطية التي سننتقل بعدها إلى الشقة المشتراة أو الغرفة الأساس، وموطن كل الكتابات اللاحقة لكاتبنا في صحيفة «النهار» من مقالات ونصوص وأبحاث، بعد إقامة خمس سنوات في قبرص مع وكالة الصحافة الفرنسية.

في هذا البيت الجديد سيكتب العويط كلّ نتاجه: «افتحي الأيام لأختفي وراءها»، و«سراح القتيل»، و«إنجيل شخصي»، و«وثيقة ولادة»، و«سكايبينغ»، وما لم ينشره بعد، وكذلك «كتاب الغرفة الأخير» الذي بين أيدينا؛ هذا المؤلّف الذي به يتوِّج الشاعر آخر كتاباته في هذا المكان الذي سكنه سنوات طوال مطلّاً على البحر، في يسوع الملك شمال بيروت. فترة خصبة يزيدها أهمية كتابه البوحيّ هذا، كأنما هو عصارة تلك الإقامة التأملية، وماهيتها، وشجونها، وجنوحها. فأنت تقرأ خلاصة مرحلة، وماؤها الزلال، ورحيقها.

القبض على الزمن

لهذا فإن «كتاب الغرفة» بالنسبة إلى مؤلفه يشبه سجلاً توثيقياً وجدانياً، لمرحلة يريد أن يقبض عليها، قبل أن تتسرب من بين أصابعه، وتتلاشى. وهو أيضاً فسحة للتعبير عن السخط، كما للاعتراف بالشغف والتعبير عن الامتنان، للغة العربية التي هي أداة القول والجمال، والتجلي في الكتابة عن صوت فيروز الـ«بركة» والـ«منارة»، حيث خصص له صفحات من العشق وردّ للجميل. وثمة عودة إلى العائلة الحاضنة الدافئة التي تتحول إلى حصن، والكتب بما تمثله من امتداد لفلسفات أصحابها ورؤاهم، ثم الموسيقى ومفعولها السحري. مكونات الغرفة الجمالية من كتب ولوحات وأسطوانات ووثائق، تجعلها عالماً متكاملاً، يحقق المتعة والاستغناء، إذ بهما يكتمل العيش؛ «فمَن تسكنه الأشياء لا يحتاج في الضرورة إلى البقاء الملموس في الأشياء، لكي تظل تسكنه الأشياء».

جدران الغرفة مرايا الذات وانعكاساتها، حيث يأتي السرد كفيض متلاحق، كأنما سُكب مرة واحدة: بوح، واعترافات، وجرأة، وذهاب إلى الأقصى، وفي الغضب والفرح، وتشريح الذات، ونقد الآخر، والغرق في الحب واكتشاف الأبوّة.

غرف الأدباء

فالغرفة ليست منقطعة عن العالم، بل هي الحبل السُّرِّي الذي يسهّل فهم هذا الغائب، وهي أيضاً تحيل إلى غرف أدباء مشاهير، مثل: فرجينيا وولف، وكوليت، وإرنست همنغواي، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش، وآخرين. لكنها غرفة عقل العويط الخاصة التي لا تشبه غرفاً أخرى، فهو جمعها قطعة بعد أخرى، لتأتي على مذاقه، إذ إن أهم ما فيها خصوصيتها وذاتيتها، وفرادتها، حيث تصلح لأن تتحول إلى نص، له عمق وجودي، ولغة متحررة من قيودها، وعربية تليق بها.

فالعويط في تعاطيه مع العربية، يعبّر عن حب يرتفع إلى مستوى الشراكة، لا؛ بل الذوبان. «عشت وحيداً، هذا صحيح للغاية. لكنني أقيم في اللغة العربية. هي بالأحرى تقيم فيّ؛ فكيف أكون وحيداً؟!». فهي لغته التي يكتب بها ويفكر ويقرأ ويتبتل، مما يتيح له وهو يذوب في حناياها أن يضع نفسه «في مصافِّ العشاق الزاهدين المتواضعين» الذين لا يحبون الاستعراض.

عشق نحت الكلمات

حب اللغة جاءه من خاله الشاعر، الذي كان يصطحبه مراهقاً إلى السينما، يجول به في صالات الشمال اللبناني الجبلية؛ من حدث الجبة إلى حصرون وبشري. الخال هو قارئ تجاربه الكتابية الأولى، وهو الذي علَّمه العَروض والأوزان، وتقطيع الشعر. وهو أيضاً حلقة في سلسلة عائلية كان لها فضل التكوين المتوازن، الحامي من العواصف التالية.

ينتهي الكتاب بتحضيرات الانتقال إلى غرفة أو بيت جديد في بيروت، بعد أن كتب النص الوداعي في الغرفة الأساس التي هي محور النص ومداره. وتتحول الإقامة في العاصمة، إلى اختبار جديد به ينتهي السرد، لكنه يفتح أفقاً على تساؤلات شتى. فالكاتب لم يغادر بيروت يوماً، لأنه كان يأتيها ويعيشها ويلازمها بشكل شبه يومي، لكنه الآن سيصبح مقيماً فيها ومتورطاً في تفاصيلها. فالغرفة انتقلت إلى هنا. و«في المكان الغريب هذا، أسأل ذاتي: هل سأتمكن أنا هو، هذا الشخص المائل الآن وراء الزجاج، الراغب بقوة هائلة في تأسيس علاقات شعرية وروائية وفلسفية مع عالمي الجديد... هل سأتمكن من كتابة ذاتي المنقولة إلى مكاني الغريب الذي هنا؟».

مونولوج شعري

النص يشبه مونولوجاً شعرياً، ومراجعة ذاتية لعمر انقضى، ومحاولة استكشاف ملامح مرحلة مقبلة، اختار لها الكاتب شروطها وجغرافيتها، بعد أن امتلك شجاعة نقل مملكته الخاصة بكتبها ودفاترها وذكرياتها إلى مكان جديد، يحتاج إلى بناء ألفة ومودة. هكذا تغلَق الصفحات على تساؤلات حول ما ستكونه الحياة البيروتية، في مدينة «ما بقي منها هو مقبرة ذكريات... محفوظة في الطبقات الجريحة والخلاقة» من حياته السابقة.

أما الوحدة التي هي خيار الكاتب، في مختلف الأمكنة التي انتقل إليها، وجعلته غنياً بذاته، فهي خيار وجودي بحيث يبقى الآخر «زائراً غير مقيم». هذا لا يتعارض مع الصلات العشقية، والصداقات الحميمة، والعلاقات المخلصة. فالوحدة هي التي تجعل الفرادة ممكنة، والتجربة مختلفة. والمُقام في الغرفة أو البيت ليس عزلة بالمعنى المؤلم بل هو متعة ما دام بصحبة أشياء المتحف الخاص الذي جمع فيه صاحبه ما كان يحلم بالإقامة معه من أعمال فنية، تضخ في صاحبها دفق الحياة. «صرت أنا نفسي امتداداً لهذه المكتبة التي تمدني بالشغف والأمل، وتجعلني من سكان المطلق».

مصالحة ما لا يُصالَح

المتناقضات جزء أساسي من السيرة، لا؛ بل ثمة سعي دائمٍ إلى مصالحة المتباينات، بحيث تصبح جزءاً من طبيعة السيرة نفسها. «يجتمع في ما لا يجتمع اليأس والأمل، الجدار والحلم، الهشاشة والقوة، الهزيمة والفوز».

سيرة عقل العويط، تبدو للوهلة الأولى حكاية شعرية لشخصية هشة سريعة العطب، فيها خروج على التقليديّ والمعتاد، لكن الميزان الشخصي يعود ويجد بوصلته بفضل الحصانة الروحية المتأتية من بيت العائلة والوالدين اللذين صنعا معاً بالخبز والزيتون والرضا والأنفة، عالماً لا يشبه في معاييره الأخلاقية والقيمية الزمن الراهن.

سيرة شعرية تأملية، تمزج بين التوثيق الذاتي والتفسير الفلسفي مما يجعلها نصاً حراً متخففاً من كل قيد إلا الرغبة في البوح.


التاريخ حين يصبح عاجزاً عن احتواء الذعر الإنساني

التاريخ حين يصبح عاجزاً عن احتواء الذعر الإنساني
TT

التاريخ حين يصبح عاجزاً عن احتواء الذعر الإنساني

التاريخ حين يصبح عاجزاً عن احتواء الذعر الإنساني

في روايته «جنون مصري قديم» يضع الروائي المصري طلال فيصل المرويّة التاريخية في مختبر سردي بوصفها مادة فنية مرنة تتشكّل داخل بناء تخييلي جديد، حيث تصبح النصوص التاريخية القديمة جزءا من النسيج الحكائي المعاصر، وشريكاً في تساؤلاته وحيرته إزاء كتابة التاريخ.

في الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، تنطلق الحكاية من عتبة أستاذ تاريخ أكاديمي مُتقاعد، تقوده حزمة أوراق لمؤرخ مملوكي مجهول يُدعى جلال الساعي إلى مغامرة تحويل تلك الأوراق وصوت صاحبها إلى رواية، مغامرة تجعله يجلس على مقعد الروائي لأول مرة في حياته، بعد سنوات طويلة من التعامل مع التاريخ بوصفه علماً صارماً، ليكتشف داخل نفسه دافعاً وجودياً للكتابة: «غرقتُ في الكتابة وأنا لا أعرف حتى هذه اللحظة لمَ أكتبها رواية. لعلي أسلّي نفسي وقد خرجتُ على المعاش، ولعلي أجربُ حظي في شيء جديد ربما ينفعني بما لم ينفعني به التاريخ».

تعلن الرواية انحيازها الصريح لفن الحكاية، في مواجهة إقصاء المشاعر من سرد الوقائع. فالتاريخ -كما يراه الراوي- عاجز عن احتواء الخوف والذعر والانكسار الإنساني: «لسوء الحظ، يهمل المؤرخون تماماً أمر المشاعر وهم يدونون لنا أحداث ما جرى». بهذا المعنى، لا تتحوّل الرواية إلى مجرّد استعادة لسيرة «الأشرف برسباي»، أحد أبرز سلاطين دولة المماليك، بل إلى مساءلة جذرية لطبيعة المعرفة التاريخية نفسها، وحدودها الموضوعية، وكيف يُعاد إنتاج الوقائع داخل خطاب سردي يعترف بتدخّله وتأويلاته وشططه.

لعبة الاسم

لا يكتفي طلال فيصل برسم شخصية راوٍ متقاعد يحوّل أوراقاً تاريخية إلى رواية، بل يبدأ لعبته السردية منذ اللحظة الأولى حين يُطلق اسمه الحقيقي على اسم بطله الروائي نفسه، ليحمل أستاذ التاريخ المُتقاعد اسم «طلال فيصل»، في تطابق مقصود بين المؤلف وشخصيته الروائية، بما يضع القارئ مباشرةً داخل منطقة ملتبسة بين الكاتب والراوي، وبين من يكتب ومن يُكتب عنه.

لا يعمل هذا التطابق بوصفه حيلة شكلية، بل بوصفه تقنية سردية تنتمي إلى تقاليد التخييل الذاتي والميتا سرد، حيث يتحوّل فعل الكتابة نفسه إلى موضوع للحكي، ويتقمّص المؤلف شخصية داخل عمله، لا بوصفه مؤرخاً يمتلك سلطة المعرفة، بل بوصفه راوياً مرهقاً، متقاعداً، يكتب ليقتل الوقت، وليسلّي نفسه في وحدته، وفنياً فإن حضور الكاتب باسمه داخل النص لا يهدف إلى ترسيخ سلطة المؤرخ، بل إلى تفكيكها، وتحويل السرد إلى مساحة نقدية يتجاور فيها البحث والتخييل، والوثيقة والشك، في صيغة رواية تعيد التفكير في الماضي أكثر مما تكتفي باستعادته.

لا تستدعي الرواية زمن المماليك بوصفه زمناً غابراً يُروى من مسافة، بل بوصفه نموذجاً أولياً لجنون السلطة حين يتحوّل الحكم إلى «لعبة» لا تخلو من مشاهد هزلية وسوداوية معاً، مثل مشهد تنصيب سلطان «رضيع» على رأس السلطة، في إشارة إلى عالم يحكمه العبث: «يشير ططر للأمير ببغا المظفري، أكبر المماليك سناً ومقاماً، أن يجاور السلطان أثناء تنصيبه، وتظهر مشكلة بسيطة حين يحاولون وضع عمامة السلطنة على رأسه فيفاجئهم صغر رأس الصغير وهي تغطس في العمامة».

طبقات الصوت

تنهض الرواية على معمار أسلوبي مركّب يقوم على تبادل الأصوات السردية؛ هناك أولاً صوت المؤرخ التاريخي المُعايش لزمن المماليك، الذي يكتب من قلب زمنه وبمنطق الشاهد لا المعلِّق اللاحق، فتتحرّك لغته في أفق يومي مألوف ما بين الأمراء، والمؤامرات والأسواق، والبيمارستان، وأبواب القاهرة، في تسجيل وقائعي ينشغل بمنطق التدوين بلغة المخطوطات القديمة، بما في ذلك الدعاء الذي يُذيّل أوراق المؤرخين القدامى: «ولعل الله يغفر له بحسن صنيعه مع بركة».

إلى جوار هذا الصوت، يبرز صوت البطل العليم المتدخّل، الذي يُعلّق ويفكك ويؤوِّل بسخرية هادئة وهو يكتب روايته، بما لا يخلو من تحليل نفسي وتفكيك منطقي للمروية التاريخية، يضاف إلى هذين الصوتين طبقة ثالثة تعمل كجسر بينهما، وهو صوت شيوخ التدوين ومؤرخي العصر المملوكي أنفسهم، عبر توظيف مقاطع مقتبسة من كتب التاريخ للمقريزي وابن إياس وبدر الدين العيني وابن تغري بردي، وكتبهم التي تُعدّ في علم التاريخ مصادر أولية لفهم ذلك الزمن.

لا تُدرج تلك النصوص بوصفها إحالات علمية، بل بوصفها أصواتاً سردية مستقلة تضع القارئ داخل المنظومة المعرفية الخاصة لزمن المماليك، حيث تختلط السياسة بالغيبي، والسلطة بالتأويل، والوقائع بالكرامات والنبوءات.

يخلق هذا التراكب الصوتي مساحة تبادلية بين كل من خطاب المؤرخ القديم، وخطاب الراوي التاريخي المعايش، وخطاب الراوي المعاصر الناقد، بما يقدم التاريخ كنص مفتوح يعيد مساءلته بدلاً من تكريسه.

ولا يكتفي الراوي بالمعايشة أو التعليق، بل يتحكم في السرد بوصفه صانع حبكة، فهو، على سبيل المثال، حين يتحدث عن صعود «بدر العيني» في بلاط «برسباي»، لا يقدّم الوقائع دفعة واحدة، بل يصنع توتراً سردياً مقصوداً: «لم يجتمع مجلسُ مشورة واحد في زمن برسباي، إلا وكان الرجل حاضراً فيه حتى حدث ما حدث مما سنأتي على ذكره لاحقاً». وهو أسلوب سردي يتحكم في الإيقاع، ويؤجّل الحدث عمداً، ويعيد توزيعه على الزمن الحكائي، ويتحوّل «بدر العيني» من شخصية تاريخية إلى بطل في حبكة روائية له صعود ونفوذ وذروة وانكسار مؤجّل.

العدالة التاريخية

يقود السرد إلى مساءلة الذاكرة الثقافية، فلماذا بقي المقريزي حياً في الوعي العام، بينما تراجع بدر العيني؟ ومن يصنع قانون المؤرخين؟ ومن يقرّر من يبقى ومن يُنسى؟ في ظل سؤال مفتوح حول ما إذا كان التاريخ علماً مُحايداً أم فناً سردياً محكوماً بالاختيار والرؤية. أما جلال الساعي، كاتب الأوراق المجهول، فيحمل رمزاً فنياً لمن سقطوا من الذاكرة الرسمية، فقد عاش الطاعون، ورصد الجنون، وشهد شطط السلطة، ثم اختفى اسمه من كتب التاريخ الكبرى، وكأن الرواية كلها محاولة إنقاذ أثر إنسان محذوف من السجلات.

غير أن «الجنون» يظل الثيمة المركزية التي تنتظم حول الرواية كلها، ليس بوصفه توصيفاً نفسياً فردياً، بل معياراً سياسياً وأخلاقياً، من «المؤيد شيخ» إلى «برسباي»، ومن رجال البلاط إلى المحتالين و«البهلوان»، فتدور السلطة في فلك فقدان الرشد، ويتحوّل الجنون إلى مبدأ بنيوي لفهم السياسة، بما توحي به عبارة على لسان الشخصية الروائية التي تتقمص «المقريزي»، وتلخّص رؤيتها السوداء للسلطة: «أظنهم جميعاً مجانين يا خالي، غير أن جنون هذا باهظ التكاليف».


متلازمة العشق والموت

متلازمة العشق والموت
TT

متلازمة العشق والموت

متلازمة العشق والموت

تهيمن أجواء الشجن والفقدان والحنين على أحدث مجموعة وليد خيري القصصية، المعنونة «المنزل» -دار «العين» بالقاهرة- حيث فضاءات الذاكرة التي يستعيد فيها الراوي مشاهد من الطفولة والمراهقة وسنوات الشباب الأولى في أجواء عائلية حميمة تعكس جوهر الحياة ببساطتها ونقائها حين كانت الأمور محملة بالرقة بالمعاني خالية من الصراعات الزائفة واللهاث.

تطل ثنائية العشق والموت متلازمةً تحاصر أبطال المجموعة؛ فالموت يلاحق الجميع من أم وأب وجدة، كل من نسجوا علاقات حميمة مع الراوي/الطفل، مصيرهم الرحيل في فضاءات قد تأتي موجعة، أو شفافة تطبع قبلة حانية على الروح لتخفف من ألم الفراق، أما العشق فهو الوجه الآخر الذي يثبت عملياً أن مصير البشر معلق بين الشقاء والسعادة، وما الحياة سوى ركض لاهث نحو أي منهما.

على هذه الخلفية، لا نندهش إذا لاحظ الراوي أنه «في اليوم الذي ماتت فيه جدته، لم يتغير في الغرفة شيء سوى أنها غادرت فراشها للأبد»، أو أن يتم استدعاء الأب الراحل عبر طقوس صغيرة مثلما في قوله: «كلما جمّرت الخبز على نار البوتاجاز، ظهر أبي وأعدّ لنا الإفطار»، وبالتالي من الطبيعي أن يعيد اكتشاف غرفته بعد رحيله قائلاً: «الغرفة الضيقة كانت صغيرة، لكنها حملت موت أبي وبداية روايتي».

جاء البناء الفني لقصص المجموعة معتمداً على التكثيف الشديد، ضربات فرشاة سريعة ترسم ملامح الألم وتحدد بؤرته القصوى في أقل عدد من الكلمات عبر لغة رشيقة، سلسلة ومتدفقة رغم طابعها المقتصد، ثم سرعان ما تأتي النهاية محمَّلة بالمفارقة التي قد ترسم ابتسامة ساخرة على الشفاه بقدر ما توجع الروح وتشعل لهب الحنين.

ومن أجواء المجموعة نقرأ من قصة «هل يمكنك أن تأخذني إلى حلمي»:

«أشرتُ إلى سيارة أجرة، وقلت لقائدها حينما توقف: هل يمكن أن تأخذني إلى حلمي؟»، هزَّ رأسه بالموافقة دون أن يتكلم، وضغط زر تشغيل العداد. أفقت بعد قليل على صوت صراخ مكابح التاكسي، فقد كاد يدهس امرأة غاضبة اعترضت طريق حلمي. أمعنت النظر في العابرة التي أعادت لملمة روحها، قبل أن تحدق فيّ ساخطة، كانت معلمة الدراسات الاجتماعية التي سحبت مني فنجان التفوق الذي سلمتني إياه معلمة اللغة العربية.

قالت لي في بساطة مُذلة ذبحتني: «لا تستحقه»، ثم منحته بكل أريحية لصباح محيي الدين زميلة الصف الرابع الابتدائي بمدرسة الفيروز الابتدائية المشتركة... طلبتُ من السائق أن يستكمل طريقه حتى ناصية مراهقتي، فتطلع في المرآة، وأومأ. طوال الطريق تحاشيتُ أن أختلس النظر إلى لوحة العداد مخافة أن يظنني بخيلاً يحسبها، مجرد عدم النظر يمنحه شعوراً أني سأجزل له العطاء، ويكمل رحلة الأحلام دون تأفف».