كتاب سعوديون: ما كتب أدبيا عن أحداث المنطقة أغلبه انفعالي

توقعات بميلاد أجناس أدبية تستمد مفرداتها من قاموس لغوي قيد التشكل

أشجان هندي و عبدالله الناصر  و محمد الصفراني
أشجان هندي و عبدالله الناصر و محمد الصفراني
TT

كتاب سعوديون: ما كتب أدبيا عن أحداث المنطقة أغلبه انفعالي

أشجان هندي و عبدالله الناصر  و محمد الصفراني
أشجان هندي و عبدالله الناصر و محمد الصفراني

هل تمهد الأحداث الكبيرة التي تعصف بالمنطقة، بما تنطوي عليه من ويلات ومآس لميلاد قاموس لغوي وأدبي مختلف، أو في الأقل، للغة تستلهم مفردات ومصطلحات جديدة تتسرب تدريجيا، وبوعي أو غير وعي، إلى كتابات أدبائنا؟
الناقد والشاعر د. محمد الصفراني، يتوقع أن يفرز المشهد الثقافي نتاجا أدبيا مختلفا، بلغة جديدة ومصطلحات مغايرة، شريطة أن يصنع على أيادي مبدعين حقيقيين، لا يسارعون للتعبير عن الأحداث قبل أن تنتهي مرحلتها وتكتمل صورها وتختمر فكرتها.
يقول: «لكل مرحلة قاموسها اللغوي، الخاص بها، فكلمة (ثورة) جديدة على الوطن العربي، وكلمة (ربيع) أخذت مدلولا جديدا غير المدلول المتعارف عليه في السابق، فهي تعبر عن التغيير أو عن التفاؤل أو عن المستقبل والديمقراطية».
ووفق الصفراني، هناك أحداث صاحبتها تعابير، أصبحت لها معانٍ جديدة في العالم العربي، مثل الانتخابات والتصويت، فضلا عن الإشارة البصرية، كالإشارة إلى ميدان رابعة، التي تتبادر للذهن كثورة وانتفاضة للشعب المصري ما تبعها من أحداث خلال مرحلة الإخوان المسلمين هناك، فضلا عن أحداث غزة الأخيرة و«داعش» وغيرها.
ويضيف: «أنتظر أن يكون بالفعل هناك قاموس لغوي يتشكل في المنطقة وهو إخراج هذه المصطلحات إلى السطح الآن وهذا القاموس ينطبق عليه ما ينطبق على الأحداث نفسها، أي لم يكتب بعد، إذ لا يزال قيد الكتابة. ولكن ستصبح هناك كلمات متداولة من هذا القاموس ستجد طريقها للرواية والشعر، وللخاطرة والمقالة الأدبية».
غير أن الصفراني استدرك أن ما يكتب حاليا وقت لحظة الحدث، لم يصل إلى مستوى الكتابة الأدبية والقاموس الأدبي الجديد، لأنه لا تنطبق عليه شروط استثمار مفردات الحدث، وهو برأيه ما يقع في دائرة الاستثمار السطحي الانفعالي وردة الفعل.
ويصف ما يحدث حاليا من كتابة بأنه يتعلق بالحساسية التي تميز الشخصية العربية، والتي تقوم على رد الفعل السريع والمباشر، مبينا أن ذلك ينتهي بأخطاء على المستوى السلوكي وعلى المستوى الأدبي لا تأتي بأدب جيد، مشيرا إلى أنه إذا استكمل الحدث عناصره واستنفد وقته، فسيبرز بشكل ناضج ومغاير قاموس ولغة جديدتين. وعن دوره بوصفه ناقدا في تقييم ملامح هذه المرحلة أدبيا، يقول:
«كناقد أنتظر انتهاء المرحلة، وأدرسها على النصوص الحالية وهي نصوص منفعلة مع المرحلة وليست معبرة عنها لأن الانفعال العاطفي الشخصي هو أكثر من الأدبي، لأنه بعد ما تنتهي المرحلة، قد يغير هذا الشخص أو ذاك موقفه. اكتمال الحدث هو مربط الفرس».
وعن تقييمه لمدى تفاعل الكتاب مع الأحداث، يعتقد الصفراني أن التفاعل ضعيف، ضاربا مثلا بقضية محمد الدرة، «ففي فترة الحدث وبدايته لم توجد صحيفة أو مطبوعة، إلا وأفردت مساحة لقصيدة عنه، وحتى الذين لم يكتبوا شعرا من قبل كتبوه في تلك الفترة، وكذلك الحال في الرواية والقصة. ولكن تلك الانفعالات ذهبت أدراج الرياح. لقد نشرت (مؤسسة البابطين للإبداع الشعري) مجموعة من القصائد قيلت في هذا الحدث باعتبار أنه كان حدث الساعة. وبعد ثلاث إلى أربع سنوات كتبت نصوص جمعتها البابطين أيضاً. وعند المقارنة بينهما، نجد أن بينهما بون شاسع، فالأخيرة أكثر نضجا بكثير».
ويعزي الصفراني سبب هذا البون إلى أن الحدث نضجت عناصره؛ حيثياته ومآلاته، فأصبح التعبير عنه ناضجا أدبيا، بخلاف ما كان عليه الأمر في النتاجات الأولى التي كانت أشبه بالعزاء والمواساة، وهذا ينطبق على الأحداث الآنية الأخرى. المبدع الحقيقي، لن يتناول موضوعاً إبداعياً إلا بعد نضوج الحدث واكتمال عناصره ومخرجاته واختمار فكرته».

* الناصر: «الربيع العربي» حالة مرتبكة

* أما الروائي والكاتب عبد الله الناصر وهو مستشار وزارة التعليم العالي السعودية بالرياض، فيعتقد أن الوضع أو الربيع العربي وما بعده، هو حالة مرتبكة وغير مستقرة وتأخذ أشكالا وألوانا من التغيير الارتدادي بشكل دراماتيكي لا يتيح للمبدع أن يرصدها أو يصفها كحالة واضحة المعالم.
يقول: «في ظل هذا الارتباك الذي أحدثته قوى مختلفة خارجية وداخلية، أفرز تكوين أشبه بالجنين المشوه داخل الرحم، حيث إن هناك مصطلحات تزاحمت مؤخرا في المشهد، منها إرهابية ورهبوية وشرطجية وبلطجية، وهناك دخان ودماء وبارود».
وعليه، يعتقد الناصر أن الوعي البوليسي أصبح أقوى من الوعي الجماهيري، ومن ثم فإنه كما يرى لا تتشكل حالة يمكن للمبدع أن يرصدها ويتفاعل معها إلا في حالة الاضطراب، في المشهد العراقي ونظيره السوري والفلسطيني مثلا. وهنا «يمكن للمتأمل أو المتعايش أن ينفعل مع هاتين الحالتين انفعالا ثابتا لأنهما أخذا شكل الديمومة والمنهج الثابت، ذلك المنهج القائم على الذبح والقتل والتدمير والإحراق والإبادة، فيما أخذ المشهد السوري شكل الفضيحة الأخلاقية والثقافية والأممية».
وبرأي الناصر فإن فضيحة المشهد السوري، تأخذ شكل الإجرام والرذيلة بالنسبة للنظام الذي يبيد شعبه على حد تعبيره، مبينا أنه أصبح أيضا فضيحة أممية لأن العالم كله تواطأ على إبادة الشعب السوري وإحراق أرضه وتدمير بنيته التحتية.
أما الفضيحة الثقافية والفنية فتتجلى بوضوح، كما يعتقد الناصر، في وقوف بعض الكتاب والشعراء والفنانين إلى جانب النظام السوري، حيث إن بعض الذين كانوا يمارسون الغش على المثقفين طيلة ستين عاما، بزعم الحداثة والتنوير والانبثاق نحو الإنسانية، فإذا بهم يعودون إلى شرنقة الطائفية المذهبية. وهكذا وضع عالمنا العربي في حالة مخاضعة لا وضوح فيها ولا بصيص ضوء يستنير بضوئه من أراد أن يكتب من المبدعين عن هواجسه وخواطره، إنما هي قطع من الليل وسحائب من الظلم».
وأما فيما يتعلق بالإنتاج الأدبي في المشهد الثقافي الخليجي فيرى الناصر أن الشعر والقصة والرواية أغرقها طوفان الأمية متمثلة في الأدب الأمي والشعر الأمي أو ما يسمى بالشعر الشعبي. فالحكايات والقصص والأشعار الشعبية، أصبحت هي الطاغية على المشهد الثقافي الخليجي حتى على مستوى المسابقات المليونية والجوائز الثقافية، والمحطات التلفازية والملاحق والمنابر الصحافية، مشيرا إلى أن ثمرتها تتلخص في الشهرة والبيع والشراء، و«إننا نحن نعيش اليوم أزهى عصور الشعر والأدب الشعبي بعيدا عن التنوير العصري».

* د. زيد الفضيل: ميلاد مفردات «تويترية»

* أما الكاتب الدكتور زيد الفضيل ورئيس اللجنة الثقافية لمعرض الرياض الدولي للكتاب في دورته السابقة، فيتصور أن جانبا من المشهد الثقافي السعودي سبق آفاق الربيع العربي في زاوية منه بسنوات كثيرة، وهي الزاوية المتعلقة بمحاولة التنويريين فيه، التحرر من سلطة الطيف الديني المتشدد، وحركته الواسعة في المجتمع على حد تعبيره.
صدمة المجتمع السعودي جراء أعمال المتشددين الإسلامويين، وفق الفضيل، انعكست على طبيعة المشهد الثقافي الذي أظهر تحررا في كثير من أفكاره، ومارس نقدا واضحا لكثير من المظاهر السياسية التي أدت إلى ظهور ذلك الطيف المتشدد.
يقول الفضيل: «كانت كتابات كثير من مثقفينا شاهدا على ذلك سواء من خلال المقالة أو الرواية وحتى على صعيد المفردة الشعرية».
فكان المشهد الثقافي السعودي مواكبا لما يدور في المجتمع بفعالية قوية، في حين انغمس عدد من الدول العربية في أتون ما يسمى بالربيع العربي الذي اصطبغ بلون ديني جراء سيطرة الإخوان المسلمين وتيار السلفية الحركية على وتيرة المشهد السياسي فيه».
وفيما يخص المصطلحات والمفردات الجديدة التي ظهرت في النتاج الأدبي والثقافي، يرى الفضيل أننا نلمس ذلك في استخدام المفردات الـ«تويترية» تحديدا، إذ أصبح «تويتر» ساحة مفتوحة للنقاش الحاد بين المنتمين للتيار الإسلاموي الحركي الذين لم يخفوا مساندتهم السياسية والفكرية لنظرائهم في دول الربيع العربي، وبين جانب واسع من الشريحة المتنوعة للمثقفين السعوديين من ليبراليين وقوميين وكثير من المنتمين لوسطية المفردة والفكرة بمنأى عن الدخول في شرك التصنيفات. وكان من جراء ذلك أن ازداد المشهد الثقافي السعودي وضوحا في تمايز الأفكار، بل وتجلى في كثير من مفرداته كثير من الألفاظ السياسية والقانونية، وإن كانت لم تظهر بجلاء على صعيد المنتج القصصي والروائي تحديدا».
غير أنه يستدرك بقوله إن هذه الألفاظ الوليدة كانت جلية في مسار المفردة الـ«تويترية» والكتابة الصحافية، التي عكست طبيعة وعي المشهد الثقافي السعودي، ومايزت بين محدداته.

* صالحة غابش: غياب الرؤية خلّف الحذر

* وفي هذا السياق قالت الكاتبة الإماراتية صالحة غابش، مدير عام المكتب الثقافي والإعلامي بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة: «أشعر أن لغة الأدب في الوقت الحالي عجزت عن أن تؤدي دورها في التعبير عن قضايا الأمة، على الرغم من أن الأدب شعرا كان أم رواية وحتى القصة القصيرة والمسرح وغيرها كانت إلى وقت قريب انعكاسا لكل تطورات المجتمع. لا أعتقد أن لغة الأدب الحالية، مستوعبة لمستجدات الأحداث وتغيراتها وأثرها على الواقع والإنسان وما يمكن أن يستبقيه التاريخ في دفاتره منها، مع وجود استثناءات لروايات وقصائد.
وتضيف صالحة غابش: «لعل السبب لا يرجع إلى اللغة وصاحبها ولكن إلى حالة الإحباط من عدم وضوح الرؤية أو الخوف والحذر من تناول الأمور من وجهة نظر يؤمن بها الكاتب، الذي قد يكتشف بعد قليل بأنه ضلل وأن الحقيقة لا تزال متوارية في خفايا الأحداث المتتابعة ريثما تنجلي ذات يوم».
وفي الإطار نفسه تتوقع غابش، أن تكون الغلبة للرواية كمنافس قوي من بين الأجناس الأدبية الأخرى، الأقدر على التعبير عن أحداث المنطقة بلغتها التي تتعاطى معها ووفق مفردات إفرازات المشهد الحالي. لكنها تحذر من الغزارة في الكم، فهي «ليست في صالح التطور الإبداعي إن لم يواكبه غزارة في النوع، وفي عمق التناول واللغة والمعرفة التي تأتي بها النصوص الإبداعية، فغزارة الكم لا يعول عليه كأساس لقياس تطور الأدب وتأثيره في المجتمع والثقافة المحلية والإنسانية عموما، بنقله أحداث المنطقة الحالية أو غيرها».
ولفتت إلى أن الأعمال المؤثرة في وجدان الشعوب وفكرها، المستندة إلى أفق ثقافي وحضاري معرفي، وحدها التي تستحق أن تضم إلى قوافل الإبداع، لأنها تؤشر إلى جدية صاحب التجربة ومدى اشتغاله على عمقها، متجنبا الجانب السطحي الذي لا يغني ثقافة ولا معرفة».

* أشجان هندي: اختمار الفكرة أولا

* الشاعرة د. أشجان هندي، ربطت تأثر الأحداث وصورها ولغتها ومصطلحاتها في النصوص الأدبية، بما تستغرق من وقت، مبينة أن المبدع يحتاج إلى مدة زمنية معينة يستوعب خلالها الأحداث ليوظفها شعرا أو رواية أو قصة، تأسيسا على الخبرة المختزنة الصادرة عن رؤية ما.
وهي تتفق مع الصفراني في أن الأثر الآني وإسقاطه على لغة الأدب، لا يتجاوز كونه نتاجا انفعاليا وردة فعل لا يعبر بدقة عن الحدث، بل لا بد أن تأخذ الأحداث وقتا كافيا للتخزين والاختمار على المستوى العام والفردي لأن «تعاطي الأديب مع الحدث ليس كتعاطي المراقب السياسي للحدث، لأن الأخير لا ينتظر لأن تختمر الفكرة لتخرج ناضجة ومعبرة ومشخصة لكافية الجوانب، وذلك لأنه يسقط عليها تحليلاته وقراءاته خاصة له».
وما تراه أشجان هندي حاليا من كتابات لا يخرج عن كونه انعكاسا لحظيا ومحاولة لمواكبة الحدث بطريقة إعلامية أكثر منه طريقة أدبية. ومن هنا، يكون العمل ناقصا، بخلاف الأديب الذي يستغرق زمنا لاستيعاب عناصر ومقومات وصناعة الحدث».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».