جورج قرم يطرح «نظرة بديلة إلى مشكلات لبنان»

المواطنون يزدادون يأسا من تحسن أوضاع بلادهم بسبب النظام الطائفي المعتمد

جورج قرم
جورج قرم
TT

جورج قرم يطرح «نظرة بديلة إلى مشكلات لبنان»

جورج قرم
جورج قرم

قد يجد القارئ في هذا الكتاب تفسيرا لسوء الأداء السياسي والاقتصادي في لبنان، الذي يحرم المواطن من أبسط ظروف العيش الكريم. لقد مر لبنان كما هو معروف بأحداث جسيمة تغلب على تداعياتها، لكن تفاقم الأزمات والمشاكل السياسية والإنمائية، وتدنِّي أداء الدولة، وتفاقم الأزمات المعيشية، وتراجع حالة الخدمات العامة، زاد من يأس المواطنين في تحسين أوضاع بلادهم، خصوصا مع ما يحصل في دول الجوار من ثورات، ويرتد سلبا على الوطن الصغير المساحة. فقد ازداد الانقسام الحاد بين الزعامات السياسية اللبنانية، وارتفع الدين العام على الرغم مما أنفقته الدولة منذ ثلاثين سنة بحجة الإعمار، وعلى الرغم من موارده الطبيعية، وكفاءاته البشرية التي لا يعلم كيف يستغلها في الداخل فيرحلها إلى خارج حدود الوطن.
قسّم المؤلف كتابه الصادر عن «دار الفارابي»: «نظرة بديلة إلى مشكلات لبنان السياسية والاقتصادية»، إلى جزءين: الأول يتعلق بالأوضاع السياسية، والثاني بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وفي الجزءين اقتراحات عديدة حول المعالجات الممكنة خارج الإطار التقليدي لكل من الثقافة السياسية والاقتصادية اللبنانية، وذلك اعتقادا منه بأن المشكلة التي نشعر بأنها مستعصية الحل هي مطروحة بشكل غير صحيح.
يطرح المؤلف مجموعة أسئلة محورية حول إمكانية فصل السياسة عن الاقتصاد في الأزمة اللبنانية، ومصير نظام لبنان الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وما هي قدرة البلاد على الصمود أمام المتغيرات العملاقة التي تشهدها المنطقة
هناك الكثير من اللبنانيين الذين يعتقدون أن الأزمة هي نتيجة سوء أداء السياسيين واستهتارهم بالمصلحة العامة، ولذلك لا ترى هذه الفئة أي فائدة من الخوض في أمور الإصلاح، طالما أن لبنان خاضع للنظام الطائفي الذي جعل خيرات البلاد مجرد تقاسم مغانم بين الزعماء.
ويرى بعض اللبنانيين أن أصل البلاء هو في هيمنة سوريا على هذا النظام وتداخلها فيه بشكل متواصل، سواء خلال سيطرتها ووجودها في لبنان أم بعد خروجها من لبنان عام 2005. وفي نظر هؤلاء أن مجرد تغيير النظام في سوريا سيسمح بحل المشاكل التي يتخبط فيها لبنان.
ويرى فريق ثالث من اللبنانيين أن أصل الداء في سوء تطبيق اتفاق الطائف وانحرافه نحو نظام «الترويكا» وعدم تحقيق الإنماء المتوازن والوفاق الوطني الحقيقي. وهناك فئة واسعة من اللبنانيين تعتقد أن الوضع لا يمكن أن يتحسن في ظل استمرار الصراع العربي الإسرائيلي.
هذه الطروحات الأربعة تؤكد استحالة إجراء أي إصلاح اقتصادي من دون إعادة النظر في الوضع الإقليمي، وكذلك في الوضع السياسي الداخلي، وهي طروحات تؤدي كلها إلى طريق مسدود.
ويرى المؤلف ضرورة إعادة النظر بشكل جذري في هذه الطروحات. ويقول إن الحكمة التقليدية ترى أن استقرار الأحوال وحسن الحكم السياسي هما القاعدة الأساسية للنمو الاقتصادي والازدهار. لكن هناك دولا مارست أنواعا مختلفة من الاستبداد والعشوائية، ومع ذلك فإن معدلات النمو الاقتصادية فيها كانت عالية. مثال ألمانيا في القرن التاسع عشر في عهد بسمارك، وتشيلي في سبعينات القرن الماضي عندما استولى الجيش على الحكم. وكوريا الجنوبية التي لم يسد فيها الفساد فقط إنما أيضا الاضطراب الأمني والحرب الشعواء التي عصفت بشبه الجزيرة الكورية، وقسّمتها إلى دولتين متناحرتين، كما يستشهد بالإنجازات الأولى للثورة الصناعية وبوادرها التي تمت في أجواء الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك، أو في حالة حرب مستمرة في إيطاليا بين الإمارات والممالك والجمهوريات الشهيرة مثل البندقية وجنوى وفلورنسا.
أما الفكر الاقتصادي العربي فلا يزال يعتمد النظرة التبسيطية، فهو يجد في الأوضاع الأمنية المضطربة عذرا سهلا لتفسير العجز الهائل للمجتمعات العربية في امتلاك القدرات التكنولوجية الحديثة والمساهمة في حركة التجارة الدولية والعولمة على قدم المساواة مع البلدان التي انتشلت نفسها من الحلقة المفرغة للتخلف وأصبحت فريقا مهما في الحياة الاقتصادية الدولية، مثل دول شرق آسيا ككوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وماليزيا، وهذه الأخيرة دولة إسلامية تمكنت من الإفلات من حلقة التخلف.w
يعرض المؤلف المنظومة الفكرية بين أنصار وظيفة لبنان الخدماتية والتوسطية وأنصار الإنماء المتوازن، والتي أثارت جدلا بين مدرستين. فالمدرسة الأولى استلهمت كتابات ميشال شيحا، وتبرر طرحها بالتراث الغني والمتعدد الجوانب، وتختصر هذا الإبداع بالتجارة والسياحة والهجرة والسمسرة، بينما كانت المدرسة الثانية تبرر موقفها بأن للبنان موارد مائية وزراعية مهمة وكفاءات بشرية مهمة. لذلك كانت ترى إمكانية تطوير الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد متنوع يعتمد على القطاع الزراعي والصناعي والخدماتي في آن واحد. وكانت ترى في هذا التطوير تأمينا لفرص عمل كافية لاستيعاب سرعة زيادة السكان.
كسبت المدرسة الأولى المعركة إلى عهد فؤاد شهاب الذي عمل بسياسة اقتصادية واجتماعية تهدف إلى التنمية المتوازنة بين كل المناطق اللبنانية، وإلى تقوية كل من القطاعين الزراعي والصناعي، إضافة إلى تقوية أجهزة الدولة الاقتصادية والاجتماعية. فأنشأ البنك المركزي والضمان الاجتماعي والمشروع الأخضر وكثيرا من المشاريع التنموية.
لم تحظ الشهابية بدعم البرجوازية التجارية والمالية التي ظلت أسيرة حلم وخيال تحويل لبنان إلى جمهورية تجارية مركزة في بيروت، تخدم المنطقة، وتصبح نوعا من إمارة شبيهة بمونت كارلو. وكانت هناك مساع مختلفة لجعل لبنان جنة ضريبية. ومن العوامل التي دعمت اتجاهات المدرسة الأولى إثراء المنطقة العربية بعد عام 1973 وارتفاع أسعار النفط، وهجرة الكثير من اللبنانيين إلى الدول المصدرة للنفط وإثراؤهم السريع نتيجة السمسرة والتوسط. فوجد لبنان نفسه في نهاية الحرب أمام أعداد ضخمة من الأثرياء الذين يرون الانتعاش الاقتصادي فقط من خلال الصفقات والأعمال المخالفة للقوانين الضريبية والاقتصادية بشكل عام.
والحقيقة أن الفريق الإعماري فاتته التغييرات الاقتصادية الكبيرة التي حصلت في المنطقة العربية خلال السنوات العشرين التي عصفت خلالها الحرب في لبنان. فدول الخليج العربي طورت بنيتها التحتية إلى أبعد الحدود، وأقامت مؤسسات مصرفية وتجارية وخدماتية عملاقة. وتم إلغاء التشريعات الاشتراكية التقييدية في الدول التي كانت تنحو هذا المنحى. لذلك لم يعد الاقتصاد اللبناني حاجة ماسة لاقتصاد المنطقة، إذ إن جميع الأقطار العربية المجاورة أسست علاقات وثيقة مع الأسواق العالمية الصناعية والمالية والخدماتية.
إن إصلاح البنية الاقتصادية اللبنانية يتطلب إصلاح ثلاثة محاور أساسية في رأي جورج قرم:
1) النظام الضريبي لجعله يتناول المداخيل المالية والريعية الطابع وتخفيف وطأته عن المداخيل الناتجة عن نشاطات إنتاجية.
2) القضاء التدريجي على دولرة الاقتصاد، وعلى استعمال ازدواج العملة لتوليد مداخيل غير شرعية على حساب الخزينة.
3) إصلاح النظام التربوي لكي يهتم بإبقاء شباب لبنان في وطنهم، فهجرة الكفاءات ليست أمرا حتميا.
ويرى المؤلف أن النظام الطائفي في لبنان نتاج تاريخه الحديث، فنظام جبل لبنان في ظل الإمارة المعنية والشهابية كان نظاما إقطاعيا عابرا للطوائف. وقد بدأ مسار تسييس الطوائف بتصاعد نفوذ الدول الأوروبية الكبرى داخل مقاطعات السلطنة العثمانية، وبعد انهيار السلطنة توسع ‏تسييس الطوائف. ‏
إن لعبة تسييس الطوائف وإدخالها في شبكات النفوذ الإقليمي والدولي يحول دون قيام دولة قوية ومستقلة. فالنظام الطائفي يعكس التوازنات الإقليمية والدولية بدلا من أن يكون أداة صالحة لتحقيق الديمقراطية التوافقية كسويسرا وبلجيكا وهولندا التي تلعب فيها العرقية أو المذهبية دورا كبيرا، ‏إنما ضمن ديمقراطية شفافة وسيادة كاملة لسلطة الدولة. أما في لبنان فالطوائف تقف حاجزا بين المواطن والدولة، فوجود الدولة مشروط باستمرار بحسن نية زعماء الطوائف، وهم بدورهم خاضعون لنفوذ دول أجنبية. فالطريق إلى السيادة يتطلب العمل على جبهتين:
1) رفض المواطنين ‏لظاهرة تسييس الطوائف من جهة.
2) فصل البنية القانونية للدولة عن البنية القانونية للطوائف من جهة أخرى.‏
ويقترح المؤلف أفكارا للإصلاح المؤسساتي في لبنان. فعلى صعيد السلطة التنفيذية يرى أن يُنتخب رئيس السلطة التنفيذية بالاقتراع العام، لأن رئيس الدولة الذي لا ينتخبه الشعب ما هو إلا صورة شكلية للحكم لا يتمتع إلا بالقليل القليل من السلطة والصفة التمثيلية. فالانتخاب على أساس الاقتراع العام سيسمح بإلغاء الالتباس بين تمثيل الطائفة وتمثيل الشعب كله.
أما النظام الانتخابي الأغلبي في دورة واحدة فهو الأسوأ بين الأنظمة، فهو يكرس نظام الزعامة ووراثة التمثيل السياسي. فحكم الزعماء يعني تحويل الديمقراطية إلى حكم الأثرياء، أي أنه نقيض الروحية الجمهورية. وحده النظام الانتخابي النسبي كفيل بأن يؤمّن تمثيل كل التيارات السياسية ويشجع وجود الأحزاب التي تقدم برامج واضحة، في حين أن الاقتراع بالأغلبية في دورة واحدة يشجع الشعبية الفردية وتأثير المال ونفوذ الزعماء.
يرى المؤلف أن تناول قضية الشرق الأوسط ووضع لبنان الصعب فيه من الأمور المعقدة والحساسة. فانقسام اللبنانيين منذ قرنين كان موضوعه تحالفات البلاد مع الخارج. ولا يزال هذا الانقسام يشكل نقطة التباين المحوري وفي حال لم ننجح في تخطي هذا التباين ستستمر التجاذبات المتناقضة في تمزيق لبنان. فالثقافة الأوروبية ترى في منطقة الشرق الأوسط منطقة مركزية في الصراعات الدولية. فالشرق الأوسط يحوي أكبر مخزون طاقة في العالم، ويتمتع بموقع استراتيجي بين القارات الثلاث، ومنبع الديانات التوحيدية.
فلماذا تخلف العرب وتقدم الغرب؟ يكمن الجواب في نقاط يختصرها المؤلف في انقسام العرب بين مؤيد للغرب ورافض له. وقد تغلبت المدرسة الأولى، غير أن الأقاليم العربية التي تحررت من السلطنة العثمانية وقعت في قبضة الدول الأوروبية، ولم تتمكن من التوحد، وتكونت بعض المحاور المتخاصمة بين الأقطار العربية.
كتاب الدكتور جورج قرم مساهمة جدية في توصيف المجتمع اللبناني والفرقاء الذين يقبضون على خناق اللبنانيين.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».