معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية بعد 4 عقود... رفض شعبي رغم «الازدهار» الرسمي

بومبيو: أنهت فترة طويلة من النزاع المسلح

مصافحة معاهدة السلام بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن  برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر في مارس 1979
مصافحة معاهدة السلام بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر في مارس 1979
TT

معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية بعد 4 عقود... رفض شعبي رغم «الازدهار» الرسمي

مصافحة معاهدة السلام بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن  برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر في مارس 1979
مصافحة معاهدة السلام بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر في مارس 1979

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، تسببت غضبة شعبية ونقابية في مصر، في إحباط محاولة لتكريم المخرج الفرنسي كلود ليلوش، ضمن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بسبب مواقفه «الداعمة للصهيونية»، لكن وقبل تلك الواقعة بأسبوعين تقريباً، كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يبحث علانيةً علاقات بلاده مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في نيويورك، على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2018... مشهدان ربما يلخصان حال معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية التي تم توقيعها قبل أربعين عاماً، ورغم ما يراه البعض من تحقيقها «تطورات سياسية» على المستوى الرسمي، فإنه لا يمكن رصد نتيجة مماثلة للمستوى الشعبي.
ومنذ توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن، وبرعاية أميركية، في 26 من مارس (آذار) عام 1979، «معاهدة السلام»، شهدت المعادلة السياسية ما يمكن اعتباره «انقلاباً استراتيجياً» في موازين القوى، وتتابعت ردود أفعال عدة منها تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية لنحو 10 سنوات تقريباً.
وجاءت الدعوة لمعاهدة السلام مع مصر، بمبادرة الرئيس المصري أنور السادات، الذي زار إسرائيل عام 1977، وبدا حينها من شبه المستحيل أن تكون نتيجتها ذات آمال بالنجاح، إذ كان اليمين الإسرائيلي بقيادة مناحم بيغن، قد وصل لتوّه إلى الحكم، وهو معروف برفضه دفع ثمن السلام، ولكن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس جيمي كارتر، وجدت في الزيارة، فرصة، خصوصاً أنها كانت قد بدأت تتعاون مع الاتحاد السوفياتي على عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط عارضته إسرائيل بشدة.
وبموجب هذه الاتفاقيات انسحبت إسرائيل من سيناء المصرية بالكامل وهدمت مستوطناتها وأخلت 7000 مستوطِن، ووافقت على منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً كاملاً، وسحب الجيش الإسرائيلي من معظم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن تدار مفاوضات لخمس سنوات تُفضي إلى تسوية أعمق تتضمن اعترافاً بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. ولكن هذا الجانب من الاتفاق لم يطبَّق، إذ كان يتجاهل منظمة التحرير الفلسطينية ويتحدث عن مفاوضات مع الأردن ووفد فلسطيني محلي من الضفة والقطاع. وقد رفض الأردن المشاركة وكذلك الفلسطينيون، ووجدت حكومة بيغن هذا الرفض ذريعة لتنفيذ أهدافها، فأقامت المستوطنات بوتيرة جنونية في الضفة والقطاع وفي القدس الشرقية المحتلة.
ويضع أستاذ العلوم السياسية الدكتور مصطفى كامل السيد، معياراً لتقييم المعاهدة بعد أربعة عقود، متمثلاً في الهدف الذي صاحب إعلان توقيعها، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن أطرافها اعتبروها بداية لتسوية شاملة، وأنها ليست «صلحاً منفرداً بين مصر وإسرائيل». ويستدرك: «واستناداً إلى هذا الهدف فإنها لم تحقق تقدماً على سبيل التسوية العربية - الإسرائيلية، وفق ما هو قائم على أرض الواقع في الضفة والجولان وغزة».
وحسب تقدير السيد، فإن المعاهدة «حققت لإسرائيل كل ما تريده، فقد خرجت القاهرة من خانة الصراع، وأمّنت دولة الاحتلال الجبهة الغربية لها».
وبشأن التطور الذي دخل واقعياً على نص المعاهدة والتي تقضي نصوصها بوجود عسكري مصري محدود في شمال سيناء، وهو ما تغير الآن بوجود قوات مصرية بعتاد ثقيل لملاحقة العناصر الإرهابية المسلحة في المنطقة، يقول السيد: «إن التغيير الذي حدث لا يعود لنصوص المعاهدة، بل بالخطر الطارئ على مصر وإسرائيل، خصوصاً أن بعض هذه المنظمات يدّعي عداءً لإسرائيل، وبالتالي فإنه لم يكن متصوراً أن تمانع الأخيرة في دخول قوات مصرية كثيفة التسليح إلى المناطق المحظورة في المعاهدة».
وتزامناً مع المناسبة، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، تقريراً، أمس (الثلاثاء)، أشادت فيه بـ«علاقات السلام الناجحة نسبياً»، وقالت إن «الاتفاق صمد رغم العديد من الهزات». وأشار التقرير إلى أن «الاتفاقيات أفرزت تعاوناً واسعاً في مجال الزراعة والسياحة والأمن والسياسة».
ومع أن قيمة الاستيراد الإسرائيلي من مصر بلغت 650 مليون دولار فقط، والصادرات الإسرائيلية إلى مصر لم تتجاوز 110 ملايين دولار في سنة 2018، ومع أن عدد السياح الإسرائيليين إلى مصر بلغ ربع مليون نسمة (معظمهم عرب من فلسطينيي 48)، فإن التعاون بين البلدين أثمر اتفاقية منطقة التجارة الحرة (QIZ) التي تم توقيعها بين البلدين سنة 2005 مع الولايات المتحدة، وبموجبها بدأت مصر تصدر منتجات مصانعها بشراكة إسرائيلية محدودة وجمارك مخفضة إلى الولايات المتحدة، بقيمة متراكمة 8 مليارات دولار.
وتحدث عدد من الدبلوماسيين القدامى، الذين عملوا في مصر عبر هذه السنين، فأكدوا أن اتفاقيات السلام «أثبتت جدواها وأن العلاقات المتطورة بين البلدين هي الأفضل». ووصفها السفير الأسبق في القاهرة، د. حاييم كوريين، بأنها «تحولت إلى علاقات استراتيجية، صمدت في امتحانات كثيرة، ولم تنخفض حتى في زمن حكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، أحد زعماء الإخوان المسلمين». وأضاف كورين: «لا يوجد بين البلدين حب وعشق ولكن توجد شراكة مصالح».
ويقدّر كامل السيد أن «العلاقات الآن على المستويات الرسمية العليا في الجانبين ودّية ومزدهرة وتتضمن تنسيقاً أفضل من أي وقت مضى، ويتواكب مع ذلك تطور مماثل في العلاقات الاقتصادية، وعلى وجه خاص بعد توقيع اتفاقية تصدير الغاز من إسرائيل لمصر، والدخول في نطاق منتدى غاز شرق المتوسط، مع دول عدة، بما يشير إلى زيادة في معدلات التبادل التجاري تتجاوز ما كان سابقاً».
وبشأن انعكاس المعاهدة شعبياً في الجانب المصري، يلفت السيد إلى أنه «عقب عودة الرئيس السادات من زيارته المفاجئة لإسرائيل قوبل بحماس من حشود استقبلته بدافع وعود الرخاء المنتظَر، وانتهاء التعبئة الحربية والدخول في عصر الاستثمارات، وحشود السائحين الإسرائيليين لتحقيق انتعاشة لاقتصاد البلاد»، ويضيف: «الآن وبعد كل هذه السنوات، نجد أن نحو 32% من المصريين، حسب بيانات رسمية، لا يزالون تحت خط الفقر، وبالتالي تراجعت مستويات الحماس لدى البعض الذي كان منتظراً لتك القضية».
وأثار تطبيع بعض المصريين العلاقات مع الإسرائيليين، عواصف لم تتوقف حتى الآن، وجوبهت برفض، أسفر عن الإطاحة بالنائب البرلماني السابق توفيق عكاشة، وإسقاط عضويته بمجلس النواب عام 2016 على خلفية مقابلته السفير الإسرائيلي آنذاك حاييم كوريين.
من جهتها تفاعلت السفارة الأميركية في القاهرة مع الذكرى الأربعين للمعاهدة، ونشرت مقالاً باسم القائم بأعمالها توماس غولدبرغر، قال فيه: «أرى كل يوم النتائج الإيجابية لهذا الاختيار الشجاع (...) أرى ذلك في التنمية الاقتصادية لمصر، ودورها في المنطقة، وعلاقتها بالولايات المتحدة... نحن نعتقد اعتقاداً راسخاً بأنه بسبب السلام أصبحت مصر أكثر استقراراً وأكثر أمناً وأكثر ازدهاراً، بما يضمن دورها في قيادة المنطقة».
من جهته، قال وزير الخارجية الأميركي، في بيان، أمس، إن «معاهدة السلام أسست بين مصر وإسرائيل فصلاً جديداً في تاريخ الشرق الأوسط بعد اتفاقيات كامب ديفيد». ولفت إلى أن «هذا الإنجاز الدبلوماسي المتوج، هو نتيجة سنوات من المفاوضات المكثفة». كما شدد بومبيو في البيان، على أن اتفاقية السلام «مهّدت للمزيد من الأمن والاستقرار والتكامل في المنطقة، وأنهت فترة طويلة من النزاع المسلح».



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.