شعراء يطرحون بالشعر أفكاراً عن الشعر

من المتنبي إلى أدونيس

أدونيس  -  محمود درويش  -  أبو الطيب المتنبي
أدونيس - محمود درويش - أبو الطيب المتنبي
TT

شعراء يطرحون بالشعر أفكاراً عن الشعر

أدونيس  -  محمود درويش  -  أبو الطيب المتنبي
أدونيس - محمود درويش - أبو الطيب المتنبي

دائماً أرددُ أبيات الشاعرة «لميعة عباس عمارة» عن الشعر، حيث تقول:
لعنة اللاعن يا شعر عليك
ما الذي أوقعني بين يديك
كل أسرار الورى مستورة
وخفي الهمس مفضوح لديك
أنت لو كنت ملاكاً صالحاً
ما توسلـــنا بشيطانٍ إليـك
وهنا تلخص لميعة عباس عمارة تجربتها وعلاقتها الشائكة مع الشعر، وهي علاقة ملتبسة تخشى من خلالها ما يمكن أنْ يقترب من الفضيحة لأي حركة، أو كلمة يقولها الشاعر، فالشعر يمنح المرء ضوءاً مختلفاً عن الجميع، لذلك يُقرن دائماً بالوحي، وإنَّ الشعراء بإمكانهم أنْ يستفزّوا كل شيء حولهم، وأنْ يحركوا الراكد من مياه التاريخ، لذلك فالشعراء الحقيقيون هم دائماً مواطن خصبة للأسئلة المقلقة، وزيتٌ لا ينتهي لفانوس القلق والشك، فما الشعر؟ وما أسراره؟ هل هو اللغة؟ أم الإيقاع؟ أم الصورة؟ أم هو غير كل هذا؟ هل هو الروح أم الجسد؟ هل هو القميص أم فصاله؟ أم قماشته؟ هل هو النوم أم الصحو الدائم؟ هل هو بكتيريا لا تعيش إلا في الماضي؟ أم هو مرضٌ معدٍ يتفشَّى بسرعة عجيبة لينهش المستقبل؟ هل هو الأفكار أم طريقة عرضها؟ هل هو صنعة الماهرين أم عطشٌ دائمٌ في الروح؟
ما الذي يمكن أنْ يكتبه امرؤ القيس وطرفة والحارث بن حلزة اليشكري والأعشى والعشاق المنسيون والصعاليك العتاة من الشعراء لو سألناهم عن يوم الشعر العالمي، ما الذي سيقوله أبو نواس، وأبو تمام، والبحتري، والمتنبي، وأبو العلاء المعري، والشريف الرضي، وآخرون غيرهم لو استيقظوا من رقدتهم الطويلة، وما الذي سيكتبونه؟ وهل سيقتنعون أنَّ للشعر في هذا العالم يوماً واحداً فقط، في حين أبو نواس يعيش حياته شعراً، طولاً بعرض، ولو عملنا لهؤلاء الشعراء الكبار استطلاعاً لإحدى الصحف، أو المجلات عن يوم الشعر العالمي، فهل سينظر المتنبي إلى الشعر من خلال سيف الدولة الحمداني؟ أم من خلال وجه كافور الإخشيدي؟ وهل ينظر إلى الشعر على أنَّه عبءٌ ثقيلٌ لم يحصل منه على شيء (أنا الغني وأموالي المواعيد)، أم سوف ينتصر للشعر مردداً ما قاله قبل أكثر من ألف عام:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي
إذا قلتُ شعراً أصبح الدهر منشدا
لم يُفلت شاعرٌ لا قديمٌ ولا حديثٌ إلَّا وله شعرٌ عن الشعر، وهذا ما يسمّونه في النقد الحديث «ميتا شعر»، حيث يطرح الشعراء أفكاراً عن الشعر بالشعر نفسه، ومن هذه الزاوية نستطيع أنْ نلمح ونلحظ وجهات نظرهم حول الشعر، فلميعة عباس عمارة تنظر له على أنه شيطانٌ وليس ملاكاً صالحاً، فيما ينظر له «نزار قباني» نظرة أخرى، حيث يقول:
فالشعر رغم سياطهم وسجونهم
ملكٌ وهم في بابه حجّابُ
ولكنه في القصيدة نفسها يناقض نفسه، حيث يقول:
شعراء هذا اليوم جنسٌ ثالثٌ
فالقول فوضى والكلام ضبابُ
فالشاعر نفسه قد يناقض نفسه وهو ينظر إلى الشعر، فهناك من يراه عاملاً رئيسياً للثورة والمقاومة، وضمن هذه الرؤية ظهر المئات من الشعراء، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية، وأغلبهم من الشعراء الذين اقترنوا بحركات التحرر، أو بالأحزاب والتيارات اليسارية، وبهذا نظروا إلى الشعر على أنَّه عاملٌ مساعدٌ يوظَّف للقضايا الكبرى فكانت بدايات عبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وعشرات غيرهم تتجه هذا الاتجاه، وهو التوجه نفسه الذي استثمره أهل الدين، وأهل العقائد في جعل الشعر خادماً لكل قضاياهم وتوجهاتهم، ونزار نفسه يقول:
الشعر ليس حماماتٍ نطيِّرها
فوق السماء ولا ناياً وريح صبا
لكنه غضبٌ طالت أظافره
ما أجبن الشعر إنْ لم يركبِ الغضبا
ولكن الملاحظ في هذا الموضوع أنَّ الشعراء تتبلور آراؤهم حسب الظروف والأزمنة التي يمرون بها، فالشعراء العرب مثلاً قبل نكسة يونيو (حزيران) هم غيرهم ما بعد النكسة، وإنْ كانوا الدم واللحم نفسهما، ولكنَّ الغضب والهستيريا التي استولت عليهم بعد النكسة حوَّلت بوصلتهم الشعرية إلى زاوية حادة وجارحة، وإنَّ الشعر يجب أنْ تكون له وظيفة خاصة ومحددة، فالشعر حاله حال السلاح في المعركة - بحسب أصحاب هذا التوجه - وربَّما هذه النظرة دعت «صدام حسين» أنْ يُطلق على الأدباء والفنانين أيام الحرب مع إيران «الفيلق السادس أو السابع»، أي إنَّهم يُكملون الفيالق العسكرية المحتشدة على الحدود، وأزعم أن الشعراء الذين ينظرون دائماً إلى هذه الوظيفية في الشعر، هم في الأغلب من الشعراء الكلاسيكيين، أو التقليديين الذين ينتمون إلى منطقة الشفاهية، والتحشيد، واستغلال كل الأدوات.
أما الشعراء الذين ينتمون إلى الحقل الحداثي والمعاصر، فمعظمهم يرون أنَّ الشعر لا وظيفة له إلَّا الشعر، وحين يكون الشعر تابعاً أو ناطقاً عن قضية من القضايا فإنَّه بذلك يكون قد تنازل عن أهم أسلحته الجمالية والمعرفية، وفي هذه النقطة يتساوى من يكتبون بالطريقة الحديثة مع التقليديين حيث الأفكار الجاهزة، إذ يحلُّ الحزب أو الآيديولوجيا محل القبيلة، وتحلُّ الشعارات المعاصرة محل الشتائم القديمة، ويحل الشعر السياسي ونقده محل الهجاء، وهنا لا يشفع التحول الشكلي للنص بوصفه حداثياً، لأنَّه ما زال عالقاً بحبالٍ متينة مع التقليد، وأظن أنَّ «أدونيس» أحد أهم هؤلاء الشعراء الذين نظَّروا وآمنوا بأنَّ الشعر يجب ألَّا يكون تابعاً لأي قضية، سواء أكانت دينية أو اجتماعية، أو سياسية، أو أي شيءٍ آخر، إنَّما الشعر يجب أنْ تكون له وظيفة واحدة هي الشعر، ومن ثم تلتحق به القضايا الأخر (عش ألقا وابتكرْ قصيدة وامضِ - زدْ سعة الأرض) فلا غرض من وراء الشعر إلَّا الشعر والجمال والتوسع في هذا العالم، أو هو لاعب نردٍ لدى محمود درويش (إنَّ القصيدة رمية نردٍ - على رقعة من ظلامْ - تشعُّ وقد لا تشع - فيهوي الكلام...) أو القصيدة بئرٌ من رماد لدى علي جعفر العلاق (أين المغنّون مضوا؟ - أين مضت أيائل الفراتْ - قصيدتي بئرٌ - من الرماد لا سحابة - تحنُّ مثل امرأة - ولا ندى - يفوحُ من عباءة الرعاة)، ولا تكاد تخلو قصيدة للعلاق إلَّا وللشعر ذكرٌ فيها، من خلال تمظهرات الشعر؛ كذكر القصيدة، أو الغناء، أو كعنوان لمجاميعه الشعرية كما في ديوانه (حتى يفيض الكلام بالحصى) أما الشاعر اللبناني شوقي بزيع فله موقفٌ شعري من الشعر اتخذه عنواناً عريضاً لإحدى أهم مجاميعه الشعرية، وهو (إلى أين تأخذني أيُّها الشعر) والذي يُطيل في هذا النص عتابَه للشعر، وإنَّه جنتُه وجحيمُه في الوقت نفسه، وإنَّ الشعر هو العدو الجميل (إلى أين تأخذني في نهاية هذا المطافْ - ... بشموع انطفائي - وأشرعة لاصطياد الوساوس - لم أتلقف موانئها بالشغافْ - لنجلسْ إذن يا عدوّي الجميلْ - لنجلسْ إذن حيثُ لم يبقْ في جعبة العمر إلَّا القليلْ). ولو غصتُ مع الشعراء ونصوصهم وبحثت عن الشعر وحديثهم معه لوجدت الكثير الكثير، ولما استثنيتُ أحداً منهم، فجلهم له موقف من الشعر، ولكن البيت الشعري في نهاية المطاف يبقى كما يقول عبد الجبار داود البصري في كتابه «فضاء البيت الشعري»: «في البيت الشعري ما في قصور النبلاء وقلاع الإقطاعيين من الأسرار والمغامرات وفيه ما في أروقة الدبلوماسيين من الدهاليز والأنفاق والمخابئ، وبيت الشعر كالحياة يجمع المتناقضات والأضداد ولا يسد بابه بوجه أحد فإلى جانب أبي نواس وخابية الخمر هنالك عمر بن الفارض وقد بُحّ صوتُه وهو ينادي سائق الأظعان المتجه نحو الديار المقدسة».



ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».


لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
TT

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود، وذلك قبيل بيعها في مزاد تنظّمه دار «سوذبيز» في نيويورك، إذ يُتوقّع أن تُحقّق نحو 180 مليون دولار.

ووفق «رويترز»، من المقرّر أن يختبر المزاد، الذي سيُنظّم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، متانة سوق الفنّ الراقية، التي ظلّ فيها هواة الاقتناء يتنافسون على الأعمال النادرة المرموقة، من دون أن تثنيهم حالة عدم اليقين الاقتصادي السائدة.

وتُعدّ لوحة «شاتينييه إن فلور» أو «أشجار الكستناء المزهرة»، التي رُسمت في مايو (أيار) 1890، من أبرز أعمال الفنان الهولندي في أيامه الأخيرة في قرية أوفير سور واز الفرنسية، التي لفظ فيها أنفاسه بعد نحو شهرين، وهو في الـ37 من عمره.

واللوحة على وشك تسجيل رقم قياسي جديد في المزادات لأعمال فان غوخ، وفق سكوت نيشيل من قسم الفنّ الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بنيويورك.

في اللوحة ربيعٌ لا يشبه خريف صاحبها (رويترز)

وقال: «هذا عمل يتجلّى فيه تفاؤل استثنائي وطاقة محمومة وحماسة وشغف وألوان زاخرة في مسيرة الفنان الإبداعية».

واللوحات التي أنجزها فان غوخ في مرحلة «أوفير سور واز» الأخيرة، بُعيد خروجه من مصحّة للأمراض النفسية في «سان ريمي دو بروفانس»، نادراً ما تُطرح في المزادات، وسيستقطب هذا الحدث اهتمام هواة الاقتناء والمتاحف والمستثمرين.

وقالت عاشقة الفن البالغة من العمر 50 عاماً، لي شانشان، التي قطعت نحو ساعتين ونصف الساعة قادمةً من مدينة شنتشن الجنوبية لمشاهدة اللوحة: «لم أسمع بهذه اللوحة من قبل، فأردت أن أراها بعيني».

وستُباع اللوحة، التي تُصوّر شجرة كستناء ضخمة مزهرة بتاجٍ من الأزهار يهيمن على التكوين بأسره، ضمن مجموعة من 12 لوحة طال غيابها عن الأنظار، تضمّ أعمالاً لبول سيزان وكلود مونيه.

وشملت الأعمال الخمسة التي كُشف عنها في دار «سوذبيز» بلندن أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي لوحة «هارلكين» للفنان سيزان، ولوحة «حديقة التويلري» للفنان مونيه.

وبعد رحيل فان غوخ في يوليو (تموز) 1890، انتقلت لوحة «شاتينييه إن فلور» إلى شقيقه ثيو، ثم إلى أرملة الأخير يوهانا فان غوخ بونغر وابنهما فنسنت ويليم.

ثم آلت ملكيتها إلى الناشر الألماني صامويل فيشر، مؤسّس دار «إس فيشر فيرلاغ»، قبل أن تنتقل إلى مجموعة جورج «بادي» ديسيلفا، كاتب الأغنيات الأميركي ومنتج الأفلام والمؤسِّس المشارك لشركة «كابيتول ريكوردز».

وعام 1953، اقتنت اللوحة جامعة الأعمال الفنية هارييت هاريس جوناس، التي كانت مجموعتها تحظى بأهمية دفعت متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك إلى تنظيم زيارات لرعاته لمشاهدة أعمالها في شقتها على جادة فيفث أفينيو.

وعام 1975، انتقلت اللوحة إلى عائلة بلاكييه، التي اقتنتها من تاجر الفن وايلدنشتاين.