وزير الشؤون القانونية اليمني: حصانة الرئيس السابق لا تتماشى مع استمراره في العمل السياسي

د. محمد المخلافي قال لـ «الشرق الأوسط» إن هناك استراتيجية لإفشال العملية السياسية

محمد المخلافي
محمد المخلافي
TT

وزير الشؤون القانونية اليمني: حصانة الرئيس السابق لا تتماشى مع استمراره في العمل السياسي

محمد المخلافي
محمد المخلافي

قال وزير الشؤون القانونية اليمني الدكتور محمد المخلافي إن الحصانة الممنوحة للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، بموجب المبادرة الخليجية التي وضعت أسس حل الأزمة في اليمن، باتت غير مبررة، في ظل استمرار صالح في العمل السياسي.
وقال المخلافي في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن «القانون لا يزال ساري المفعول.. لكن تعطيل العدالة الانتقالية واستمرار ممارسة العمل السياسي طرحا سؤالا حول جدوى هذه الحصانة». وأشار إلى أن هذه القضية طرحت في مؤتمر الحوار الوطني، وجرت المناقشة حولها، وقال إن ما جرى التوصل إليه يتمثل «في رفض مبدأ الجمع بين الحصانة وممارسة العمل السياسي». كما أشار إلى أن القبول بمبدأ العفو (عن صالح) لم يكن أمرا سهلا ولا يزال يلقى معارضة، خاصة من أهالي الضحايا، «وبالتالي فإن التوافق الوطني العام على إيجاد نقل للسلطة بشكل تام وتحقيق العدالة الانتقالية، سوف يجعل مبرر العفو قويا ويمكن الدفاع عنه، لكن لو استمر الرئيس السابق والنظام السابق في الوجود والتأثير على اتخاذ القرار وعلى الاستراتيجية والسياسات في البلد وتعطيل العدالة الانتقالية سيكون غير مقبول ولا يمكن الدفاع عنه».
وتحدث المخلافي عن الاضطرابات الأمنية في البلاد، وعزاها إلى وجود فراغ في السلطة، وقال إن «عملية نقل السلطة لم تجر أصلا بشكل كامل، وبالتالي فهناك استراتيجية إفشال تعتمدها قيادة النظام السابق، أي إفشال التحول في كل جوانبه وإفشال العملية السياسية برمتها وإفشال الحكومة والجانب الأمني والخدمات العامة والسبب أن السلطة لم تنقل بعد وإن النظام القديم ما زال مستمرا في مؤسسات الدولة والحكومة». وأضاف «نحن في الحزب الاشتراكي طرحنا ومازلنا نطرح ضرورة إيجاد فترة انتقالية ومؤسسات للتغيير الحالي».
ويعرج الحوار على سلسلة من القضايا الساخنة في الساحة اليمنية، سياسية وأمنية وغيرها وبالأخص فيما يتعلق بالحوار الوطني. وفيما يلي نص الحوار.
* الحصانة التي منحت إلى الرئيس السابق علي عبد الله صالح وأبرز أركان نظامه, هل ستظل مستمرة وإلى متى؟
- القانون الذي منحت بموجبه هذه الحصانة لا يزال ساري المفعول.. ولكن تعطيل العدالة الانتقالية واستمرار ممارسة العمل السياسي طرح سؤالا حول جدوى هذه الحصانة. وحول العفو الممنوح له. وكما تعلمون فإن هذا الموضوع طرح في مؤتمر الحوار الوطني وجرت المناقشة حوله. وما جرى التوصل إليه يتمثل في رفض مبدأ الجمع بين الحصانة وممارسة العمل السياسي، وبالتالي فإن الحصانة باتت مرهونة بهذه العملية.
* هل لمستم أي انتهاكات مباشرة أو غير مباشرة للحصانة من قبل الرئيس السابق أو أحد رموز حكمه؟
- في الأصل منحت الحصانة مقابل تسليم السلطة ونقلها من دون الدخول في مواجهات وحروب ومقابل ذلك، أيضا، طرحت العدالة الانتقالية، الجمع بين العفو من ناحية وبين العدل للضحايا من ناحية أخرى، أي أنه من يمنح من مارس السلطة السابقة العفو أو الحصانة. وبغض النظر عن وجود مؤشرات لانتهاكات جديدة لحقوق الإنسان من عدم ذلك، فإن المستقبل لن يكون آمنا، طالما استمر هؤلاء يمارسون السلطة. فالضحايا لا يحتملون العفو ولا يقبلون به عندما يرون أن من منحوه هذه الميزة لا يزال يمارس السلطة وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان.
* هل تعتقدون أن تقرير فريق العدالة الانتقالية في مؤتمر الحوار الوطني سوف يغني ويشفي الكثير من القضايا في الساحة اليمنية بهذا الخصوص؟
- لا شك أن التقرير سوف يكون حاسما لمرحلة إصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. وإذا وقفنا أمام هذا التقرير سنجد أنه سار من طموح عال إلى متوسط ثم إلى مستوى قريب من مشروع العدالة الانتقالية الذي أحالته الحكومة، في وقت سابق، إلى الأخ رئيس الجمهورية. وإذا وقفنا أمام المسائل الرئيسية لهذا التقرير مقارنة مع مشروع القانون، فإننا سنجد أشياء خلافية. سنجد مثلا، أن التسمية حددت اسم مشروع القانون بقانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. وتقرير فريق العدالة الانتقالية جاء حاسما لهذا الأمر إذا ما صدر بهذه الصيغة وتثبيت الصيغة المطروحة في مشروع القانون وهي العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ولهذا الأمر أهمية رئيسة وأساسية لأن العدالة الانتقالية آلية لإنصاف الضحايا وآلية لجبر ضررهم ولتوفير شروط تمنع استمرار الانتهاكات في المستقبل. أما المصالحة الوطنية فهي في هذا المضمار، نتيجة لما ستحققه هذه الآلية.
الأمر الثاني فيما يتعلق بالإطار الزمني، فمؤتمر الحوار وضع خيارات وآليات متعددة ومختلفة، لكن هذه الخيارات والآليات آلت إلى نص عام وحسب فهمي له بأنه يتعلق بإخضاع كل الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان للعدالة الانتقالية إذا كان أثر تلك الانتهاكات ما زال مستمرا وقائما، وبالتالي العودة إلى المعايير وإن أشارت التقارير هنا أو هناك إلى الأحداث، لكن هذا هو الإطار العام وهذا يتفق مع أخر صيغة لمشروع قانون العدالة الانتقالية في مادته الرابعة.
* هناك من يطرح في الساحة اليمنية بوجود رغبة لمحاكمة الرئيس السابق علي عبد الله صالح.. فهل هذا ممكن قانونيا؟
- نحن نقول دائما إن القبول بالعفو (عن صالح) لم يكن أمرا سهلا وما زال يلقى معارضة وعدم قبول، وبالتالي التوافق الوطني العام على إيجاد نقل للسلطة بشكل تام وتحقيق العدالة الانتقالية، سوف يجعل مبرر العفو قويا ويمكن الدفاع عنه، لكن لو استمر الرئيس السابق والنظام السابق في الوجود سياسيا التأثير على اتخاذ القرار وعلى الاستراتيجية والسياسات في البلد وتعطيل العدالة الانتقالية، فإن مبرر العفو أو الحصانة سيكون غير مقبول ولا يمكن الدفاع عنه. والحقيقة نحن أكثر من يتعرض للهجوم من قبل الرئيس السابق وأيضا من قبل قيادة النظام السابق لاتهامنا بأننا نسعى إلى محاكمة الرئيس السابق ومن كان معه. والحقيقة أننا سعينا إلى تحقيق السلام عبر التوفيق بين الأمرين، العفو والعدل، إذ لا يمكن أن يتحقق العفو إذا لم يتحقق العدل، وأنا أرجو أن تنتهي هذه المعيقات وأن يتمكن اليمنيون من نقل السلطة حتى لا يشعر الضحايا بأن العفو كان من دون مقابل ومن دون ثمن وأن يجري قريبا إصدار قانون العدالة الانتقالية بعد أن تجري إعادة النظر في المشروع وفقا لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني. وأريد أن أشير إلى مشروع القانون والموضوع المختلف الذي تقدمنا به، فيما يتعلق بالجانب الموضوعي ففي الحقيقة هناك تفاصيل أكثر مما وردت في مشروع القانون ويمكن الاستفادة منها في مشروع القانون عند إعادة النظر فيه وهناك مسائل جديدة لم يتطرق إليها مشروع القانون والمتمثلة في الاعتذار العلني من قبل المشتبه بهم بارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان.
بالإضافة إلى ورود نص يقضي بإخضاع من ارتكبوا الانتهاكات للعقوبات بإخضاعهم للعقوبة والقانون لا يستمر سريانه للمستقبل ولا يمنع معاقبة المتورطين.
* الوضع الأمني في البلاد غير مستقر وهناك حوادث متواصلة.. كيف تنظرون إلى ما يجري من اغتيالات وغيرها؟
- سأتحدث برأيي الشخصي في هذا الموضوع والخلاصة أن عملية نقل السلطة لم تجر أصلا بشكل كامل، وبالتالي فهناك استراتيجية تعتمدها قيادة النظام السابق، هي استراتيجية الفشل، أي إفشال التحول في كل جوانبه وإفشال العملية السياسية برمتها وإفشال الحكومة والجانب الأمني والخدمات العامة والسبب أن السلطة لم تنقل بعد وأن النظام القديم ما زال مستمرا في مؤسسات الدولة والحكومة ونحن في الحزب الاشتراكي طرحنا ومازلنا نطرح ضرورة إيجاد فترة انتقالية ومؤسسات للتغيير الحالي.
* بصفتك وزيرا في حكومة الوفاق الوطني هل ترى أنها قادرة على إنجاز المهام الموكلة إليها؟
- المهام الملقاة على عاتق حكومة الوفاق ليست مهام حكومية محدودة ولكنها ترتبط بالأطراف السياسية أيضا في الساحة اليمنية وهذه المهام لا ترتبط بالحكومة أو رئيس الدولة فقط وكذلك ترتبط بمؤتمر الحوار الوطني ومن هذه المهام الانتهاء من المؤتمر ووضع مشروع الدستور وإخضاعه للاستفتاء ومن ثم إنجاز بقية المهام ومنها العدالة الانتقالية، وهي شرط مهم ورئيس للانتقال السلمي للسلطة في اليمن، ولا يمكن أن تنتقل اليمن إلى وضع جديد في ظل استمرار وجود ضحايا، والأمر الآخر وهو موضوع الجانب الأمني وأن الهيكلة (في الجيش والأمن) وما جرى هو توحيد فوقي لقيادات القوات المسلحة والأمن، الأمر الأهم أننا أمام شكل جديد للدولة وتوفير شروط الانتخابات وفقا لشروط الدولة الاتحادية الجديدة، وهذا قد يتطلب أكثر من سنتين وليس أشهرا ولم يجر الاتفاق في الحوار الوطني على إيجاد مؤسسات جديدة حتى اللحظة.
* هناك من يرى أن تعيينات الرئيس هادي خلال هذين العامين أقصت الأطراف المختلفة معه في الجنوب.. هل هذا صحيح؟
- هناك قضيتان مختلفتان، الأولى تجديد الإدارة والمسؤولية ووضع تدوير وظيفة ينهي حالة الشعور بامتلاك الوظيفة والمسؤولية والذي وجد بعد حرب صيف عام 1994، والجانب الآخر المتمثل في الإقصاء الذي جرى بعد تلك الحرب لعشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين من الجنوب وجزء آخر من الشمال.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.