العبودية في ثلاث روايات عربية

إقبال على العتمات التاريخية التي لم يلتفت إليها من قبل

العبودية في ثلاث روايات عربية
TT

العبودية في ثلاث روايات عربية

العبودية في ثلاث روايات عربية

من اللافت في جديد الحفريات الروائية العربية ما قدمت من تسريد للعبودية سواء في تاريخ قريب أم في تاريخ أبعد. ومن هذه الحفريات الروائية الحديثة ثلاث روايات سنتناولها هنا، وهي رواية «كتيبة سوداء» للمصري محمد المنسي قنديل، و«شوق الدراويش» للسوداني لحمّور زيادة (السودان): و«ثمن الملح» للبحريني خالد البسام.
تفتح «كتيبة سوداء» صفحة (السخرة) منذ عهد إبراهيم باشا. لكن الأهم هو ما تفتح من صفحة العبودية. فتاجر العبيد النوبي ود الزبير يبيع لرئيس القبيلة أربعين عبداً مقابل خمس بنادق، ويغريه بأن البنادق ستكون أداته في توطيد وتوسيع سلطانه. ويتحول العبيد إلى جنود في جيش الجهادية - جيش الخديوي. وسيكونون في عديد الأورطة السوداء الذي بلغ خمسمائة.
هكذا يترامى عالم الرواية من أعماق الغابات الأفريقية إلى المكسيك، ومن مصر إلى فرنسا وبلجيكا. ويصخب هذا العالم بالحروب وبالمؤامرات والأطماع والوحشية والصراعات في البلاطات وعلى الجبهات. وترمح بخاصة شخصية العبد الأسود الذي يفر من اصطياده فتوقعه رصاصة. وفي الكتيبة سيكون هذا الذي يُسمّي بالعاصي قائداً لمجموعة، وستختاره الإمبراطورة مرافقاً وحارساً ثم عاشقاً. وبينما يمضي الجنون بالإمبراطورة يصير العاصي واحداً من ثوار كومونة 1867. وفي دلالة مؤثرة، وفي وشفافية يختم الكاتب الرواية بطفلٍ ينجبه جوفان الذي يتعلق بمكسيكية، في إشارة أخرى وأخيرة إلى ما بين الذات والآخر.

- «شوق الدراويش» للسوداني زيادة
أما حمّور زيادة فيعود في روايته «شوق الدرويش» إلى القرن التاسع عشر، حيث يحفر فيما يمكن أن تدعى بسنوات الجمر في التاريخ السوداني. وتتمحور الرواية حول شخصية بخيت منديل الذي اختطفه تجار العبيد عندما هاجموا قريته، وباعوه في الخرطوم إلى سيد أوروبي سينتهك إنسانية العبد، ويغتصبه على امتداد أربع سنوات، حتى إذا فتحت المهدية الخرطوم وطردت منها الإنجليز والمصريين، اختفى السيد وتحرر العبد. ومن ممارسة بخيت لحريته كان تردده على الحانة ليشرب المريسة (الخمر)، حيث يقبض عليه، ويودع السجن عقاباً على جريمة الشرب. وينسى بخيت في سجن الساير سبع سنين حتى دخل الجيش المصري عقب سقوط الدولة المهدية، فتحرر بخيت، ومضى إلى مريسيلة حيث خطط للانتقام ممن تسببوا في مصرع محبوبته حواء - ثيودورا.
في الرواية نقرأ: «الوقائع أمواج تغطي ما سبقها بنشوة شريرة، فيعجز بخيت عن إدراك ما يحدث». ولعل هذا المقبوس على صغره أن يرسم اللعبة الفنية التي لعبتها الرواية وهي تحفر في التاريخ. وفي هذا الحفر تتلاطم مشهديات الجور التركي والعبودية والفقر والمجاعة والزحف المصري الإنجليزي إلى السودان، ومنه التنصير، وهنا تبرز شخصية ثيودورا الإسكندرانية المولد اليونانية الأبوين، والراهبة التي تحضر إلى السودان مبشّرة. وتلتقي ثيودورا ببخيت الذي يتعلق بها، بينما كانت في البداية تؤثره ولكن كعبد، كما كانت تنظر إلى السود عبيداً، وهي البيضاء المسيحية، وهم المسلمون الكفار. لكن ثيودورا ستخص ببخيت بدفترها التي تسجل عليه يومياتها، وهذه تعلّة روائية أخرى للحفرية التاريخية.
بسقوط أم درمان تقع ثيودورا في الأسر، ويقسرها سيدها على أن تسلم، ويسميها حواء ولأنها ترفضه يأمر بختنها، وينتهي الأمر بقتلها. وسوف يكتشف بخيت من أوقعوا بها، فيبدأ بالانتقام منهم بعد خروجه من السجن. وهكذا جاءت (شوق الدرويش) موّراة بالحب والوجد الصوفي، وصبوة الحرية ووحشية المستعبدين للعبيد.

- «ثمن الملح» للبحريني البسام
شكّل سؤال الأديب البحريني ناصر مبارك الخيري لجريدة المقتطف المصرية عام 1910. العتبة الأولى لرواية خالد البسام (ثمن الملح – 2016) كما يلي: «ما قولكم في بيع الرقيق: أفضيلة هو أم رذيلة، فإن كان الأول فلماذا يصادره الغربيون، وإن كان الثاني، فلماذا لا يقول بتحريمه رجال الدين في الشرق؟ ويقول الغربيون إن على هذا الداء الإسلام والمسلمين، فهل هذا صحيح؟ وإن لم يكن كذلك فما سبب تأصله حتى صار يصعب قطع جرثومته من الشرق؟»
من هذه العتبة الوثائقية تمضي رواية (ثمن الملح) إلى وثيقة أخرى، فتنفتح بها على احتفال رأس السنة الأولى من القرن العشرين في مقر الحاكمية البريطانية في مدينة المنامة البحرينية. ثم تلي البرقية - الوثيقة التي تنقل تحرير البحرية البريطانية لثمانية عشر عبداً قرب مسقط على متن سفينة عمانية متجهة إلى دبي لبيعهم فيها. وقد فرّ العبيد، لكن أحد دلاّلي بيعهم عثر عليهم، ونقل إلى الكولونيل روبنستون أن من العبيد من يريد العودة إلى أسيادهم أو بيعهم مرة أخرى، فهم يرفضون الحرية. وستبين برقية - وثيقة أخرى أن معظم الرقيق المستوردين في مدينة صور العمانية، لهم رواج، وقد بيع الطفل منهم بمائة وعشرين دولاراً، وبيع العبد الذكر بمائة وخمسين، والفتاة بسعر يتراوح بين مائتين وثلاثمائة.
بعد هذه البرقيات تبدأ السردَ العبدة حنا من أسرة سيامي الحبشية، منذ بيع أبيها لها وهي ابنة الرابعة عشرة، وتروي حنّا من عبودية أبيها وخصاء الأمير له، وتعليق الخصيتين على باب المخصي بعد ولادة حنا التي تروي أيضاً من عبودية أمها الزنجية. وتأتي المشاهد المروعة من ميناء مصّوع العماني، حيث تحتشد السفن بالعبيد تحت حراسة مشددة من عبيد أشداء بانتظار الإبحار إلى جدة، ومنها إلى مكة والمدينة. ومن سوق العبيد تعصف مشاهد التجار والدلالين وشيوخ العشائر والجمهور، وخيام الكشف عن العبدات بعد بيعهن، وبيع العبد عارياً. والعبدة عارية.
كانت حنا من نصيب التاجر البحريني الفارسي الأصل محمد بن نصري الذي سمّاها (عبدة). وفي مقامها الجديد بين يدي عائشة زوجة التاجر، أحست عبدة أنها تولد من جديد وهي تحاول أن تتعلم اللغة والتقاليد العربية. وتظهر شخصيات العبدات الأخريات كالزنجبارية ميمونة والحبشية أم الخير. وتصف عبدة (حنا) المعاملة الوحشية العنصرية العبودية «لأننا ولدنا ببشرة سوداء (...) هذا هو ذنبنا وهذا هو عارنا».
تحدد الرواية هنا زمنها بسنة 1903. ويترهل السرد بالملخص الخاص بحياة التاجر محمد بن نصري. بيد أن السرد والشخصية المحورية سيتألقان كلما اتصل الأمر برقص عبدة وأول ذلك هو حفلة التاجر، حين شعرت كأن من حولهم هم العبيد لجسدها ورقصها وإثارتها، وليست هي العبدة.
تلك كانت «ليلة من الحرية» فرح بها العبيد والتجار والأمراء والإنجليز. وقد دفعت الليلة بعبدة إلى الجرأة فعوقبت بالسجن في القبو، حيث عالجت الوحشة والوحدة بالرقص في الظلام. ومن بعد، وفي التماعة كبرى أخرى في الرواية، تمضي عبدة إلى الكنيسة الأميركية في المنامة، وتشاهد الفرقة الموسيقية فينطلق السؤال: «لماذا هؤلاء العبيد سعداء بالمسيحية، ويعبرون عن تلك السعادة بالموسيقى؟ ولماذا نحن نشقى بعبوديتنا طوال الوقت؟». ويلوح السؤال: «هل الدين هو الذي يسعد أم لون البشر؟» وسيقول العبد العازف صموئيل لعبدة: «المسيحية الآن أعطتني الحرية ولا أريد أكثر من ذلك».
أخذ سؤال التخلص من العبودية يلهب عبدة: «أريد أن أصبح حرة». وفي سنة 1908 يساعدها بركات في تقديم طلب العتق إلى الحاكمية. وبعد حصولها على الورقة التي تمنحها العتق تلطمها موزة بما منح الرواية عنوانها: أنت يا ثمن الملح «هل تعرفين أنك لا تساوين حتى ذرة الملح؟ يا ثمن الملح الرخيص». ورغم أن عبدة التي ترفض تبديل اسمها، تحصل على حريتها، فإن العنصرية تلاحقها، فيتخلى بركات عنها لأن أهله يرفضون زواجه من سوداء: «يريدون من السود أن يكونوا خدماً لهم فقط وعبيداً تحت أقدامهم». وتختم عبدة الرواية بقولها: «لا زلت عبدة... لم تنفع الورقة ولا الحاكمية البريطانية في تغييري إلى حرة».
لا تخفي الوثائقية نفسها في هذه المدونة، لكنها تتفاوت في التسريد، كأن لا تخلو من الفجاجة في رواية «ثمن الملح» أو تبدع في التخفي كما في روايتي قنديل وزيادة. أما السؤال عن تركّز هذه الحفريات الروائية في العبودية - ومن ذلك أيضاً اشتباك العبودية بالعنصرية - فلعله في إقبال الرواية على العتمات التاريخية التي لم تكد تلتفت إليها بعد، ومنها تاريخ العبودية والعنصرية. وقد رأينا كيف كان القرن التاسع عشر. بخاصة موئل الروايات المعنية.



يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
TT

يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

قالت الممثلة المصرية يسرا اللوزي إنّ أكثر ما جذبها للمشاركة في فيلم «صقر وكناريا» هو اختلافه عن الأعمال التي قدَّمتها مؤخّراً، إلى جانب شخصية «ليلى» التي تراها «تحمل مزيجاً من الجانبين الإنساني والكوميدي». وأكدت أن السيناريو لفت انتباهها منذ القراءة الأولى، لكونه يعتمد على كوميديا المواقف، ويمنح كلّ شخصية مساحة واضحة داخل الأحداث.

وأضافت اللوزي، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أنّ شخصية «ليلى» تطلَّبت منها تحقيق توازن بين الأداء الكوميدي والصدق الإنساني، موضحةً: «هذا ما استمتعتُ بالعمل عليه خلال مرحلة التحضير، لحرصي دائماً على البحث عن شخصيات تُبعدني من دائرة التكرار، لأنّ التنوع في الأدوار هو ما يُحافظ على شغفي ويضيف إلى مسيرتي الفنية».

يسرا اللوزي في العرض الخاص لـ«صقر وكناريا» بالقاهرة (الشركة المنتجة)

وعدَّت الفنانة المصرية أفلام الأكشن من أصعب التجارب بالنسبة إلى أيّ ممثل، نظراً إلى ما تتطلّبه من استعداد بدني كبير وتركيز مستمر، فضلاً عن التدريبات التي تسبق تنفيذ المشاهد، مشيرةً إلى أنّ ظروف التصوير لم تكن سهلة، «خصوصاً مع ساعات العمل الطويلة وارتفاع درجات الحرارة، ممّا جعل تنفيذ بعض المشاهد أكثر إرهاقاً مما بدا على الشاشة».

وترى أن «حضور المرأة في أفلام الأكشن لا يزال أقل مما ينبغي، رغم امتلاك كثير من الممثلات القدرة على تقديم هذه النوعية من الأدوار بكفاءة»، مُعربةً عن أملها في أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في كتابة شخصيات نسائية فاعلة داخل أفلام الحركة، لكون الجمهور أصبح أكثر تقبّلاً لرؤية البطلات في أدوار تعتمد على القوّة والمغامرة.

وكشفت أنّ أصعب أيام التصوير كانت خلال تنفيذ مشهد داخل حظيرة للحيوانات، موضحةً أنّ «طبيعة المكان والروائح القوية جعلت التجربة مُرهِقة للجميع، بينما حاول فريق العمل التعامُل مع الموقف بروح مرحة، وكانت لحظات الضحك المتبادل تخفف من ضغط التصوير، وهو ما ساعدنا على تجاوز صعوبة اليوم وتحويله لاحقاً إلى ذكرى طريفة».

وقالت يسرا اللوزي إنّ «التعاون مع محمد إمام وشيكو كان من أكثر عناصر الفيلم متعةً، لأن كليهما يمتلك حسّاً كوميدياً حاضراً باستمرار، سواء خلال التصوير أو في الكواليس، وهو ما خلق أجواء مريحة بين فريق العمل، وانعكس بصورة طبيعية على المشاهد التي جمعتنا أمام الكاميرا».

يسرا اللوزي تطمح إلى تقديم أدوار متنوّعة (حسابها في «فيسبوك»)

وأضافت أنّ معرفتها بمحمد إمام تعود إلى سنوات الدراسة، إذ جمعتهما الجامعة نفسها، كما شاركا في ورشات تمثيل آنذاك، لكنّ المفارقة في أن «صقر وكناريا» يُمثّل أول تعاون سينمائي يجمعهما، وهو ما منح التجربة طابعاً خاصاً، في ظلّ معرفة سابقة سهلت الانسجام بينهما خلال العمل.

وعن التحضير لشخصيتها، أوضحت أنها ناقشت جميع التفاصيل مع المخرج حسين المنباوي قبل بدء التصوير، مؤكدةً أنها كانت حريصة على فهم دوافع الشخصية وطريقة تفكيرها. وتابعت: «الاتفاق بيننا كان قائماً على تقديم الدور بصورة طبيعية وبعيدة عن المبالغة، حتى تبدو الشخصية قريبة من الجمهور وقابلة للتصديق».

وتطرَّقت إلى المَشاهد التي جمعتها بالطفل الذي يُجسّد دور ابنها، مؤكدةً أنها كانت من أكثر المَشاهد حساسية على المستوى الإنساني، واعتمدت في أدائها على استحضار المشاعر الحقيقية المرتبطة بالأمومة، مع مناقشة كل مشهد مع المخرج للوصول إلى أكبر قدر من الصدق، لقناعتها بأنّ هذه التفاصيل هي التي تمنح المشهد تأثيره الحقيقي.

وقالت يسرا اللوزي إنها لا تزال من المؤمنين بالبطولة الجماعية، لكنها ترى أنّ هذا النموذج أصبح أكثر نضجاً خلال السنوات الأخيرة، لأنّ كل شخصية باتت تمتلك مساحة واضحة داخل الأحداث، ممّا يمنح العمل ثراءً أكبر، ويجعل نجاح الفيلم قائماً على تكامل جميع عناصره، وليس على وجود بطل واحد فقط.

«صقر وكناريا» يمزج بين الأكشن والكوميديا (الشركة المنتجة)

وأعربت عن سعادتها بتصدُّر «صقر وكناريا» الإيرادات منذ الأيام الأولى لعرضه، معدَّةً أن النجاح الجماهيري يمثّل أكبر مكافأة لفريق العمل بعد أشهر طويلة من التحضير والتصوير، «لأنّ تفاعل الجمهور مع الفيلم يمنح الفنان إحساساً بأنّ الجهد وصل إلى المشاهد، وهو أهم من أيّ أرقام أو مؤشرات أخرى»، وفق قولها.

وتابعت أنها تقرأ في الوقت الحالي أكثر من مشروع جديد في السينما والدراما، لكنها تُفضّل عدم التسرُّع في اتخاذ قراراتها، مؤكدة أنها تبحث دائماً عن الشخصيات التي تُقدّم لها إضافة حقيقية.

وأكدت يسرا اللوزي أنّ المسرح سيظل جزءاً مهماً من طموحها الفني، مشيرة إلى أنّ مشاركتها الأخيرة ضيفةً في أحد العروض أعادت إليها متعة الوقوف أمام الجمهور مباشرة، ولا تستبعد العودة إلى المسرح قريباً إذا وجدت نصاً قوياً ودوراً يستحقّ خوض التجربة.


الجحيم والأحلام يلتقيان في بيروت

هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
TT

الجحيم والأحلام يلتقيان في بيروت

هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)

تضع السينما الإنسان أمام تناقضه الأكبر. الكائن الذي يبتكر الموسيقى هو نفسه الذي يبتكر الحرب. واليد التي ترسم لوحة تستطيع أن تبني معسكراً أو تضغط زناداً. لم يأتِ الفنّ يوماً ليُبرّئ البشرية من عنفها. جاء ليحفظ الدليل على أنها كانت تعرف الجمال في اللحظة نفسها التي كانت تُتقن فيها صناعة الموت. بين هذا الإدراك الفادح الذي يقود المخرج السويسري الفرنسي جان لوك غودار في «موسيقانا» (2004)، والإيمان الذي يملأ «سينما براديسو» للمخرج الإيطالي جوزيبي تورناتوري (1988)، بأنّ الصورة قادرة على إنقاذ شيء من الإنسان، افتتحت «متروبوليس» برنامجها بمرور 20 عاماً على تأسيسها، مُحتفيةً بالسينما التي تحتفظ بالإنسان بما فيه من رهافة ووحشية.

السينما لا تمنحنا عالماً آخر... تمنح العالم عمقاً آخر (متروبوليس)

يفصل بين الفيلمَين أكثر من عقد ونصف العقد، ويفترقان في كلّ شيء تقريباً، إلا في إيمانهما بأنّ السينما ليست صناعة للصور. كلاهما ينطلق من لحظة مُغادرة الإنسان المشهد، تاركاً الصورة وحدها في مواجهته. عند تورناتوري، ترث السينما ما عاشه الإنسان؛ طفولته، وحبّه الأول، ودهشته، والقبلات التي حاولت السلطة حذفها من الشريط والذاكرة. وعند غودار، ترث ما اقترفه أيضاً؛ الحروب، والمدن المُحترقة، والجثث التي أصبحت جزءاً من الأرشيف البصري للبشرية. تتغيَّر وظيفة الشاشة من مكان يَعرض الحياة إلى مكان يحتفظ بما تتركه الحياة وراءها. فالسينما في الحالتَين الوريث الأخير للإنسان، تحفظ أجمل ما استطاع أن يخلقه، كما تحفظ أكثر ما يُدينه.

في «سينما براديسو»، يتأمّل تورناتوري الكيفية التي يتكوَّن بها الإنسان داخل الصور. سالفاتوري يدخل قاعة العرض قبل أن يعرف العالم أصلاً. يتعلّم الحب قبل أن يُحِبّ، يشهد الفَقْد قبل أن يخسره، ويتعرَّف إلى اتّساع الحياة من خلال مستطيل مُضاء في قرية لا تكاد ترى ما وراء حدودها.

تتحوَّل علاقته بعامل العرض ألفريدو إلى أكثر من صداقة بين طفل ورجل أكبر منه. أحدهما يُورّث الآخر مهنة، ويُورّثه معها طريقة في النظر. فكلّ بَكَرَة تدور تُضيف إلى الطفل احتمالاً جديداً للحياة، حتى يصبح الضوء الخارج من نافذة صغيرة أكثر تأثيراً في مصيره من الجغرافيا التي وُلد فيها.

لكنَّ تورناتوري لا يكتب مرثية رومانسية لزمن القاعات. فالفيلم يعرف أن الصورة التي تمنح الإنسان جناحَيْن، تنتزعه أيضاً من المكان الذي أنجب هذين الجناحَيْن. لذلك لا تُنقذ السينما سالفاتوري من الفَقْد، لكنّها تمنحه قدرة مختلفة على حَمْله. تجمع الشظايا وتُعيد إلى الإنسان ما انتُزع منه.

غودار يرى العالم كما ترى الصورة جرحها (متروبوليس)

ينتقل غودار في «موسيقانا» إلى منطقة أكثر وعورة. كان أحد أبرز وجوه الموجة الفرنسية الجديدة، ومن المُخرجين الذين غيَّروا علاقة السينما بالسرد والمونتاج والصورة. في مرحلته المتأخِّرة، تحرَّرت الصورة عنده من واجب الحكي وصارت تبحث عن معنى وجودها. يُقسِّم الفيلم إلى الجحيم والمَطْهر والفردوس، مستلهماً «الكوميديا الإلهية» لدانتي، لكنه يجعل هذه العوالم جزءاً من التاريخ الإنساني وليس من عالم ما بعد الموت.

يفتتح غودار «الجحيم» بصُور تتدافع كأنّ قروناً من العنف تَضيق داخل دقائق معدودة. مجازر وإبادات ومعسكرات موت ومدن تُمحى وجيوش لا تكفُّ عن كتابة التاريخ بالدم. تعبُر الموسيقى هذه المَشاهد من دون أن تنتشلها من مصيرها، فتظهر المُفارقة التي يبني عليها الفيلم رؤيته للعالم. التاريخ أثبت أنّ الإنسان قد يعزف مساءً ويقتل صباحاً، والثقافة لا تمنحه حصانة أخلاقية. كأنه احتاج إلى الموسيقى ليحتمل معرفته بما اقترفت يداه، وإلى الصورة ليظلَّ قادراً على مواجهة ما عجز عن مَنْعه. يتحوَّل «الجحيم» إلى سجلّ لعبقرية انقسمت على نفسها. العقل الذي عرف كيف ينسج انسجاماً بين النغمات، عرف أيضاً كيف يُهندس الإبادة. واليد التي ارتفعت يوماً فوق أوتار الكمان، عرفت الطريق نفسها إلى الزناد.

في «المَطْهر»، يتخلَّى غودار عن فيضان الصور ويمنح الكلمة دورها. فبعد أرشيف طويل من المجازر، تبدو الصورة وقد بلغت حدّها الأقصى. لقد رأت كلَّ شيء ولم تعُد قادرة على الإضافة. هنا، يدخل محمود درويش إلى الفيلم. حضوره يُغيّر اللغة التي يُنظر بها إلى الخراب. يتحوّل الحوار من سؤال عمّا جرى إلى سؤال عمّا تستطيع القصيدة أن تفعله بعدما يفرغ التاريخ من فعلته. بذلك، لا يعود الشِّعر يبحث عن الجمال، وإنما عن كلمة تمنع العالم من الاستقرار داخل رواية المُنتصر وحده.

كان محمود درويش يعرف أن المعركة الأخيرة تُخاض على المعنى (متروبوليس)

بين الفيلمَين، تنتقل السينما من اختراع الحياة إلى حَمْل التاريخ. ففي «سينما براديسو» تحفظ الشاشة أحلام البشر. وفي «موسيقانا» تحمل كوابيسهم أيضاً. تمنحهم مكاناً للهروب، ثم تُعيدهم إلى ما ينبغي ألّا يهربوا منه. تصنع ذاكرة فردية لطفل في صقلية، وتحفظ ذاكرة شعوب مهدَّدة بالمحو في فلسطين وسراييفو وسواهما.

تستعيد هذه الأفلام مجالها الطبيعي حين تُشاهد على شاشة كبيرة. يتّسع وجه الطفل، وتملأ آثار العنف مجال الرؤية، وترفع الموسيقى الصورة من مشهد إلى تجربة. على امتداد 20 عاماً، أسهمت «متروبوليس» في حماية هذا المعنى داخل بيروت. سينما منحت احتمالاً آخر لرؤية العالم، وربما احتمالاً أكثر إنسانية للإقامة فيه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


فيديو: كاميرات متجر مجوهرات تفضح حيلة غريبة لسرقة خاتم ألماس ثمين

لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
TT

فيديو: كاميرات متجر مجوهرات تفضح حيلة غريبة لسرقة خاتم ألماس ثمين

لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
لقطة من فيديو كاميرات المراقبة

في واقعة غير مألوفة داخل أحد أشهر أحياء المجوهرات في لندن، كشفت كاميرات المراقبة محاولة سرقة غريبة، بعدما أظهرت رجلاً وهو يبتلع خاتم خطوبة مرصّعاً بالألماس تبلغ قيمته نحو 35 ألف جنيه إسترليني (47 ألف دولار)، في منطقة هاتون غاردن. وفقاً لصحيفة «مترو».

وقال العاملون في المتجر إنهم فوجئوا باختفاء أحد ثلاثة خواتم خطوبة كانوا يعرضونها على الزبون، من دون أن يلاحظوا لحظة اختفائه. وبعد مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، اكتشفوا أن الرجل التقط الخاتم بسرعة ووضعه في فمه، قبل أن يُعتقد أنه ابتلعه.

وأوضح جنايد حسن، البالغ من العمر 28 عاماً، والذي يدير المتجر العائلي، أن الحادثة كانت صادمة، قائلاً: «كان الأمر جنونياً للغاية. ما زلت لا أصدق أنه حدث فعلاً. أنت لا تعرف أبداً من هو الشخص الذي يجلس أمامك».

وأضاف أن المتجر، الذي تعمل فيه ثلاثة أجيال من العائلة منذ أكثر من 30 عاماً، لم يشهد من قبل محاولة سرقة بهذه الطريقة، مشيراً إلى أن اكتشاف الواقعة جاء بفضل كاميرات المراقبة التي حالت دون ضياع الخاتم.

وحسب العاملين، بدا الرجل هادئاً وطبيعياً أثناء وجوده في المتجر، بل إنه طلب كوباً من الماء؛ ما أثار شكوك الموظفين الذين رفضوا طلبه. وعندما واجهوه باختفاء الخاتم، بدأ بالصراخ وطالب بتفتيش جيوبه، قبل أن يعيد الخاتم بعدما وضع أصابعه في حلقه.

وقال سيد حسين، والد جنايد، الذي تعامل مع الرجل يوم الحادثة في يونيو (حزيران) 2025، إن الزبون أمضى نحو ساعتين في مشاهدة مجموعة من الخواتم قبل أن يحاول المغادرة بحجة أنه سيعود في اليوم التالي.

ويحتوي الخاتم على ألماسة كبيرة مقطوعة بأسلوب «الأميرة» (Princess Cut)، إضافة إلى ألماسات صغيرة مثبتة على إطار من البلاتين.

وأثارت الواقعة قلق أصحاب محال المجوهرات في هاتون غاردن، حيث بدأت المتاجر في مراجعة إجراءات الأمن وتحديث أنظمة المراقبة، مؤكدين أن أساليب السرقة أصبحت أكثر ابتكاراً، وأن الحذر والتعاون بين أصحاب المحال باتا أمراً ضرورياً.

وقال جنايد إنه نشر مقطع الفيديو لاحقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف التوعية، مضيفاً: «لم أتوقع أن ينتشر بهذا الشكل. أردنا فقط أن نوضح أن مثل هذه الأمور يمكن أن تحدث، وأن الأمن والمراقبة أمران لا غنى عنهما».