جرائم الطعن والطرود المشبوهة تطغى على اهتمامات لندن قبل أسابيع من «بريكست»

الاتحاد الأوروبي نفى التوصل إلى حل في المفاوضات

جانب من نقاش البرلمان البريطاني حول تداعيات «بريكست» في لندن أمس (أ.ف.ب)
جانب من نقاش البرلمان البريطاني حول تداعيات «بريكست» في لندن أمس (أ.ف.ب)
TT

جرائم الطعن والطرود المشبوهة تطغى على اهتمامات لندن قبل أسابيع من «بريكست»

جانب من نقاش البرلمان البريطاني حول تداعيات «بريكست» في لندن أمس (أ.ف.ب)
جانب من نقاش البرلمان البريطاني حول تداعيات «بريكست» في لندن أمس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يقترب فيه موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون إحراز الطرفين تقدماً في المفاوضات، تواجه لندن تهديدين أمنيين يهيمنان على حديث الشارع منذ أيام. الأول يتعلق بارتفاع جرائم الطعن في شوارع العاصمة، خصوصاً ضمن أوساط المراهقين، وهي ظاهرة أودت بحياة 24 شخصاً على الأقل منذ بداية السنة. أما الثاني، فيرتبط بإرسال جهة غير معروفة طروداً مفخخة استهدفت، أول من أمس، مطارَيْن ومحطة قطارات في لندن، وجامعة غلاسكو، يوم أمس.
وفيما يبقى التطور الثاني محصوراً في عدد من الحوادث سيطرت عليها قوات الأمن البريطاني قبل أن تلحق أي ضرر يُذكر، تواصل ظاهرة الطعن بالسلاح الأبيض ترهيب الشباب في لندن ومانشستر وغيرها من المدن. وتصدرت هذه المشكلة الأجندة السياسية، بعدما أظهرت الإحصاءات وصول الوفيات جراء حوادث الطعن إلى رقم قياسي العام الماضي. وارتفع عدد الضحايا في عمر 16 عاماً، ودون ذلك، في إنجلترا بمعدل 93 في المائة بين عامي 2016 و2018. فيما جرى تقليص عدد أفراد الشرطة البريطانية ومخصصاتها بمعدل كبير، بموجب إجراءات تقشفية فرضتها حكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي.
وأكد مكتب رئاسة الوزراء، أمس، عقد ماي «قمة» لمواجهة تفشِّي هذه الظاهرة، والتحقيق في أسباب انتشارها. كما طالبت شرطة لندن الحكومة بتعزيز مواردها، وقالت كريسيدا ديك رئيسة جهاز الشرطة في لندن إن هناك رابطاً بارزاً بين «ارتفاع الجرائم العنيفة، وتدني أعداد الشرطة المنتشرين في شوارع البلاد».
أما وزير الداخلية البريطاني ساجد جافيد، فقال إنه ينبغي التعامل مع جرائم السلاح الأبيض كـ«آفة». وأضاف أمام البرلمان «لا سبيل لإنكار وجود هذه المشكلة... العنف الشديد يتزايد، والمجتمعات تتمزق أوصالها والأسر تفقد أطفالها».
وتقول الشرطة إن زيادة الجريمة باستخدام السكاكين في بلد يصعب فيه الحصول على سلاح ناري سببها عدد من العوامل، منها التنافس بين عصابات المخدرات، وتقليص الخدمات المقدمة للشباب والاستفزازات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
في غضون ذلك، وفيما يتعلق بـ«بريكست»، أعلن الاتحاد الأوروبي، أمس، أنه «لم يتم التوصل لحل» حتى الآن بعد المحادثات «الصعبة» مع بريطانيا، قبل أسابيع من موعد خروجها من الاتحاد في 29 مارس (آذار). وكشف كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي في ملف «بريكست»، ميشال بارنييه، ذلك بعد لقاء مع نظرائه البريطانيين في وقت متأخر من الثلاثاء، وسط جهود للتوصل إلى اتفاق خروج يوافق عليه البرلمان البريطاني.
وقال المتحدث مرغريتيس سكيناس، في مؤتمر صحافي، إن بارنييه أبلغ المفوضية الأوروبية الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، بأن المحادثات «كانت صعبة»، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وأبلغ بارنييه أعضاء المفوضية بأنه «لم يتم التوصل إلى أي حل في هذه المرحلة يكون متماشياً مع اتفاق الانسحاب» الذي توصل إليه الاتحاد الأوروبي مع رئيسة الحكومة البريطانية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وأكد بارنييه أنه رغم ذلك، جرت المحادثات في «جوّ بنّاء». وجاءت تصريحاته غداة إجرائه جولة محادثات مع النائب العام البريطاني جيفري كوكس، ووزير «بريكست» ستيفن باركلي.
وتوصلت رئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى اتفاق للخروج من الاتحاد في نوفمبر، إلا أن البرلمان البريطاني رفضه في يناير (كانون الثاني). وقبل المحادثات التي استمرّت أربع ساعات، صدرت عن الجانبين مؤشرات إيجابية، ما أحيا الآمال بإمكان حدوث تقدم. إلا أن بارنييه أكد أن الجانبين لم يحسما بعد مسألة «شبكة الأمان» الهادفة لإبقاء الحدود مفتوحة بين آيرلندا العضو في الاتحاد، ومقاطعة آيرلندا الشمالية البريطانية.
ويرى الاتحاد الأوروبي أن هذا الإجراء ضروري للحفاظ على عملية السلام في آيرلندا الشمالية، لكن لندن تخشى أن يؤدي ذلك إلى ربط بريطانيا بشكل نهائي بالاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي. وقال كوكس، أكبر محامي الحكومة البريطانية، إنه قدم «مقترحات منطقية جداً» خلال محادثات بروكسل.
وصرح لشبكة «سكاي نيوز» التلفزيونية من بروكسل أن «الجانبين تبادلا آراء قوية، وحالياً نواجه المحادثات الحقيقية. ستستأنف المحادثات قريباً». وأضاف: «إنها مفاوضات حساسة جداً، وصلنا الآن إلى صلب الأمور». لكنه قال إنه لن يكشف مضمون المحادثات، لأنها «خاصة وسرية».
ويعتبر حضور كوكس المحادثات مهمّاً، لأنه سيقدم في النهاية رأيه القانوني بشأن اتفاق «بريكست» و«شبكة الأمان» التي ستحدد ما إذا كان البرلمان البريطاني سيوافق على الاتفاق. واعتبر تحذير كوكس في السابق من أن «شبكة الأمان» قد تصبح دائمة، عاملا مهماً في عدم موافقة البرلمان على «اتفاق بريكست».
أكد بارنييه مجدداً، أمس (الأربعاء)، أنه لن تتم إعادة التفاوض حول اتفاق الانسحاب الملزم. ويقول الاتحاد الأوروبي إن «محادثات بروكسل تركز على صياغة وثيقة منفصلة لإرضاء المتشككين في لندن».
وما يثير الآمال كذلك هو تليين كثير من أنصار الخروج الصعب من الاتحاد الأوروبي في حزب المحافظين مواقفهم، بحيث تخلوا عن مطلبهم بأن يتم إدخال تغييرات على «شبكة الأمان» في معاهدة الخروج نفسها. لكن معظمهم يواصل ممارسة الضغوط لتحديد موعد لإنهاء العمل بـ«شبكة الأمان». كما شكّلوا فريقهم الخاص من المحامين للتدقيق في أي وثائق قد يعود بها كوكس من بروكسل.
وعام 2017، فعّلت بريطانيا المادة 50 من قانون الاتحاد الأوروبي لتبدأ عداً عكسياً لعامين للخروج من الاتحاد الساعة 11 مساء 29 مارس.
ويسعى الطرفان إلى تجنب الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وهو ما يمكن أن يشيع فوضى في الأسواق المالية مع فوضى على الحدود. وقد خفضت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، أمس، توقعاتها لنسبة النمو في بريطانيا إلى 0.8 في المائة، مقابل 1.4 في المائة من قبل. لكن هذه النسبة لا تشمل آثار خروج بريطانيا من الاتحاد بلا اتفاق، وهو احتمال يتزايد مع اقتراب موعد «بريكست». وأكدت المنظمة: «إذا انفصلت المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، فإن الآفاق ستكون أقل بكثير» لبريطانيا التي سيخسر إجمالي ناتجها الداخلي 2 في المائة في السنتين المقبلتين مع تطبيق الرسوم الجمركية لمنظمة التجارة العالمية.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».