البشير.. هل يطيح بإخوان السودان؟

مقربون منه تحدثوا بقوة عن تغيير شامل في السلطة.. والبعض يرونها مناورة جديدة لكسب الوقت

البشير.. هل يطيح بإخوان السودان؟
TT

البشير.. هل يطيح بإخوان السودان؟

البشير.. هل يطيح بإخوان السودان؟

يبدو أن عدوى ما حدث لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، تتجه جنوبا، لتحرك المياه الراكدة، تحت أقدام نظرائهم في السودان.
ما يحدث في الخرطوم هذه المرة ليس تحركا شعبيا أو انتفاضة اعتاد السودانيون القيام بها لاقتلاع الحكم العسكري، كما حدث في انتفاضة 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1964، التي أطاحت الرئيس الجنرال إبراهيم عبود، أو تلك التي وقعت في 6 أبريل (نيسان) 1985، وأطاحت المشير جعفر النميري، ولكن التحرك هذه المرة يبدو أنه سيكون من داخل القصر.

الرئيس عمر البشير، على ما يبدو، قد «سئم» من جماعة الإخوان الذين يشاطرونه السلطة، فقد عمد في الآونة الأخيرة إلى إصدار عدة قرارات، ويتوقع أن يصدر أخرى، للحد من سطوة التيار الإسلامي السياسي، أهمها تعيين هيئة أركان جديدة للجيش من المحترفين ذوي الثقة وتخلو تماما من الإسلاميين، وفي الوقت ذاته، أقر البرلمان قانونا جديدا للجيش، أثار لغطا كبيرا، لأنه أجاز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وهو ما يقول محللون إنه يستهدف الميليشيات والتنظيمات شبه النظامية التي تخص جماعة الإخوان، وليس غيرهم، كما قد يتبادر إلى الذهن من أول وهلة.

كما أن الرئيس يعكف على إحداث تغيير جوهري مهم داخل التركيبة الحكومية، يقول مقربون منه إنه قد يتضمن إبعاد معظم قادة الإسلاميين، وعلى رأسهم نائبه الأول علي عثمان محمد طه، وفي الوقت ذاته يدور على نطاق واسع أن تنسيقا يتم بهدوء، مع أكبر حزبين معارضين، هما حزبا «الأمة» بقيادة الصادق المهدي، «والاتحادي الديمقراطي» بقيادة محمد عثمان الميرغني، لتقاسم السلطة، وفي حال الوصول إلى هذه النقطة، فستكون نهاية حتمية لحكم «الإخوان» في السودان.

* رياح الغضب

* بدأ صفير الريح المناوئة للإسلاميين يُسمع بشكل متواصل في العاصمة السودانية الخرطوم، التي تربع على حكمها «الإخوان» منذ قرابة ربع قرن، بانقلاب عسكري على نظام ديمقراطي، وأقاموا أول تجربة «تمكين» في تاريخ حركة الإخوان المسلمين، بيد أنهم اصطرعوا فيما بينهم منذ عام 1999، حينما قامت المجموعة الحاكمة حاليا بإبعاد عرّاب الانقلاب الدكتور حسن الترابي، فتمكنت مجموعة منهم، وتضعضعت الأخرى.

الآن الكل يتحدث عن «اعتكاف الرئيس» على معالجة مشكلات السودان جذريا، وينظر الناس لهذا الاعتكاف باعتباره الموجة المناوئة للتمكين، وبداية تساقط «أحجار الدومينو» لتيار الإسلام السياسي، وأنه (أي الرئيس) ربما يتخلص من حلفاء الأمس، متأسيا بأفول شمس مدهم، ومتقويا بما فعل رفيقه سلفا كير ميارديت رئيس جنوب السودان، الذي أقال الحكومة ونائبه، وحاسب أمين حزبه دفعة واحدة.

يختلف المحللون حول ما يمكن أن يخرج به البشير، معظمهم يعتقد أن دولة «المؤتمر الوطني» دالت، وأنه في سبيله للتخلي عن هؤلاء الحلفاء، وينتظر اللحظة المواتية فقط، لكن نظرا للتعقيدات التي قد تواجه حكمه، حال تخليه عنهم، ربما لا يقلب الطاولة دفعة واحدة.

فمن يقولون إن الأوان حان لهم أسبابهم، والذين يقولون إن الوقت لا يزال باكرا لهم أسبابهم أيضا، لكن الجميع يتفقون على أن «مخاطر الطريق»، هي ما يمكن أن تخرج الرئيس من اعتكافه بتعديل وزاري، تذهب بموجبه وجوه وتظهر وجوه جديدة للترضية، مراعاة للمزاج العام الذي يطالب بالتغيير داخل الحزب الحاكم! ولأن الأشياء في هذا البلد لم تعد تحتمل أكثر، فإن التغيير أصبح لا مناص منه، ولم تعد التعديلات الوزارية والتنقلات المعتادة تجدي، لا سيما أن أزمة النظام استحكمت، مما جعل الحديث الذي بدأ همسا ثم تحول إلى جهر، عن ضرورة «التغيير»، يكثر.

* طريقة الرئيس

* المعلن الآن هو شروع الرئيس في إعلان «حكومة جديدة»، وتخشى رؤوس كبيرة ظلت تحكم منذ أكثر من ربع قرن، أن يطاح بها في الحكومة المرتقبة، لكن تفاصيل ما قد يحدث لا يعرفها إلا الرئيس وحده، ونفر قليل من معاونيه، ولأن الغموض يلف العملية، فإن بعض رجال الحزب الحاكم ونسائه، يحاولون الظهور بمظهر «العارف»، في الوقت الذي لا يتوقع فيه أن يكون للحزب دور في التغيير المرتقب.

وعلى الرغم من خروج نائبة رئيس البرلمان سامية محمد أحمد على الناس بتصريحات في شهر رمضان، تقول إن هناك تعديلات مقترحة على طاولة الرئيس، وعضد حديثها رئيس لجنة الأمن بالبرلمان محمد الحسن الأمين، وكلاهما نافذ في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، فإن الكاتب والمحلل الصحافي محمد لطيف، الذي تجمعه بالرئيس البشير صلة مصاهرة، والذي يعد مقربا من «بيت الأسرار» كتب في صحيفة «الخرطوم» 21 يوليو (تموز) الماضي، مقالا سماه «التغيير على طريقة الرئيس»، فحواه أن الرئيس غيّر تكتيكاته، فبعد أن أعلن أنه لن يترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة عام 2015، قرر أن يكون «آخر المغادرين»، يقول لطيف: «إن التغيير المقبل، الذي تروج له المدينة هو تغيير يقوده الرئيس نفسه، سنذكر فقط بواقعة أن الرئيس قد شغل الخرطوم بأمر تنحيته ردحا من الزمان، فصاغ البعض سيناريو التغيير بأن يبدأ بمغادرة الرئيس، ولكن يبدو أن تعديلا طفيفا قد جرى على ذلك السيناريو، بأن يكون الرئيس آخر المغادرين لا أولهم، ومنطق بسيط، إن شئت التأمل، يحكم هذا التعديل الطفيف في شكله والجذري في مضمونه، فالرئيس الذي يعد مسؤولا عن نيف وعشرين عاما من المشهد السياسي في السودان، ينتابه إحساس كذلك بأنه مسؤول عن السنين المقبلة، لا بالوجود، ولكن بالترتيب».

انتهى كلام محمد لطيف، وفيه ما يشير إلى أن رؤوسا كثيرة قد يطاح بها قبل ذلك التاريخ.

وفي الوقت ذاته، قال مصدر بالقصر الرئاسي لـ«الشرق الأوسط»، تعليقا على التصريحات المتضاربة الصادرة عن مسؤولين حكوميين بشأن التغيير المرتقب: «هم لا يعرفون شيئا؛ يعبرون عن أمانيهم فقط، لا أحد يعرف عن التغيير المرتقب سوى الرئيس، وشخصين إلى ثلاثة في القصر الرئاسي»، وذكر المصدر اسم وزير الرئاسة بكري حسن صالح بين الحلقة التي يشاورها الرئيس البشير فيما يريد أن يفعل، لكن العبارة المهمة التي وقف المصدر عندها أن النائب الأول علي عثمان محمد طه ليس في تلك الحلقة الضيقة، وفي هذا الكلام ما فيه، لأن الرجل ظل داخل مطبخ صناعة القرار منذ الانقلاب، ولم يخرج منه البتة.

ولأن لعلي عثمان طريقته الخاصة جدا في التعامل مع الأحداث، لم يسكت الرجل، فحين احتدمت التكهنات خرج على الناس بقوله: «إن رئيس الجمهورية يعكف بنفسه على إعداد رؤية شاملة وفاعلة للوصول إلى حلول جذرية لمشكلات السودان»، ليؤكد ما ذهب إليه محمد لطيف في أن الرئيس يعد طبخته لوحده، ويدخل نفسه في زمرة أصحاب «الأماني السندسية».

* ندم رئاسي

* لعل الرئيس عمر البشير نفسه ناء بما يحمل؛ ففي اعتراف نادر أثناء حفل إفطار رمضاني نظمته السلطة الإقليمية لدارفور، قال إن حكمه شهد ظلما خيم على البلاد، وتسبب في الجفاف، وفي تأخر نزول الأمطار، وبدا «نادما» للمرة الأولى منذ أن حكم البلاد، وزاد: «نحن فرطنا في سماحة أهل دارفور، وسماحة الأعراف، ودماء بعضنا البعض»!

* تحالفات جديدة

* اعتراف الرئيس «المفاجئ»، وتصريحات النائب الأول، وهو المعروف عنه «الصمت»، وأقوال مسؤولين كثر بشأن التعديلات الوزارية المرتقبة، تجعل كلا الاحتمالين ممكنا، إما تغيير كامل، أو مناورة لكسب الزمن تعطي الطاقم الحاكم عمرا إضافيا. وينظر المراقبون لهذه الاحتمالات وفقا لرؤيتين متشائمة وأخرى متفائلة، يقول المتشائمون: «لن يحدث جديد، سينقل الرئيس بعض معاونيه، ويعطي وجوها محدودة استراحة محارب، لأن هذا كان ديدنه منذ ربع قرن، فما الذي جد؟»، بينما يقول المتفائلون: «الخرطوم لم تنشغل من قبل بتعديل وزاري هذا الانشغال، ولم تنتظره بهذا القلق، وتخبّط من كانوا في وقت سابق يملكون القول الفصل يعني أن ثمة جديدا»! يقول الكاتب أبو ذر علي الأمين، وهو أحد الممنوعين عن الكتابة بأوامر أمنية، إن حزب المؤتمر الوطني يبدو أنه سيودع الساحة السياسية كحزب «سلطة»، وسيتم إحلاله مرحليا بالعسكر، وستملأ الفراغ تحالفات جديدة، مرجحا أن يكون نصيب حزب الأمة بقيادة المهدي فيها هو الأكبر، وأن يقسم معه «الكيكة» الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني.

ويرى الأمين أن الصراع على خلافة الرئيس البشير احتدم بما يهدد ببروز مرشح رئاسي غيره، مما يجعل من السيطرة على الحركة الإسلامية، وتمييعها، أو حتى حل حزب المؤتمر الوطني واردا كإجراء وقائي، ويشير إلى ما سماه الضغط الكبير الذي تمارسه المجموعة التابعة للمؤتمر الوطني التي تطلق على نفسها اسم «سائحون»، وإلى الضغط الآخر الذي تقوده بجرأة أكبر مجموعة المحاولة الانقلابية بقيادة قائد الحرس الجمهوري الأسبق محمد إبراهيم عبد الجليل (ود إبراهيم). ويعتقد الأمين أن ضغوط هذه المجموعات تدفع الرئيس ليقود بنفسه الترتيب لانتخابه المقبل رئيسا لدورة أخرى، يكمل بها العقد الثالث بلا منازع.

* الانتقال السلس أو الطوفان

* قال الناشط السياسي عبد الله آدم خاطر في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تشهده البلاد من حراك يقترح ثلاثة سيناريوهات من أجل التغيير، أولها تكوين حكومة انتقالية وفقا لترتيبات دستورية جديدة، وهذا سيناريو يقترحه التحالف المعارض، والسيناريو الأكثر مأساوية يتمثل في تدخل القوى الدولية عبر الأمم المتحدة والدول التي لها مصالح في السودان والمنطقة، وثالث السيناريوهات يتمثل في استعادة الطاقم الحاكم لوعيه، بما يجعله يشرع في تغيير مناهجه وسياساته، وتغيير الوجوه الحاكمة بما يتفق مع التطور الدستوري المرغوب. ويضيف خاطر أن الرئيس البشير ومؤسسة الرئاسة، مستعينا بمن يدركون حجم المخاطر التي تتهدد البلاد من طاقمه الحاكم، عليهم الوصول لتسوية سياسية رشيدة، لأن الأوضاع السائلة التي يعيشها السودان تهدد بتفتته، والانتقال السلس للسلطة هو الخيار الأمثل.

* انقلاب على الحزب

* يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين البروفسور حسن علي الساعوري: «لو اكتفت الحكومة بإبعاد الوزراء ضعيفي الأداء، ستكون المحصلة صفرية، لأن التغيير المنشود يستلزم تغيير السياسات والأشخاص، ويستلزم إعادة تأسيس البناء الهيكلي للحكومة»، ثم يضيف: «لكن لا أحد يتحدث عن تغيير سياسات وتغيير هيكلي، وكل ما يدور يتعلق بتغيير أشخاص، على الرغم من الأزمة الداخلية التي يعيشها النظام».

ويؤكد الساعوري، وهو من الأكاديميين الإسلاميين وترأس جامعة النيلين، أن النظام الحاكم يعيش أزمة داخلية، وتعيش معارضته أزمتها الناتجة عن ضعفها، وأن أي تغيير لا يستوعب هذه الحقيقة الموضوعية لا معنى له.

ويستطرد: «ظل الطاقم الحاكم في الحكم 24 عاما، وبالتالي يكون قد قدم كل ما عنده، ولا يتوقع منه جديد، وزادت الأزمات وهو حاكم وساعد وجوده على تفاقمها»، ويدعو لذهابهم جميعا، بحكم «الإجهاد» الذي أصابهم من الجلوس على كراسي الحكم لوقت طويل.

ويشترط الساعوري حدوث توافق بين الحكومة والمعارضة المدنية والمعارضة المسلحة، والوصول إلى صيغة سياسية تجمع هذه الأطراف، ويضيف: «لا السلاح استطاع معالجة الأزمة، ولا المعارضة المسلحة استطاعت حلها، ولا القوى السياسية المعارضة تستطيع بسبب ضعفها».

ويستدرك الساعوري: «لكن لأن المعارضة المسلحة غير مستعدة للتفاوض، فإن وجود فريق جديد يستطيع استخدام القوة المسلحة بالجدية الكافية لإجبار الحركات المسلحة على التفاوض مهم جدا، فالحكومة الحالية لم تكن جادة في استخدام القوة».

وفنيا، يشير الساعوري إلى ما سماه غرابة الاحتفالات التي نظمت للمشاركين في المحاولة الانقلابية (العميد محمد إبراهيم، رئيس جهاز الأمن صلاح قوش، ورفاقهما)، مما جعلهم يبدون منتصرين، ويضيف: «تكتمل الغرابة حين يتردد أن أسماءهم مدرجة ضمن التشكيلة الجديدة، كأن دعوتهم التصحيحية مخطط لها أن تكون ضمن هذه الصيغة».

ولا يستبعد الساعوري حدوث مفاصلة ثانية بين العسكريين والحزب، بل ويستحسنها، لأنها ستكون تغييرا بلا إراقة دماء، كاشفا عن «اتصالات وأحاديث» بين الرئيس والإصلاحيين داخل الحزب بشأن هذا التغيير، بيد أنه توقع مقاومة من أطلق عليهم «الحرس القديم» لخيار التغيير، وأن يرفضوا الذهاب «هكذا»، فما الذي يمنع البعض من المطالبة بإقامة «محاكمات»؟! ويرى الساعوري أن للتغيير الذي حدث في جنوب السودان، من إقالة الحكومة وإعفاء نائب الرئيس، علاقة مباشرة بما يحدث أو قد يحدث في السودان، ويقول: «واضح أن الرئيس سلفا كير يرغب في التعاون مع السودان، لكن السلطة لم تكن بيده، بل كانت بيد الحزب والجيش، وكان لزاما عليه للتعاون مع السودان التخلص من نفوذ من لديهم صفقة مع المعارضة في الشمال، والتحدي الذي يواجه الرئيس سلفا كير هو مقدرته على المضي قدما في تنفيذ قراره»، ولم يستبعد الأكاديمي الإسلامي احتمال أن يكون السودان لعب دورا ما فيما حدث بالجنوب بحثا عن مصالحه.

* صراع المصادر والمعلومات

* وكتب إسحاق أحمد فضل الله القريب من دوائر المعلومات وصنع القرار في النظام الحاكم: «ما بين البشير وحتى آخر من يشغل منصبا دستوريا يذهب بعد أيام»، وهي إشارة قوية لاحتمال إبعاد النائب الأول للرئيس علي عثمان محمد طه، وعلى غير عادته في الكتابة تلميحا، قال فضل الله صراحة إن وزراء المالية والعدل والزراعة والتعليم العالي والخارجية سيخرجون قريبا، وإن الهجوم المضاد للخارجين «يبدأ»، دون أن يمس الصحيفة التي كتب فيها مقالة سوء، ودون أن تتحرك أيدي النائب الأول، فتسدل عليها الستار.وفي الوقت الذي قطع فيه فضل الله بخروج «تلك الأسماء»، فإن صحف الخرطوم نقلت ما سمته «تسريبات» عن التشكيل الوزاري المرتقب، ولم تخرج تكهنات تلك الصحف، أو ربما أماني ناشريها، عن أن التغيير المقبل «روتيني».

ونقلت صحيفة «آخر لحظة»، وهي مملوكة لقيادي بالحزب الحاكم، أن هناك اتجاها لإسناد منصب النائب الأول للرئيس لوزير شؤون الرئاسة الحالي الفريق أول ركن بكري حسن صالح، وانتقال وزير الخارجية الحالي علي كرتي لرئاسة جهاز الأمن والمخابرات، وانتقال مدير جهاز الأمن الحالي محمد عطا المولى لوزارة الداخلية، وأيلولة وزارة الزراعة لوزير الري الحالي أسامة عبد الله، وانتقال وزارة المالية لمدير بنك السودان السابق صابر محمد الحسن، وإيكال وزارة الخارجية لمسؤول العلاقات الخارجية في الحزب إبراهيم غندور، وإعفاء النائب الأول علي عثمان محمد طه، ونقله لرئاسة البرلمان.

* ضربة المعلم

* وعلى الرغم من المسافة بين تكهنات الصحافة وما يقوله نافذون في الحكم، تتداول مجالس الخرطوم علنا، وتتفق على أن الرئيس يعمل على «قلب الطاولة» على الحرس القديم، لكنها تختلف في كيفية إخراجه بين التغيير المشابه لما حدث في جنوب السودان «ضربة معلم»، وحدوثه تدريجيا، وتلاقى تكهنات ذهاب طه للبرلمان وهو في آخر دورته بفكرة «التدرج».

فهناك من يرى أن التعديل الذي أجراه الرئيس البشير على هيئة قيادة الجيش، وخلو الهيئة من العسكريين الإسلاميين، واحتلال المحترفين لمواقع القيادة لأول مرة منذ الانقلاب في 1989م، والإبقاء على وزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين، على الرغم من الحملة التي شنت ضده من قبل برلمانيين وحزبيين مطالبة بعزله باعتباره مسؤولا عن احتلال قوات الجبهة الثورية لمنطقة «أبو كرشولا»، ودخولها مناطق «أم روابة والله كريم والسميح» بولاية شمال كردفان، وصياغة قانون جديد للجيش يمكن من محاكمة المدنيين في محاكمات عسكرية، يحتمل أن يكون صيغ لمحاكمة رجال ميليشيات الحكم شبه النظامية، حال أبدت مقاومة، وهناك من يرى في ذلك تمهيدا لأن يخرج الرئيس البشير من «اعتكافه» على الناس بمشروع يعالج كل مشكلات السودان دفعة واحدة، وما يستبطن إبعاد الإسلاميين.

* أحداث الإقليم

* يرجح محللون أن تسهم ظروف الإقليم، خاصة إخراج الإسلاميين من الحكم في مصر (ربما ينتظر البشير نتائج التفاعلات المصرية قبل إصدار قراره)، والجرأة التي حل بها رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت حكومته، وأبعد منافسيه في الحزب بضربة واحدة، في مساعدة البشير على إنجاز مهمته، بيد أن أبو ذر الأمين يقول: «الرئيس قد يتراجع في آخر مرحلة عن ما انتواه، بسبب الخطر المحتمل الذي قد يترتب على المقاومة المتوقعة من الحرس القديم ضد محاولات إقصائه، على الرغم من أن قانون الجيش قد أعد لمواجهة مثل هذه المقاومة».

تلك هي الحكاية التي بدأت في السودان، الكل ينتظر، واليد على موقع النبض، فهل يفعلها البشير بعد ربع قرن من الحكم المتواصل، أم أن «حليمة» ستظل على قديمها، هذا سؤال المليون الذي انتظره السودانيين طويلا..!



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.