الحلقة الثالثة: صدام قال للوفد البريطاني: رجال الدين الإيرانيون متعطشون للسلطة

طارق عزيز أكد أن العراق أنقذ المنطقة من التطرف وحمى المصالح الغربية

صورة أرشيفية لصدام حسين مع مرافقيه لدى تفقده إحدى قطعات الجيش أثناء الحرب العراقية ــ الايرانية
صورة أرشيفية لصدام حسين مع مرافقيه لدى تفقده إحدى قطعات الجيش أثناء الحرب العراقية ــ الايرانية
TT

الحلقة الثالثة: صدام قال للوفد البريطاني: رجال الدين الإيرانيون متعطشون للسلطة

صورة أرشيفية لصدام حسين مع مرافقيه لدى تفقده إحدى قطعات الجيش أثناء الحرب العراقية ــ الايرانية
صورة أرشيفية لصدام حسين مع مرافقيه لدى تفقده إحدى قطعات الجيش أثناء الحرب العراقية ــ الايرانية

في هذه الحلقة من الوثائق البريطانية لعام 1984 التي افرج عنها بعد30 عاما من السرية تتناول «الشرق الأوسط» لقاءات البريطانيين مع بعض المسؤولين العرب، السياسيين والعسكريين، أمثال الملك حسين وولي عهده الأمير حسين واللواء زيد بن شاكر والرئيس العراقي صدام حسين ووزير خارجيته طارق عزيز وغيرهم. وتمحورت المحادثات حول الحرب الدائرة بين العراق وإيران، أي بعد نحو أربع سنوات من اندلاعها. بريطانيا كانت متخوفة من تدهور الأمور عسكريا وتأثر إمدادات البترول. بعض الوثائق يلقي الضوء على الموقف العراقي الذي أصبح أكثر ميولا إلى التوصل إلى هدنة مع إيران وإنهاء الحرب، خصوصا بعد تراجع القوات العراقية في المحمرة. وقال صدام، إن «هدف العراق لم يكن تحرير عربستان».
كما تتناول وثائق أخرى تأثير الوضع العسكري الإيراني على الجبهة الداخلية ومن سيسد الفراغ السياسي في حالة سقوط نظام الخميني، وهل الاتحاد السوفياتي سيكون الرابح الأكبر من انتهاء حكم الملالي. صدام كان يأمل ألا يقوم الإسرائيليون بمهاجمة خط أنبوب النفط الذي يصل إلى العقبة، وكان يتوقع أن يضمن ذلك من خلال وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز ووزير الدفاع كاسبر وينبيرغر، الاثنان عملا مدراء في شركة «بيتشلي» الأميركية للإنشاءات التي ستقوم ببناء الخط.
تقول الرسالة التي بعث بها جوليان آمري وزير الدولة في الخارجية البريطانية إلى رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر، إن «الرئيس العراقي كان يرتدي الزي العسكري ويحمل على خاصرته مسدسا ويجلس في غرفة اجتماعات كبيرة. عدد كبير من الحراس يحملون البنادق الرشاشة يمكن رؤيتهم خلف الباب لكنهم على مسافة لا تسمح لهم بسماع النقاش الدائر».
بدأ صدام حسين حديثه بسؤال الوفد البريطاني حول انطباعاته عن الجبهة التي زاروها في اليوم السابق. وقال الكولونيل مكلين، إنه «يمكنه التكلم عن الجزء القصير من الجبهة التي زاروها»، مضيفا: «لو كان ضابطا إيرانيا لفكر طويلا قبل القيام بأي هجوم على الجهة المقابلة التي يتحصن خلفها العراقيون على خط النار في بحيرة مجنون». وقال إنه «كون انطباعات جيدة حول معنويات القوات العراقية وأوضاعهم». وقال الرئيس صدام إنه يشعر بالأمان الآن، بعد انسحابه من خرمشاه عام 1982، ضد أي محاولة اختراق من قبل الإيرانيين.. العراق دولة من العالم الثالث، لكنها متقدمة، ويمكنها أن ترسل قواتها المحترفة إلى الأمام أو تسحبهم إلى الخلف كما تتطلب المعركة.. لو كان هدف العراق تحرير عربستان، لكان هجوم القوات العراقية عاطفيا أكثر. لكن لم يكن هذا الهدف، وعندما فهمت القوات ذلك دافعت بقلبها عن أرض الوطن.
«الإيرانيون لم يفهموا هذا، وفسروا انسحابنا من المحمرة على أنه ضعف، واعتبروا أن ذلك سيقود إلى هزيمتنا. محاولاتهم المتكررة لاختراق خطوطنا، والتي تزامنت مع المشكلات التي يواجهوها داخليا، دفعتهم إلى القيام بهجمات انتحارية في فبراير (شباط) 1984. قواتهم هاجمتنا مثل الجراد، وقضينا عليهم مثلما يقضي المزارعون على الجراد، بعد أن حفرنا الخنادق وحرقناهم كلما تقدموا». وتقول الرسالة إن «الرئيس صدام شاهد بنفسه، كما أخبرهم في الاجتماع، المذابح، ووعد أن يرسل لنا شريطا مصورا للاطلاع عليه».
صدام يريد ضمانات إسرائيلية بألا تهاجم خط أنبوب نفط يصل إلى العقبة وقال الوزير جوليان آمري إنه «يعتقد من خلال ما شاهده في العراق وعلى الجبهة، أنه من الصعب جدا على الإيرانيين تحقيق هدفهم الأول، وهو إسقاط النظام العراقي من خلال الوسائل العسكرية أو غيرها غير العسكرية. وبعد أربع سنين من الحرب، ما زال العراق شعبا متحدا تحت راية حكومة تتمتع بدعم شعبي، والجيش أعاد اصطفافه ويشعر أنه يقاتل للدفاع عن قضية عادلة. اقتصاد البلد في وضع أفضل، خصوصا بعد مد أنابيب بترول جديدة إلى ينبع والعقبة والإسكندرونة، لكن ما زال هناك بعض العقبات لضمان التزام إسرائيل بعدم مهاجمة خط الأنبوب الممتد إلى العقبة، لكن الرئيس يأمل أن يتم حل هذه المسألة قريبا.
وكان قد نوقش هذا الموضوع مع الملك حسين الذي قال، إن «خط أنبوب العقبة سيكلف أكثر من مليار دولار ويستغرق تجهيزه أكثر من سنة ونصف السنة»، مضيفا أن «العراقيين طلبوا من الأميركيين ضمانات ألا تقوم إسرائيل بمهاجمة الخط». وقال آمري، إن «وزير الخارجية جورج شولتز ووزير الدفاع كاسبر واينبيرغر عملا مدراء في (شركة بيتشلي) للإنشاءات المقترحة لبناء الخط، وهذا يضعهما في موقف قوة للحصول على الضمانات المطلوبة».
وبخصوص الألغام التي تم زرعها في البحر الأحمر، قال الرئيس صدام، إنه لا يمتلك معلومات أكيدة حول الجهة التي قامت بذلك، لكنه يعتقد أنه من عمل «دولة غير مسؤولة»، وهذا أما إيران أو ليبيا، وهدفها زعزعة المنطقة، خصوصا في «دول تعتبر البوابة الخلفية للعراق، أي الأردن والسعودية».
وفي اللقاء سأل الوزير آمري الرئيس صدام حول رأيه إذا فشلت إيران في تحقيق انتصار في الحرب هل هذا يعني هزيمة النظام، وما هي الخطوات التي يجب اتخاذها من أجل سد الفراغ الذي يمكن أن يحدث مع سقوط نظام الخميني. وقال الرئيس إنه يريد أولا أن يضع الحرب في إطارها الصحيح قبل الإجابة على السؤال.
وقال، إن «العراق لم يبدأ الحرب في سبتمبر (أيلول) 1980. قبل ذلك بفترة طويلة اتبعت إيران سياسات عدائية تخريبية ضد العراق. وتم اغتيال وزيرين في تفجيرات في العراق، وشن حملة إعلامية عدائية وكان يحرض العراقيون على الإطاحة بالحكومة العراقية وتحرير العراق. كما ضربت إيران بالصواريخ منشآت البترول العراقية في البصرة وعرقلت الملاحة في شط العرب، كما أنهم هاجموا بعض المواقع الحدودية العراقية».
وفي 11 سبتمبر تمكنت القوات العراقية من دحر الإيرانيين من مواقع حدودية، وبعثت برسائل إلى الحكومة الإيرانية تحذرها بأن أعمالها يمكن وصفها بأنها إعلان حرب ضد العراق، إلا أنها تجاهلت الرسائل. لكن ردهم على الرسالة الثالثة تضمن توبيخا وكلمات بذيئة، وفي النهاية قاموا بحشد قواتهم على الحدود العراقية، وأغلقوا المجال الجوي الإيراني في وجه الطائرات العراقية وهاجموا أربع سفن عراقية في ميناء البصرة ومواقع عسكرية عراقية داخل الحدود.
قلق من التهديد الذي يشكله نظام الخميني للمنطقة وتذكر الرئيس صدام أنه بعد اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 زاره وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في قريته خلال فترة من النقاهة كان يقضيها هناك. الأمير سعود الفيصل قال له إنه على الرغم من رسالة التهنئة التي بعث بها إلى إيران بعد الثورة، فإن الملك فهد كان قلقا من التهديد الذي يشكله نظام الخميني للمنطقة. وقال آمري في رسالته إلى مارغريت تاتشر أن الرئيس صدام، قال للأمير سعود الفيصل «إن أمله الوحيد هو التعايش السلمي مع إيران بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم». وقال آمري برأيه إن صدام ما زال يطمح أن تنتهي الحرب بين البلدين ويقيم مع أي حكومة إيرانية علاقات حسن الجوار.
وقال الرئيس العراقي، إن «إيران ضعفت كثيرا بعد الشاه، لكنه قلق حول مستقبل العلاقات مع إيران، وأنه من مصلحة العراق وكذلك العالم أجمع أن توقف الحرب بين البلدين في أسرع وقت ممكن، ولهذا يعتقد أنه لا يجب إعطاء أي متنفس لإيران لاستعادة قوتها. إذا وضعت الضغوط عليها فإن ذلك سيقوي معسكر المعتدلين في إيران الذين يميلون للسلام، لكن إذا استمرت الحرب فسيكون هناك مفاجآت كثيرة، سواء في منطقة الخليج أو على الساحة الدولية بشكل عام».
صدام يريد من الغرب الضغط على إيران لقبول هدنة وإنهاء حالة الحرب ويعتقد آمري أن بناء علاقات صداقة بين الاتحاد السوفياتي والدولتين المتصارعتين قد يساعد على إنهاء حالة الحرب بينهما. لكن ترك الأمور إلى القوى العظمى، لتحريض العراق على إيران أو العكس سيخلق ظروفا لا تطاق. الوثائق التي أفرج عنها العام الماضي بينت أن الغرب لا يريد أيا من الدولتين أن يخرج منتصرا أو مهزوما من الحرب.
قال الرئيس إنه يفهم عقلية الملالي أكثر من الغرب، «نحن جيران، والخميني عاش في كربلاء. من الخطأ جدا أن يقتنع الغرب بأهمية إعادة إيران كقوة في المنطقة.. التطرف الديني سوف يزرع بذور الفتنة في المنطقة، ولهذا لا يجب إظهار أي مرونة مع الملالي أو تصديق ما يقولونه».
بعد ذلك طرح الوفد البريطاني على الرئيس العراقي سؤالا حول فرص إجبار القيادة الإيرانية على الدخول في مفاوضات. وقال الرئيس، إنه «لا يعتقد أن عقد مفاوضات مع القيادة الحالية شيء مستحيل»، مضيفا، أن «رجال الدين متعطشون للسلطة، وبسبب ذلك تجدهم أكثر مرونة وبراغماتية من السياسيين». وأعطى الرئيس مثالا حول كيف أنهم في نهاية المطاف أطلقوا سراح الرهائن الأميركان، لكنهم استخدموا ذلك في الحصول على قسط من التنازلات.
ويعتقد الرئيس أنه كان من الممكن إجبار إيران على الدخول في مفاوضات سلام خطوة خطوة، لكن أوروبا لم تساعد كثيرا في هذا الموضوع. «الدول الأوروبية حصلت على البترول الإيراني مقابل الدفع نقدا، وهذه الأموال استخدمتها إيران في شراء الأسلحة. زيارة وزير الخارجية الألماني هانز ديتريتش جينشر كانت كارثية. لقد منحت الصحافة الإيرانية فرصة للقول للإيرانيين، إن إيران لها أصدقاء في الغرب. لم نفهم لماذا قامت بريطانيا ببيع طائرات هبوط لإيران، ومن السذاجة جدا التفكير أن إيران ستلتزم بعدم استخدامها في الأمور العسكرية. كيف يمكن استخدام هذه الطائرات في أمور غير العسكرية. السياسة الغربية يجب أن تضغط في اتجاه تقوية معسكر الاعتدال وإضعاف معسكر التطرف. على الغرب ألا يتعامل مع إيران إلا إذا طالبت بهدنة لإنهاء الحرب».
وقال آمري لصدام، إن «الغرب يحتاج أن يحافظ على علاقات مع إيران إذا أراد التأثير على الأحداث»، «هذا رأي الرئيس الباكستاني ضياء الحق، الذي يعتبر واقعيا في نظرته للأمور. واتفق صدام أنه من الطبيعي استمرار الغرب على اتصالاته مع إيران، والمطلوب ليس عزل إيران، لكن أي علاقات تجارية يجب أن تكون مشروطة بقبول إيران إنهاء الحرب».
أما بخصوص المجموعات الإيرانية المناوئة للنظام التي تعيش في المنفى. قال الرئيس العراقي، إنه «لا توجد مجموعة واحدة يمكنها أن تفرض نفسها بنجاح، لكن يمكنهم أن يلعبوا دورا تدريجيا إذا تبدلت الأمور ومالت لصالح المعتدلين في طهران».
الانطباع عند صدام وبريطانيا أن النظام الإيراني يواجه الكثير من المعارضة والخلافات الداخلية حول إدارة الحرب، وإلا كيف يقوم النظام بإقالة وزير الدفاع وهو في حالة حرب. إلا أن الرئيس العراقي لا يملك معلومات دقيقة حول أسباب الخلافات. لكن هناك مؤشرات بأن المؤسسة العسكرية الإيرانية كانت ضد القيام بهجوم عسكري كبير دون أن يكون هناك غطاء جوي.
وفي نهاية اللقاء أثار الوزير آمري قضية السجينين البريطانيين المحتجزين في العراق (دونالد هاغر وجون سميث) وسلم رسالة وزارة الخارجية بخصوصهما للمترجم، الذي قام بترجمتها للرئيس، الذي قال بدوره إنه لو اختار أن يرد خطيا على الرسالة لاختار نفس الكلمات مع استبدال أسماء السجينين البريطانيين باسم السجين العراقي في بريطانيا.
وقبل نهاية الاجتماع سأل آمري إذا كان هناك لدى الرئيس أي اعتراض أن يقوم مع الكولونيل ماكلين بزيارة النجف وكربلاء. وقال الرئيس، العكس تماما، إنه يرحب أن يقوم الوفد البريطاني بزيارة المناطق الشيعية، وتمنى على الوفد أن يزور العراق مرارا وفي أي وقت.
وفي النهاية أكد الرئيس أن علاقته بالأردن ومصر ممتازة، وقال، إن «سوريا مشغولة في هضم لبنان، وهذا يشكل ارتياحا له، ومن دون شك، لإسرائيل».
وكان الوفد البريطاني الذي حضر إلى بغداد من الأردن، حيث التقى هناك مع الملك حسين والقيادة العسكرية الأردنية، قد التقى وزير الخارجية العراقي طارق عزيز قبل ثلاثة أيام من لقائه مع الرئيس صدام حسن. وحضر هذا اللقاء إلى جانب طارق عزيز مدير العلاقات الدولية في الوزارة عبد الجبار هداوي.
طارق عزيز: ايران تحتاج إلى أفندية لإدارة البلاد وليس ملالي وتقول رسالة آمري إلى مارغريت ثاتشر بخصوص محضر الجلسة، إن «وزير الخارجية (الذي كان يرتدي الزي البعثي الأخضر ويحمل على خاصرته مسدسا)» قال، إن «الحرب العراقية الإيرانية هي بالتأكيد جاءت نتيجة تنافس القوى العظمى، وتأثير العراق في ذلك ضئيل جدا، لكنه كان، أي العراق، ضد أي مواجهة بين هذه القوى في الشرق الأوسط، لأن أي مواجهة تشكل خطورة للجميع دول المنطقة». وقال إنه يرحب بالضيوف البريطانيين، لأن بريطانيا لها خبرة طويلة في الشرق الأوسط يمكن من خلالها التأثير على الولايات المتحدة الأميركية.
وبعد أن دعي لافتتاح النقاش، قال آمري إنه «عند اندلاع الحرب بين البلدين كان الغرب يأمل أن يقود ذلك إلى الإطاحة بنظام الخميني، لكنه أصيب بخيبة أمل، أما الآن فلا يوجد أي خطر أن يهزم العراق. هزيمة العراق لن يقبلها الغرب ولو حصل ذلك لكانت نتائجه مدمرة لدول الخليج. أما الآن فقد وصلنا إلى طريق مسدود. ما الذي سيحصل؟» وبعد مقدمة شبيهة بما قاله صدام حول أسباب الحرب والاستفزازات الإيرانية، قال طارق عزيز، إن «العراق يأمل أن يكون هناك نظام مختلف في إيران، والآن بعد أن فشل النظام في هزيمة العراق، فإن النظام الإيراني لن يدوم طويلا، وعليه أن يتغير، تحتاج إلى أفندية لإدارة البلاد، وليس ملالي. الشاه اعتمد على المؤسسة العسكرية وعلى النخبة، وليس الشعب، حاول أن يجعلها دولة غربية، لكنه كان متسرعا. هذا أغضب عامة الناس، الذين وجدوا الإسلام بديلا لذلك. الخميني استلم زمام الأمور بسبب أخطاء الشاه وليس بسبب شعبية النمط الإسلامي المتطرف.. العراق الذي دافع عن نفسه أنقذ المنطقة من خطر التطرف الديني الإيراني. في الواقع لم تنقذ المنطقة فقط، وإنما حمى مصالح الدول العظمى».
الخوف من سقوط نظام الملالي واستغلال ذلك من قبل الاتحاد السوفياتي وأضاف طارق عزيز أنه «من الصعب على نظام الخميني الدخول في مفاوضات سلام والبقاء في السلطة.. العراق أعاد ترتيب قواته المسلحة بعد انسحابه من المحمرة (خرمشاه)، كما أنه رتب أوضاعه الاقتصادية بناء على المعطيات الجديدة، وأنه يخطط الآن تصدير بتروله عن طريق ينبع والعقبة والإسكندرونة».
يقول آمري، إن «موقع الاتحاد السوفياتي الجغرافي يجعله قادرا على استغلال الوضع الداخلي في إيران بسبب وجوده في أذربيجان وتركستان وأفغانستان»، مضيفا أن «العراق يتمتع بعلاقات جيدة مع الاتحاد السوفياتي، لكن ذلك لا يعني أنه يحبذ وجود إيرانستان سوفياتية على حدوده. وقال طارق عزيز، إن «سقوط النظام الحالي سيقود إلى إقحام القوى العظمى في الشؤون الإيرانية، وهذا قد يؤدي إلى نزاعات مستقبلية».
ويقول آمري في رسالته من خلال لقاءاته في المنطقة، إن «العراق لا يريد إيران شيوعية أو وجودا سوفياتيا على حدوده الشرقية، وإن استمرار نظام الخميني في الحكم سيزيد من فرص السيطرة السوفياتية على إيران.. ومع الوقت سيقضي الخميني على جميع مصادر القوى المستقلة داخل إيران، وفي النهاية سيثور الشعب الإيراني على نظام الملالي، لكنه، أي الشعب الإيراني، سيضطر التوجه إلى الاتحاد السوفياتي، لكن هناك عوامل أخرى تقف عائقا ضد هذا التوجه. أولا الإيرانيون شعب مسلم معاد للشيوعية.. أضف إلى ذلك أن قاعدة الصناعات الإيرانية قائمة على التكنولوجيا الغربية، والغرب وأسواقه هو شريك إيران التجاري الطبيعي. كما أن القوات الإيرانية مدربة على معدات غربية ومسلحة بها.
أما خارج إيران، هناك عوامل أخرى مهمة، مثل الشاه الابن، والدكتور علي أميني، الذي شكل جبهة تحرير إيران في باريس، والأميرال أحمد مدني قائد سلاح البحرية في فترة الشاه وعمل وزيرا للدفاع بعد اندلاع الثورة الإيرانية لكنه غادر إيران إلى الولايات المتحدة وشكل الجبهة الوطنية الإيرانية، وكذلك جبهة مجاهدين خلق في باريس، إضافة إلى مجموعات إيرانية أخرى في لندن. الحل الأمثل بالنسبة للغرب هو محاولة عزل نظام الخميني وزيادة الضغوط الاقتصادية عليه، لكن دون محاولة الإطاحة بالنظام لإعطاء الفرصة للعناصر المعتدلة الحصول على مكانة لها داخل النظام، وهؤلاء سيتمكنون من إحلال السلام وإنهاء التطرف الإسلامي. إذا اتبع الغرب هذه السياسة فسوف يجبر الاتحاد السوفياتي على دعم القوى الإسلامية المعتدلة والعلمانية. الاتحاد السوفياتي خسر فرصته الذهبية في إيران، لأنه كان من الممكن استلام السلطة تحط غطاء الملالي محاولة السيطرة على إيران سيخلق لهم مشكلة أفغانية جديدة. بعد هذا اللقاء طلب الرئيس صدام منهم زيارة الجبهة في البصرة وفي جزيرة مجنون قبل مقابلتهم بعد أيام.
الحلقة الأولى : ثاتشر تبنت «الواقعية» مع ليبيا.. وتركت «القاتل» يغادر السفارة
الحلقة الثانية: الوثائق البريطانية: الملك حسين كان يعتقد أن عناصر أميركية «هندست» الثورة الإيرانية

 



تركيا واليونان في مسعى جديد من أجل إزالة التوتر حول القضايا الخلافية المزمنة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
TT

تركيا واليونان في مسعى جديد من أجل إزالة التوتر حول القضايا الخلافية المزمنة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

بحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس تطور العلاقات الثنائية بين البلدين وقضايا إقليمية ودولية، في مقدمتها التطورات في الشرق الأوسط وإيران والحرب بين روسيا وأوكرانيا.

وعقد إردوغان وميتسوتاكيس جلسة مباحثات سبقت الاجتماع السادس لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، بحضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره اليوناني، جيورجوس جيرابتريتيس، وكبير مستشاري رئاسة الجمهورية التركية عاكف تشاغطاي كيليتش، وتم تناول القضايا الثنائية والنزاعات في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط، وملفات الهجرة والتجارة والجريمة المنظمة.

جانب من اجتماع إردوغان وميتسوتاكيس قبل انعقاد المجلس الاستراتيجي في أنقرة (الرئاسة التركية)

ورافق ميتسوتاكيس وزراء الخارجية والمالية والتنمية والهجرة، للمشاركة في اجتماع المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى، برئاسة إردوغان وميتسوتاكيس، في مسعى جديدة من أجل دفع مسار الحوار بين البلدين الجارين العضوين في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

خلافات جوهرية

وتلقي خلافات جوهرية على العلاقات بين أنقرة وأثينا بشأن السيادة البحرية وترسيم الحدود في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط بظلال سلبية ثقيلة على العلاقات الثنائية، رغم ما شهدته الفترة الأخيرة من تهدئة نسبية واستئناف لقنوات التواصل.

ويفاقم هذه الخلافات المعقدة سباق تسلح متواصل وتبادل تحذيرات سياسية وأمنية بين البلدين، في وقت لجأت اليونان، بدعم من قبرص التي تتولى الرئاسة الدورية الحالية للاتحاد الأوروبي، إلى توظيف خلافاتهما مع تركيا داخل مؤسسات الاتحاد.

إردوغان استقبل ميتسوتاكيس بمراسم رسمية بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)

وفي الوقت ذاته، يعمل البلدان على توسيع دائرة التحالفات الإقليمية لتعزيز مواقعهما في صراع النفوذ وتقاسم موارد شرق البحر المتوسط، حيث عززت اليونان شراكتها مع قبرص وإسرائيل، في الوقت الذي عملت تركيا على مزيد من التقارب مع مصر للحصول على دعمها في تسهيل تعاون تركيا مع شرق ليبيا في ملفات الغاز وترسيم الحدود البحرية.

وسبق انعقاد المجلس الاستراتيجي في أنقرة وجود توتر مع أثينا عبر تبادل رسائل سياسية حادة، وتصريحات لميتسوتاكيس، أكد فيها أن من حق اليونان توسيع مياهها الإقليمية في بحر إيجه إلى 12 ميلاً بحرياً متى رأت ذلك مناسباً، وهو ما ترفضه تركيا لأنه يشكل مساساً بأمنها القومي.

تحذيرات تركية

وحذرت وزارة الدفاع التركية من أي خطوات أحادية في هذا الملف، وقال وزير الدفاع، يشار غولر، إن أي محاولة تهدف إلى إقصاء أنقرة عن بحر إيجه وشرق المتوسط أو تجاهل حقوقها ومصالحها المشروعة فيهما محكوم عليها بالفشل.

وشدّد على أن بلاده تواصل أنشطتها في بحر إيجه وشرق المتوسط بما ينسجم مع مصالحها الوطنية، مع تبني موقف بنّاء ومسؤول يستند إلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن أنقرة وأثينا تواصلان منذ فترة طويلة «جهوداً صادقة» تهدف إلى حل القضايا الثنائية عبر الحوار والدبلوماسية، والعمل على تحويل بحر إيجه إلى منطقة سلام وتعاون.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

وتحدثت تقارير عن توقيع اتفاقيات بين اليونان وإسرائيل وقبرص، وما إذا كانت تشكل تهديداً لتركيا، ونفى غولر ذلك، لافتاً إلى أن تركيا، بدورها، توقع اتفاقيات مع كثير من الدول دون أن تكون موجهة ضد دولة بعينها.

وعن نية اليونان وقبرص نشر أنظمة دفاع جوي إسرائيلية في الجزر منزوعة السلاح في بحر إيجه، أكد أن هذه الجزر مصنّفة قانونياً بوصفها جزراً منزوعة السلاح، ولا يجوز تسليحها وفق القوانين والاتفاقيات الدولية، وأن تركيا تقوم بالتحضيرات والتدابير اللازمة للتعامل مع هذا الملف بما يحفظ حقوقها وأمنها القومي.

بدوره، قال وزير الخارجية، هاكان فيدان، إن بلاده ترفض السياسات الرامية إلى تطويقها، مؤكداً أن ذلك ليس في مصلحة أحد ويعمق الانقسامات الإقليمية، وأن بلاده تتابع من كثب القضايا المتعلقة بأمنها القومي المرتبطة بالتعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل في المنطقة.

استمرار الأجندة الإيجابية

وعلى الرغم من التصريحات الحادة المتبادلة، عقدت في أثينا في 21 يناير (كانون الثاني) الماضي، الجولة التاسعة من محادثات «خطة العمل المشتركة للأجندة الإيجابية بين تركيا واليونان»، برئاسة نائب وزير الخارجية التركي ورئيس الشؤون الأوروبية محمد كمال بوزاي، ونائب وزير الخارجية اليوناني هاريس ثيوخاريس.

جانب من اجتماع الأجندة الإيجابية بين تركيا واليونان في أثينا 21 يناير الماضي (الخارجية التركية)

وناقش الجانبان مشاريع وبرامج تخدم المصالح المشتركة للبلدين في مجالات متعددة، أبرزها التعاون في قطاعات التجارة والاقتصاد والجمارك والسياحة والنقل والابتكار والعلوم والتكنولوجيا والزراعة، إلى جانب مجالات حماية البيئة والضمان الاجتماعي والصحة والشباب والتعليم والرياضة، فضلاً عن التعاون بين أوساط رجال الأعمال في البلدين.

وبدأت تركيا واليونان، منذ عام 1999، تطوير آليات للتواصل ومعالجة مختلف التطورات في علاقاتهما عبر الحوار، منها مجلس التعاون رفيع المستوى، والحوار السياسي، والمشاورات الاستكشافية، ومبادرة الأجندة الإيجابية أو خطة العمل المشتركة، إضافة إلى تدابير بناء الثقة.


بزعم استهدافها إسرائيل... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

بزعم استهدافها إسرائيل... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.


لافروف: مستعدون لتنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

لافروف: مستعدون لتنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التأكيد على شروط بلاده لإحلال السلام في أوكرانيا. وقال إن موسكو مستعدة لتقديم تنازلات محددة في مسار المفاوضات، بشرط عدم الإخلال بمصالحها. واتهم أوروبا بالسعي إلى «تسميم» التوافقات الروسية - الأميركية، التي تم التوصل إليها خلال قمة ألاسكا في أغسطس (آب) من العام الماضي، عاداً أن التحركات الأوروبية والأوكرانية هدفت إلى «اغتصاب» الخطة الأميركية للسلام.

وتحدث لافروف، الأربعاء، خلال جلسة حوارية في مجلس النواب (الدوما) حول موقف روسيا من التسوية الأوكرانية، والتغيرات المرتقبة في العلاقات الدولية. ورأى التوافقات التي توصل إليها الرئيسان فلاديمير بوتين ودونالد ترمب خلال القمة الوحيدة التي جمعتهما في ألاسكا «تبقى قائمة وأساسية، وحل الأزمة الأوكرانية مستحيل من دون معالجة أسبابها الجذرية».

وقال الوزير: «لا يمكن تدمير روح تلك التوافقات، بل يمكن تسميمها، وهذا ما تحاول أوروبا فعله». وأضاف لافروف خلال جلسة الحكومة: «إن الحديث عن تدمير جوهر التوافقات مع واشنطن بات رائجاً هذه الأيام. لكن هذه الروح لا يمكن تدميرها، بل يمكن تبخيرها أو تسميمها بشتى أنواع الغازات الكيماوية الضارة، وهو ما تحاول أوروبا فعله، لكنها ستفشل».

وأكد لافروف أنه كان يمكن حل النزاع الأوكراني بسرعة بناء على مخرجات القمة الروسية الأميركية في ألاسكا، لكن مذاك تعرضت وثيقة التسوية للتشويه أكثر من مرة.

وذكّر لافروف بأنه قبل قمة ألاسكا، زار المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف موسكو، وسلم الجانب الروسي وثيقة تتضمن مقترحات أميركية لحل الأزمة الأوكرانية.

وأوضح أن تلك الوثيقة «تضمنت جميع القضايا المحورية، واقترحت حلولاً تتوافق مع الواقع على الأرض، بما فيه ذلك الواقع التي أوجدناه لحماية الروس من النظام النازي ومن نهجه نحو إبادة كل ما يمتّ بصلة إلى اللغة والثقافة والتاريخ والأرثوذكسية الروسية».

وأشار لافروف إلى أن ما يسمى «خطة السلام ذات العشرين بنداً» (التي اقترحها ترمب) بشأن أوكرانيا، «لم يتم إبلاغ روسيا بها قط، لا عبر القنوات الرسمية ولا غير الرسمية»، ولم يكن هناك إلا تسريب جزء من محتوياتها إلى وسائل الإعلام. وقال: «لم نرَ سوى نسخة واحدة. أو بالأحرى، قدم لنا الأميركيون وثيقتهم رسمياً. أما النسخ اللاحقة فهي نتيجة لمحاولة (اغتصاب) المبادرة الأميركية من قبل (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي، وبالأخص من (رعاته) في بريطانيا وألمانيا وفرنسا ودول البلطيق».

وأكد أن الأمن مبدأ أساسي لا غنى عنه بالنسبة لروسيا، تماماً كما كانت حقوق الإنسان سابقاً تبدو أنها أمر أساسي للغرب، مع أنه يتجاهل ما تشهده أوكرانيا حالياً من حظر على اللغة الروسية في جميع مناحي الحياة، وإقصاء الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية.

وشدد لافروف على أن المقترح الأميركي الأصلي أكد ضرورة استعادة حقوق الناطقين بالروسية والروس كأقلية قومية في أوكرانيا، أما النسخ الأخيرة، التي سُرّبت إلى الإعلام عقب مفاوضات مكثفة بين الأميركيين والأوروبيين والأوكرانيين بعد ألاسكا، فلا تتطرق إلى هذا الأمر، مكتفية بالحديث عن «تسامح مزعوم».

كما لفت لافروف إلى أن الضمانات الأمنية التي تناقشها الدول الأوروبية وأوكرانيا تصاغ دون مشاركة روسيا، بل هي موجهة ضدها.

وقال: «يؤكد نظام كييف أنه لن يعترف بأي شيء قانونياً، ولكنه مستعد لوقف العمليات العسكرية فعلياً، شريطة أن يقدم الأوروبيون ضمانات أمنية قوية وينشروا قوات».

وذكر لافروف أن تقارير إعلامية تحدثت عن أن تلك الضمانات تنص على «البدء التلقائي لحرب ضد روسيا بكل قوات حلف (الناتو) المتمركزة في أوكرانيا بدعم أميركي مباشر» حال وقوع أي حادث يُعتبر «غير مقبول»، مضيفاً أن «قدرة زيلينسكي وأتباعه على إثارة الاستفزازات كبيرة».

وجدد لافروف التذكير بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد حدد بوضوح أهداف العملية العسكرية الخاصة، وأكدها مراراً، وأن «هذه الأهداف تظل ثابتة لا تقبل أي تنازلات انتهازية». لكنه لفت في هذا السياق إلى استعداد روسيا لـ«تقديم تنازلات في مفاوضات أوكرانيا، لكن دون المساس بمصالحها».

صورة ملتقطة في 5 فبراير 2026 في العاصمة الأوكرانية كييف تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي (د.ب.أ)

وأوضح: «لن نوقع على اتفاقية سلام مجحفة. وقد صرّح الرئيس بذلك مراراً. نحن مستعدون للتنازل؛ فلا يمكن التوصل إلى اتفاق دون تنازلات.

لكن يجب أن يكون ذلك بطريقة لا تمسّ مصالحنا المشروعة، وأن يضمن هذا السلام عدم وجود أي تهديدات لأمن روسيا الاتحادية، ولا تهديدات للشعب الروسي وثقافته في الأراضي التي ستُسمى أوكرانيا أو أي اسم آخر».

وشدد لافروف على أن روسيا ستواصل بذل كل الجهود لـ«إعادة الأراضي الروسية الأصلية إلى حضن الوطن، بما يتوافق تماماً مع تطلعات السكان هناك، وستواصل بذل كل الجهود لاستعادة الحقوق اللغوية والثقافية والدينية لمن لا يزالون تحت حكم نظام كييف، إلى جانب القضاء على السبب الجذري الآخر للصراع: إزالة التهديدات العسكرية للأمن القومي الروسي الناجمة عن أوكرانيا».

وقال: «نأمل ألا يتمكن حزب الحرب الذي رسّخ نفسه في بروكسل ولندن وبعض العواصم الأوروبية الأخرى من إيقاف الحركة الصعبة، ولكن الضرورية للغاية نحو السلام الدائم التي بدأها رئيسا روسيا والولايات المتحدة».

وكان الوزير الروسي حدد في وقت سابق ثلاثة شروط رئيسية لإنهاء الحرب: أولاً، الاعتراف بالحقائق الإقليمية الجديدة، إذ «يجب على كييف و(رعاتها الغربيين) الاعتراف رسمياً بالوضع الحالي الناتج عن (إعادة توحيد) شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول وجمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوغانسك الشعبية ومقاطعتَي زابوروجيا وخيرسون مع الاتحاد الروسي». ثانياً، وضع «ضمانات أمنية ملزمة قانونياً، تهدف إلى معالجة (الأسباب الجذرية) للصراع، بما يمنع تكراره مستقبلاً».

ثالثاً، ضمان حياد أوكرانيا، بحيث «تكون دولة غير منضوية في أي تحالف عسكري، خالية من الأسلحة النووية، ومُجرّدة من السلاح الهجومي، ومُطهّرة من (النازية)، مع وقف كامل لاستغلال أراضيها لأغراض عسكرية من قبل دول حلف الناتو».

وأشار لافروف إلى أن المقترحات الأمنية التي قدّمتها روسيا في ديسمبر (كانون الأول) 2021 لا تزال تمثّل «نقطة انطلاق مناسبة للنقاش» بشأن هذه القضايا.

ودعا لافروف إلى إجراء انتخابات في أوكرانيا، مُشيراً إلى أن «ولاية زيلينسكي الرئاسية انتهت في مايو (أيار) 2024»، وأن الشعب الأوكراني «يجب أن يُمنح فرصة لتحديد مصيره»، بما في ذلك «العدد الهائل من ممثليه الذين يعيشون في روسيا». وحذّر من استخدام أي عملية انتخابية «كذريعة لوقف مؤقت للأعمال القتالية بهدف إعادة تسليح القوات الأوكرانية».

ونفى النائب الأوكراني أليكسي غونشارينكو ومصدر مقرب من زيلينسكي صحة تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» أفاد بأن الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا ستعلن في 24 فبراير. وكتب النائب الأوكراني أليكسي غونشارينكو المعارض لزيلينسكي على منصة «تلغرام»: «لن تجرى انتخابات في مايو، ولا استفتاء. لا يوجد أي استعداد في البرلمان. لتحقيق ذلك، نحتاج إلى مشروع قانون. لا يوجد شيء قريب حتى من ذلك». وأكد غونشارينكو أنه حتى لو أجريت انتخابات، فلن يتمكن زيلينسكي من الترشح لإعادة انتخابه.

وذكرت «فاينانشال تايمز» في تقرير أن «أوكرانيا بدأت التخطيط لانتخابات رئاسية إلى جانب استفتاء على أي اتفاقية للسلام مع روسيا بعد أن طالبت إدارة ترمب كييف بإجراء كلا التصويتين بحلول 15 مايو، وإلا فإنها تخاطر بفقدان الضمانات الأمنية التي قدمتها الولايات المتحدة».

وأضافت أن «مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين مشاركين في التخطيط، بالإضافة إلى آخرين مطلعين على الوضع، ذكروا أن زيلينسكي يعتزم الإعلان عن خطط لإجراء انتخابات رئاسية واستفتاء في 24 فبراير».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وقال زيلينسكي لـ«بلومبرغ» إن أوكرانيا مستعدة للقاء روسيا في الولايات المتحدة يوم 17 أو 18 فبراير الحالي، مضيفاً أن أوكرانيا ستحتاج إلى الموافقة على أي مقترح سلام، إما عن طريق تصويت برلماني أو استفتاء شعبي.

ومن المقرر أن يجتمع وزراء الدفاع بدول الاتحاد الأوروبي في بروكسل مساء الأربعاء لمناقشة تقديم المزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا، بالتزامن مع اقتراب الذكرى الرابعة لبدء الغزو الروسي لأوكرانيا.

ووافق البرلمان الأوروبي الأربعاء على قرض بقيمة 90 مليار يورو لمساعدة أوكرانيا في الحرب ضد روسيا، ولا سيما في مجال شراء الأسلحة.

وسيوفَّر التمويل من خلال قرض من الاتحاد الأوروبي عبر الأسواق المالية، على أن تُسدد فوائده التي تبلغ نحو 3 مليارات يورو سنوياً من ميزانية الاتحاد الأوروبي. وكان قد صرح زيلينسكي بأن صدمة اقتصادية لأوكرانيا قد تلوح في الأفق في غياب مصادر تمويل واضح.

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

ينص الاتفاق على أن أوكرانيا لن تسدد للاتحاد الأوروبي إلا بعد أن تدفع روسيا تعويضات الحرب، أي بعد انتهاء النزاع. ستستخدم كييف 60 مليار يورو للاستثمار في القدرات الصناعية الدفاعية وشراء المعدات العسكرية. وستستخدم أوكرانيا 30 مليار يورو لتغطية احتياجاتها من الميزانية، في خطوة مرهونة بإجراء إصلاحات.

وقد تُسدد الدفعات الأولى من هذا القرض في أبريل (نيسان).

وبحسب توقعات صندوق النقد الدولي، تبلغ احتياجات أوكرانيا التمويلية للفترة 2026 - 2027 نحو 135.7 مليار يورو. وبعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب قطع المساعدات الأميركية، تعهد الاتحاد الأوروبي بتغطية ثلثي التكاليف، على أن يتم توفير الباقي من حلفاء أوكرانيا الآخرين، مثل النرويج وكندا. وقد اعترضت أصوات من اليمين المتطرف على القرض، وحاولت دون جدوى تأجيل التصويت. وبموجب قرض الاتحاد الأوروبي، مُنحت الأولوية لصناعة الدفاع الأوروبية في توريد هذه الأسلحة.

وكان مبلغ الـ90 مليار يورو هذا محور قمة أوروبية عُقدت في بروكسل في ديسمبر (كانون الأول). وبدلاً من قرض أوروبي لتمويل هذا الدين، سعت ألمانيا من دون جدوى إلى استخدام الأصول الروسية المجمدة في أوروبا. لكن برلين واجهت معارضة من بلجيكا، حيث تُحفظ غالبية هذه الأصول، فضلاً عن مخاوف أثارتها بعض الدول بشأن الإخلال بالقواعد المالية الدولية.