المعارضة تعتبر قرار الرئيس السوداني بإعلان الطوارئ مستفزاً للمتظاهرين

TT

المعارضة تعتبر قرار الرئيس السوداني بإعلان الطوارئ مستفزاً للمتظاهرين

ظل السودانيون وأيديهم على قلوبهم، طوال نهار الجمعة الماضي وجزء من ليلها، بانتظار «خطاب رئاسي مفصلي» يلقيه الرئيس عمر البشير، وهم يأملون سماع قرارات تقلل ولو مؤقتاً التوتر السياسي الذي تعيشه البلاد منذ اندلاع الاحتجاجات والمظاهرات فيها طوال الأشهر الثلاثة الماضية، والتي تطالب بتنحيه وحكومته على الفور. لكن الخطاب الذي تأخر كثيراً عن الموعد المضروب لإلقائه، جاء مثيراً للجدل، ما جعل محللين ومعارضين يصفونه بأنه «مخيب للآمال» وخال من أي رؤية لمعالجة مشكلات البلاد، فيما وصفه آخرون بأنه «محاولة لشراء الوقت»، بل اعتبره بعضهم مستفزاً للشارع بما يجعل منه «بداية لموجة جديدة من المظاهرات والاحتجاجات».
فمنذ 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اندلعت موجة مظاهرات شعبية تلقائية، احتجاجاً على سوء الأوضاع الاقتصادية في بعض مدن البلاد، بيد أنها سرعان ما أخذت بعداً سياسياً يطالب بتنحي الرئيس البشير ورحيل نظامه وإقامة حكومة كفاءات انتقالية، وتحولت من التلقائية إلى التنظيم بعد تدخل «تجمع المهنيين السودانيين»، وتصديه لتنظيمها وقيادتها، ثم التحقت به قوى المعارضة الرئيسية لتصبح المظاهرات حالة يومية يشارك فيها المواطنون بمختلف فئاتهم الاجتماعية، وإن غلبت عليها سمة أن جمهورها الأعظم هم من فئة الفتيات والنساء والشباب.
التوقعات التي كانت تدور بخلد الكثيرين، أن يقبل البشير مطالب الجماهير ويعلن حكومة انتقالية، وأن يعلن بوضوح عدم نيته الترشح لدورة رئاسية جديدة، وأن يطلق الحريات العامة والصحافية ويفرج عن المعتقلين السياسيين، وهي وإن كانت أقل من طموح المتظاهرين، لكنها قرارات يمكن أن يدور على أساسها تفاوض. لكن البشير أعلن «حالة الطوارئ» لمدة عام، وحل الحكومة بشقيها الاتحادي والولائي، وقرر أن يكون رئيساً قومياً بعد 30 عاماً من الحكم، ووجه بتأجيل - وليس إلغاء - تعديلات دستورية مزمعة تتيح له الاستمرار في السلطة مدى الحياة «تأجيل» التداول حول التعديلات.
فور تلاوة الخطاب الرئاسي «المنتظر» خرجت معظم أنحاء الخرطوم ومدن أخرى إلى الشوارع في مظاهرات ليلية رافضة له، فيما سارع تحالف «قوى الحرية والتغيير» إلى دعوة الجماهير للتظاهر ضد مضمون الخطاب، وإلى التمسك بمطلب تنحي الرئيس وحكومته.
ولم تصمد وعود الحريات والحوار التي أطلقت في الخطاب لدقائق معدودة، إذ تحركت قوات أمنية إلى «شارع المستشفى» بالخرطوم واعتقلت عددا من الأطباء من داخل أحد البيوت المخصصة لسكناهم، ثم اعتقلت رئيس تحرير صحيفة التيار «المستقلة» عثمان ميرغني، بعد ساعات من إدلائه بتصريحات ناقدة لخطاب الرئيس على فضائية «سكاي نيوز». ميرغني قال إن خطوة الرئيس لا يمكن أن تهدئ غضب الشارع، بل يمكن أن تكون بداية لـ«موجة جديدة من الاحتجاجات»، وشرارة لما أسماه «مرحلة جديدة ختامية» للنظام، فأثار قوله غضب السلطات الأمنية فاقتادته من مقر صحيفته إلى أحد معتقلاتها.
ووصف ميرغني القرارات الرئاسية بأنها «بداية للتراجع النهائي، وليست مجرد قرارات ينتظرها الشارع»، وأضاف: «سقف الشارع واضح، فمنذ شهرين انحصرت مطالبه في تنحي الرئيس وإزاحة الحكم بأكمله»، وتابع: «عندما تبدأ خطوة التنازل الأولى ترسل إشارة قوية للشارع، أنه من الممكن أن يمارس المزيد من الضغط للحصول على النتائج النهائية التي يتوقعها». وتوقع ميرغني أن تنتقل القرارات الرئاسية بالاحتجاجات من كونها احتجاجات شبابية، إلى احتجاجات مفتوحة تشارك فيها كل قطاعات الشعب، وقال: «أتوقع أن ينزل الناس للشوارع للمطالبة بإزاحة النظام وتنحي الرئيس البشير». وأضاف: «حين تتحرك مجموعات جماهيرية كبيرة، فهذا يستدعي قوة رئيسية ومهمة جداً في الملعب السياسي السوداني، وهي قوة الجيش، لتكون فيصلاً في الحراك الجماهيري، أو فيصلاً بين الجماهير والحكومة، بحسب التجربة التاريخية في أكتوبر (تشرين الأول) 1964، وأبريل (نيسان) 1985»، وتابع: «كانت المظاهرات دائما تنتهي بتدخل الجيش، وهذه القرارات تدفع وتحفز الجيش للتدخل وحسم الصراع لصالح الشعب».
وقطع ميرغني بأن «مساحة مناورة» البشير أصبحت معدومة، وقال: «لا يمكن أن يأتي بعد ثلاثين سنة ليلعب في الوقت بدل الضائع ليسجل الهدف الذهبي»، وأضاف: «لا يستطيع تغيير الأوضاع. وقد استخدم كلمة تأجيل التغييرات الدستورية، ما يعني أنه لا يزال يطمع ولديه رغبة في الترشح لدورة رئاسية جديدة». ورأى ميرغني أن القرارات التي أصدرها الرئيس البشير ستزيد من قوة المظاهرات، وتنقلها إلى مرحلة جديدة، وأضاف: «أتوقع خلال أيام إن لم يكن ساعات أن يكون الشعب السوداني كله في الشارع».
أما نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال ياسر عرمان فقد وصف خطاب البشير بأنه «محاولة لشراء الوقت من الجميع»، وقال إن حالة «الطوارئ في مواجهة الثورة، والجيش في مواجهة الإسلاميين»، وإن القرارات أنهت وجود الحزب الحاكم بقوله: «المؤتمر الوطني في خبر».
وأوضح عرمان في مقال تداولته مواقع التواصل الاجتماعي، إن حالة الطوارئ تستهدف «الثورة، والجيش، والإسلاميين، وإنها جعلت من المؤتمر الوطني حزباً يتيماً»، إضافة إلى كونها تستهدف «انتخاب البشير مجدداً على أسنة الحوار».
وتابع: «البشير لم يقدم حلولاً للأزمة السياسية أو الاقتصادية، فحتى المعتقلين لم يطلق سراحهم، ولو فعل كان بإمكانه أن يعتقلهم مرة أخرى، وقانون الطوارئ مطبق بالفعل دون إعلان ولن ينجح في قمع الثورة»، وتابع: «البشير لا يخشى الله، بينما يخشى الجيش، ويريد أن يشرك ضباط الجيش في جرائمه وحكمه». وأشار عرمان إلى صراع داخل الطاقم الحاكم بين أطراف الإسلاميين الراغبين في تحميل البشير مسؤولية الفشل، وفي إبعاده والاستمرار في الحكم، في الوقت الذي يركز فيه البشير على إبعادهم من الجيش، والحيلولة دون أي تفاهم معه.
من جهتها، وصفت الأمينة العامة لحزب الأمة القومي المعارض سارة نقد الله الخطاب بأنه «خطابٌ مخيِّبٌ للآمال»، وقالت إنه «لا يعنينا في شيء»، وتابعت: «استمعنا بخيبة أمل بالغة، كما استمع الشعب السوداني كله، لخطاب السيد رئيس الجمهورية الجمعة بالقصر الجمهوري، فقد كان خطاباً منفصماً لا يمت لواقع الأزمة الراهنة في بلادنا بأي صلة، ولعله يكرسها، ولا يلبي أدنى مطالب الشارع السوداني في حدودها الدنيا». وقالت نقد الله إن حزبها يعتبر الخطاب «تسويفاً مكشوفاً ومعزولاً، يراد كسب الوقت فقط، وانتظاراً لمجهول لن يأتي أبداً»، وتابعت: «وبالتالي فإنه لا يعنينا من قريب أو بعيد، لكونه لم يقارب حل الأزمة بحال». ورأت نقد الله أن حل الحكومة ما هو إلا «إعادة تدوير لشخوصها هو تدويرٌ للفشل ليس إلاّ»، واعتبرت فرض حالة الطوارئ هو تكريسٌ للفشل بقوة الطوارئ، قاطعة بأن الشارع تجاوز الحلول المكررة، ولم يعد يرضى بأقل من رحيل النظام.
من جهتها، اعتبرت «حركة العدل والمساواة السودانية» إعلان حالة الطوارئ «محاولة بائسة لإخماد الثورة»، وقالت بحسب المتحدث باسمها معتصم أحمد صالح أمس، إن الخطاب يخلو من أي رؤية لمعالجة مشكلات البلاد، ولا يخاطب الوضع السياسي المحتقن ولا الأزمات التي تمر بها البلاد. واعتبر صالح قرارات البشير «واحدة من أسوأ خطاباته التي ارتبطت بالخداع والتضليل»، وقال: «حاول الالتفاف على استحقاقات الثورة، بالدعوة إلى حوار وطني زائف»، وتابع: «قام بإعلان حالة الطوارئ ليطلق بموجبها العنان على ميليشياته الأمنية لقتل أبناء شعبنا والتنكيل به بهدف إخماد ثورته المجيدة».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.