«أهمية ساني» على رأس دروس كثيرة يجب أن يتعلمها غوارديولا من مواجهة شالكة

نجاح سيتي في تحويل تأخره إلى فوز أدى إلى تأجيل أسئلة متعلقة بأداء الفريق الإنجليزي في دوري الأبطال

ساني (يمين) وركلته الحرة التي قلبت الموازين
ساني (يمين) وركلته الحرة التي قلبت الموازين
TT

«أهمية ساني» على رأس دروس كثيرة يجب أن يتعلمها غوارديولا من مواجهة شالكة

ساني (يمين) وركلته الحرة التي قلبت الموازين
ساني (يمين) وركلته الحرة التي قلبت الموازين

إذا كان المدير الفني لمانشستر سيتي جوسيب غوارديولا، قد تعلم شيئاً من مباراة فريقه أمام شالكة الألماني في دور الستة عشر بدوري أبطال أوروبا، فإنه سيكون متعلقاً بالنجم الألماني الشاب ليروي ساني، الذي قرر غوارديولا أن يبقيه على مقاعد البدلاء ولم يدفع به في التشكيلة الأساسية على ملعب «فيلتينس آرينا». وبعيداً عن أي اعتبارات خططية أو تكتيكية، كان قرار غوارديولا يبدو غير منطقي في هذا الشأن، قبل أن يقرر المدير الفني الإسباني تصحيح خطئه ويشرك ساني الذي أسهم في قلب نتيجة المباراة ومساعدة فريقه على تحقيق الفوز بعدما كان متأخراً.
وقبل نهاية المباراة بخمس دقائق فقط، كان مانشستر سيتي متأخراً بهدفين مقابل هدف وحيد، وهي النتيجة التي كان من شأنها أن تؤثر كثيراً على مسيرة الفريق في بطولة دوري أبطال أوروبا، خصوصاً أن مانشستر سيتي دخل هذه المباراة بعد أن تكبد الخسارة في خمس مباريات من آخر ثماني مباريات خاضها خارج ملعبه في إطار الأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا. وبالتالي، كان تحقيق الفوز في هذه المباراة أمراً في غاية الأهمية بالنسبة إلى النادي الإنجليزي. صحيح أن خسارة مانشستر سيتي بفارق هدف وحيد خارج ملعبه كانت ستعطيه فرصة كبيرة أيضاً في التأهل لأنه سيلعب المباراة القادمة على ملعبه وبين جماهيره، لكن تحقيق الفوز في ألمانيا بالهدف القاتل الذي أحرزه الجناح الإنجليزي رحيم سترلينغ في آخر دقيقة من عمر المباراة قد أجل الكثير من الأسئلة التي كانت ستُطرح حول أداء ونتائج الفريق في دوري أبطال أوروبا.
وقد أثير عدد من التساؤلات بالفعل قبل بداية المباراة، حيث سُئل غوارديولا يوم الثلاثاء عما إذا كان فشله في الحصول على لقب دوري أبطال أوروبا على مدى السنوات الثماني الماضية يعود إلى أنه قد حصل على هذه البطولة مع فريق برشلونة الذي كان مدججاً بالنجوم، وعلى رأسهم النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ونجما المنتخب الإسباني تشافي هيرنانديز وإنيستا، في ذلك الوقت. ورد غوارديولا وهو يضحك قائلاً: «أنا آسف، لقد كنت حظوظاً».
وقد كان هذا هو الوقت المناسب بالنسبة إلى غوارديولا لكي يثبت أنه المدير الفني الأبرز في عالم كرة القدم خلال العقد الماضي. لكن شالكة دخل تلك المباراة بحماس كبير، مدفوعاً بالأداء الجيد الذي يقدمه في الدوري الألماني الممتاز هذا الموسم، في الوقت الذي كان يسعى فيه مانشستر سيتي لمواصلة صحوته وأدائه المبهر خلال المباريات الأخيرة. ورغم أن غوارديولا قد نجح في قيادة فريقه لتحقيق الفوز، فإنه قال بعد نهاية المباراة: «لسنا مستعدين للقتال حتى المراحل الأخيرة». وفي الحقيقة، كان هناك عدد من المؤشرات على أنه كان صادقاً في تقييمه لأداء فريقه في هذه المباراة.
وتقدم مانشستر سيتي بهدف مبكر، قبل أن يعود الفريق الألماني ويحرز هدفين من ركلتي جزاء من توقيع نبيل بن طالب. وهنا تظهر مشكلة واضحة للغاية في أداء مانشستر سيتي وتتلخص في أنه عندما ينجح الفريق في التقدم مبكراً فإنه يفقد كثيراً من تركيزه. وقد تكرر هذا الأمر خلال مباراة الفريق أمام نيوكاسل يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز عندما تقدم المهاجم الأرجنتيني سيرجيو أغويرو بهدف مبكر في بداية المباراة، كما تكرر أمام كريستال بالاس وليستر سيتي أيضاً.
وقبل هدف التعادل الذي أحرزه بن طالب، سمح مانشستر سيتي للاعبي شالكة بشن هجمات خطيرة، وهو الأمر الذي لم يكن نادٍ مثل برشلونة خلال الفترة بين موسمي 2009 و2011 يسمح به للفرق التي يواجهها عندما كان يهيمن على البطولات المحلية والأوروبية. لكن مانشستر سيتي لديه الآن ليروي ساني، الذي ربما لم يقد الفريق بعد للحصول على بطولة أوروبية، لكنه يقدم مستويات رائعة تنبئ بأنه قد يصل يوماً ما إلى المستوى الكبير الذي كان يقدمه نجوم برشلونة تحت قيادة غوارديولا، ولذا استعان به غوارديولا عندما ازدادت الأمور صعوبة من أجل فك شفرات دفاع الفريق الألماني.
وقد أظهرت مباراة مانشستر سيتي أمام شالكة أن تقنية حكم الفيديو المساعد لم تصل بعد إلى المستوى المأمول، لكنها على أي حال باتت ضرورة ملحة في عالم كرة القدم. وظل السؤال الذي يطرحه الجميع هو: هل تقنية حكم الفيديو المساعد مهزلة أم دفعة كبيرة لكرة القدم؟ وللإجابة عن هذا السؤال يمكن الاستشهاد بما حدث بعد مرور 35 دقيقة من عمر مباراة مانشستر سيتي أمام شالكة. فعندما اصطدمت كرة دانيل كاليغوري بالذراع اليمنى لنيكولاس أوتاميندي، لجأ حكم المباراة إلى تقنية حكم الفيديو المساعد. وقد أدى هذا الأمر إلى توقف المباراة لنحو ثلاث دقائق قبل أن يخبر حكام تقنية الفيديو الموجودين في الاستوديو حكم المباراة بأنه يتعين عليه أن يحتسب ركلة جزاء.
وقد أدى هذا الأمر إلى حالة من الجدل الشديد على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب عدم وجود شاشة بجوار خط تماس الملعب بحيث يمكن للحكم رؤية اللعبة مباشرة، وهو الأمر الذي سبب إحراجاً كبيراً لمسؤولي الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا). لكن الشيء المؤكد هو أن هذه المشكلة ستختفي بمجرد أن يتخذ الاتحاد الأوروبي الإجراءات كافة التي تضمن وجود الشاشات وجميع الأدوات المطلوبة لاستخدام هذه التقنية.
لكنّ هناك مشكلة أخرى تتعلق بما إذا كان القرار الذي اتخذه حكم المباراة باحتساب ركلة جزاء صحيحاً أم لا، حيث يرى البعض أن أي حركة يقوم بها أي لاعب قد تبدو «متعمدة» عندما يتم إعادتها بالتصوير البطيء ومن زوايا مختلفة. وفي حالة أوتاميندي، هل كانت هناك فرصة أمام اللاعب لإبعاد يديه عن طريق الكرة التي سددها كاليغوري؟ لكن هذا هو جمال تقنية حكم الفيديو المساعد، لأن كرة القدم كأي لعبة رياضية أخرى تدور حول لحظات من الإثارة والمتعة وتقدم نقاطاً وأموراً تظل مثيرة للجدل حتى بعد نهاية المباراة.
دعونا نتفق في البداية على أنه لا يوجد شيء كامل ومثالي، لكن أن تجلس في ملعب شالكة في مباراة مهمة في دوري أبطال أوروبا وتنتظر لتعرف ما إذا كان الفريق الخاسر سيحصل على فرصة لإحراز هدف التعادل أم لا، هو أمر مثير للغاية في حقيقة الأمر.
وعندما وصل القرار لحكم المباراة لم يكن أحد يعرف ما الذي سيحدث بالضبط، وهو ما يزيد الأمر إثارة ومتعة أيضاً. وفي النهاية، احتسب حكم المباراة ركلة جزاء لصالح نادي شالكة، وأحرز نبيل بن طالب هدف التعادل. وعندما سئل غوارديولا عن تقنية حكم الفيديو المساعد بعد نهاية المباراة، رد قائلاً: «لقد كانت ركلة جزاء، وكان الحكام بحاجة إلى مزيد من المساعدة».
وعلى بُعد أكثر من ألف ميل من ملعب مباراة مانشستر سيتي وشالكة، كانت تقنية حكم الفيديو المساعد حاضرة أيضاً بقوة على ملعب «واندا ميتروبوليتانو»، الذي احتضن مباراة أتليتكو مدريد الإسباني ويوفنتوس الإيطالي، حيث احتسب الحكم في البداية ركلة جزاء لصالح أتليتكو مدريد عندما تعرض دييغو كوستا للعرقلة، قبل أن يلجأ حكم المباراة إلى تقنية حكم الفيديو المساعد ويقرر احتساب الكرة خطأ من خارج منطقة الجزاء. وتكرر الأمر أيضاً في لعبة خطيرة لألفارو موراتا.
وبالتالي، لو لم تنتهِ المباراة بفوز أتليتكو مدريد بهدفين دون رد، لظل جمهور النادي يندب حظه ويشكو من تقنية حكم الفيديو المساعد التي حرمت الفريق من هدفين محققين. ومن المؤكد أن متعة كرة القدم تكمن دائماً في الإثارة واختلاف الآراء، ويجب تأكيد أن تقنية حكم الفيديو المساعد ستكون أفضل بكثير مع مرور الوقت وإدخال التجهيزات المطلوبة.


مقالات ذات صلة

الخليج يتعاقد مع عبد الله العمار حتى 2028

رياضة سعودية عبد الله العمار (رابطة الدوري السعودي)

الخليج يتعاقد مع عبد الله العمار حتى 2028

أعلن نادي الخليج، المنافس في الدوري السعودي لكرة القدم، اليوم (الاثنين)، تعاقده مع اللاعب عبد الله العمار، لدعم صفوف الفريق الأول بعقد يمتد حتى 2028.

علي القطان (الدمام)
رياضة عالمية يوليان ناغلسمان (أ.ف.ب)

ناغلسمان يدعم ساني رغم استمرار صيامه التهديفي في البطولات

أبدى يوليان ناغلسمان، المدير الفني للمنتخب الألماني لكرة القدم، دعمه الجناح ليروي ساني، رغم استمرار صيامه عن التهديف في البطولات الكبرى...

«الشرق الأوسط» (هيوستن (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الصحافة الأوروغوانية نفسها تتحدث عن سلسلة من الأزمات (أ.ف.ب)

«الفوضى اللوجستية» تقلق منتخب الأوروغواي قبل مواجهة السعودية

قبل ساعات من انطلاق مشوارها في كأس العالم 2026 بمواجهة السعودية، لم تكن التحضيرات داخل معسكر الأوروغواي مثالية كما كانت تأمل الجماهير.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عربية المنتخب التونسي دفع ثمن البداية المتحفظة (أ.ب)

صدمة مونديالية في تونس... دعوات للتغيير وأنباء عن إقالة لموشي

خيَّمت خيبة الأمل على الصحافة التونسية، عقب الخسارة الثقيلة التي تعرض لها المنتخب التونسي أمام السويد بنتيجة 5-1، في افتتاح مشواره بكأس العالم.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عالمية جوردان بيكفورد (أ.ب)

حارس إنجلترا: توخيل سيرفع مستوى الخطابات التحفيزية في المونديال

يتوقع جوردان بيكفورد، حارس مرمى المنتخب الإنجليزي لكرة القدم، أن يرفع توماس توخيل، المدير الفني، من مستوى خطبه التحفيزية خلال بطولة كأس العالم هذا الصيف.

«الشرق الأوسط» (كانساس)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.