«أهمية ساني» على رأس دروس كثيرة يجب أن يتعلمها غوارديولا من مواجهة شالكة

نجاح سيتي في تحويل تأخره إلى فوز أدى إلى تأجيل أسئلة متعلقة بأداء الفريق الإنجليزي في دوري الأبطال

ساني (يمين) وركلته الحرة التي قلبت الموازين
ساني (يمين) وركلته الحرة التي قلبت الموازين
TT

«أهمية ساني» على رأس دروس كثيرة يجب أن يتعلمها غوارديولا من مواجهة شالكة

ساني (يمين) وركلته الحرة التي قلبت الموازين
ساني (يمين) وركلته الحرة التي قلبت الموازين

إذا كان المدير الفني لمانشستر سيتي جوسيب غوارديولا، قد تعلم شيئاً من مباراة فريقه أمام شالكة الألماني في دور الستة عشر بدوري أبطال أوروبا، فإنه سيكون متعلقاً بالنجم الألماني الشاب ليروي ساني، الذي قرر غوارديولا أن يبقيه على مقاعد البدلاء ولم يدفع به في التشكيلة الأساسية على ملعب «فيلتينس آرينا». وبعيداً عن أي اعتبارات خططية أو تكتيكية، كان قرار غوارديولا يبدو غير منطقي في هذا الشأن، قبل أن يقرر المدير الفني الإسباني تصحيح خطئه ويشرك ساني الذي أسهم في قلب نتيجة المباراة ومساعدة فريقه على تحقيق الفوز بعدما كان متأخراً.
وقبل نهاية المباراة بخمس دقائق فقط، كان مانشستر سيتي متأخراً بهدفين مقابل هدف وحيد، وهي النتيجة التي كان من شأنها أن تؤثر كثيراً على مسيرة الفريق في بطولة دوري أبطال أوروبا، خصوصاً أن مانشستر سيتي دخل هذه المباراة بعد أن تكبد الخسارة في خمس مباريات من آخر ثماني مباريات خاضها خارج ملعبه في إطار الأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا. وبالتالي، كان تحقيق الفوز في هذه المباراة أمراً في غاية الأهمية بالنسبة إلى النادي الإنجليزي. صحيح أن خسارة مانشستر سيتي بفارق هدف وحيد خارج ملعبه كانت ستعطيه فرصة كبيرة أيضاً في التأهل لأنه سيلعب المباراة القادمة على ملعبه وبين جماهيره، لكن تحقيق الفوز في ألمانيا بالهدف القاتل الذي أحرزه الجناح الإنجليزي رحيم سترلينغ في آخر دقيقة من عمر المباراة قد أجل الكثير من الأسئلة التي كانت ستُطرح حول أداء ونتائج الفريق في دوري أبطال أوروبا.
وقد أثير عدد من التساؤلات بالفعل قبل بداية المباراة، حيث سُئل غوارديولا يوم الثلاثاء عما إذا كان فشله في الحصول على لقب دوري أبطال أوروبا على مدى السنوات الثماني الماضية يعود إلى أنه قد حصل على هذه البطولة مع فريق برشلونة الذي كان مدججاً بالنجوم، وعلى رأسهم النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ونجما المنتخب الإسباني تشافي هيرنانديز وإنيستا، في ذلك الوقت. ورد غوارديولا وهو يضحك قائلاً: «أنا آسف، لقد كنت حظوظاً».
وقد كان هذا هو الوقت المناسب بالنسبة إلى غوارديولا لكي يثبت أنه المدير الفني الأبرز في عالم كرة القدم خلال العقد الماضي. لكن شالكة دخل تلك المباراة بحماس كبير، مدفوعاً بالأداء الجيد الذي يقدمه في الدوري الألماني الممتاز هذا الموسم، في الوقت الذي كان يسعى فيه مانشستر سيتي لمواصلة صحوته وأدائه المبهر خلال المباريات الأخيرة. ورغم أن غوارديولا قد نجح في قيادة فريقه لتحقيق الفوز، فإنه قال بعد نهاية المباراة: «لسنا مستعدين للقتال حتى المراحل الأخيرة». وفي الحقيقة، كان هناك عدد من المؤشرات على أنه كان صادقاً في تقييمه لأداء فريقه في هذه المباراة.
وتقدم مانشستر سيتي بهدف مبكر، قبل أن يعود الفريق الألماني ويحرز هدفين من ركلتي جزاء من توقيع نبيل بن طالب. وهنا تظهر مشكلة واضحة للغاية في أداء مانشستر سيتي وتتلخص في أنه عندما ينجح الفريق في التقدم مبكراً فإنه يفقد كثيراً من تركيزه. وقد تكرر هذا الأمر خلال مباراة الفريق أمام نيوكاسل يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز عندما تقدم المهاجم الأرجنتيني سيرجيو أغويرو بهدف مبكر في بداية المباراة، كما تكرر أمام كريستال بالاس وليستر سيتي أيضاً.
وقبل هدف التعادل الذي أحرزه بن طالب، سمح مانشستر سيتي للاعبي شالكة بشن هجمات خطيرة، وهو الأمر الذي لم يكن نادٍ مثل برشلونة خلال الفترة بين موسمي 2009 و2011 يسمح به للفرق التي يواجهها عندما كان يهيمن على البطولات المحلية والأوروبية. لكن مانشستر سيتي لديه الآن ليروي ساني، الذي ربما لم يقد الفريق بعد للحصول على بطولة أوروبية، لكنه يقدم مستويات رائعة تنبئ بأنه قد يصل يوماً ما إلى المستوى الكبير الذي كان يقدمه نجوم برشلونة تحت قيادة غوارديولا، ولذا استعان به غوارديولا عندما ازدادت الأمور صعوبة من أجل فك شفرات دفاع الفريق الألماني.
وقد أظهرت مباراة مانشستر سيتي أمام شالكة أن تقنية حكم الفيديو المساعد لم تصل بعد إلى المستوى المأمول، لكنها على أي حال باتت ضرورة ملحة في عالم كرة القدم. وظل السؤال الذي يطرحه الجميع هو: هل تقنية حكم الفيديو المساعد مهزلة أم دفعة كبيرة لكرة القدم؟ وللإجابة عن هذا السؤال يمكن الاستشهاد بما حدث بعد مرور 35 دقيقة من عمر مباراة مانشستر سيتي أمام شالكة. فعندما اصطدمت كرة دانيل كاليغوري بالذراع اليمنى لنيكولاس أوتاميندي، لجأ حكم المباراة إلى تقنية حكم الفيديو المساعد. وقد أدى هذا الأمر إلى توقف المباراة لنحو ثلاث دقائق قبل أن يخبر حكام تقنية الفيديو الموجودين في الاستوديو حكم المباراة بأنه يتعين عليه أن يحتسب ركلة جزاء.
وقد أدى هذا الأمر إلى حالة من الجدل الشديد على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب عدم وجود شاشة بجوار خط تماس الملعب بحيث يمكن للحكم رؤية اللعبة مباشرة، وهو الأمر الذي سبب إحراجاً كبيراً لمسؤولي الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا). لكن الشيء المؤكد هو أن هذه المشكلة ستختفي بمجرد أن يتخذ الاتحاد الأوروبي الإجراءات كافة التي تضمن وجود الشاشات وجميع الأدوات المطلوبة لاستخدام هذه التقنية.
لكنّ هناك مشكلة أخرى تتعلق بما إذا كان القرار الذي اتخذه حكم المباراة باحتساب ركلة جزاء صحيحاً أم لا، حيث يرى البعض أن أي حركة يقوم بها أي لاعب قد تبدو «متعمدة» عندما يتم إعادتها بالتصوير البطيء ومن زوايا مختلفة. وفي حالة أوتاميندي، هل كانت هناك فرصة أمام اللاعب لإبعاد يديه عن طريق الكرة التي سددها كاليغوري؟ لكن هذا هو جمال تقنية حكم الفيديو المساعد، لأن كرة القدم كأي لعبة رياضية أخرى تدور حول لحظات من الإثارة والمتعة وتقدم نقاطاً وأموراً تظل مثيرة للجدل حتى بعد نهاية المباراة.
دعونا نتفق في البداية على أنه لا يوجد شيء كامل ومثالي، لكن أن تجلس في ملعب شالكة في مباراة مهمة في دوري أبطال أوروبا وتنتظر لتعرف ما إذا كان الفريق الخاسر سيحصل على فرصة لإحراز هدف التعادل أم لا، هو أمر مثير للغاية في حقيقة الأمر.
وعندما وصل القرار لحكم المباراة لم يكن أحد يعرف ما الذي سيحدث بالضبط، وهو ما يزيد الأمر إثارة ومتعة أيضاً. وفي النهاية، احتسب حكم المباراة ركلة جزاء لصالح نادي شالكة، وأحرز نبيل بن طالب هدف التعادل. وعندما سئل غوارديولا عن تقنية حكم الفيديو المساعد بعد نهاية المباراة، رد قائلاً: «لقد كانت ركلة جزاء، وكان الحكام بحاجة إلى مزيد من المساعدة».
وعلى بُعد أكثر من ألف ميل من ملعب مباراة مانشستر سيتي وشالكة، كانت تقنية حكم الفيديو المساعد حاضرة أيضاً بقوة على ملعب «واندا ميتروبوليتانو»، الذي احتضن مباراة أتليتكو مدريد الإسباني ويوفنتوس الإيطالي، حيث احتسب الحكم في البداية ركلة جزاء لصالح أتليتكو مدريد عندما تعرض دييغو كوستا للعرقلة، قبل أن يلجأ حكم المباراة إلى تقنية حكم الفيديو المساعد ويقرر احتساب الكرة خطأ من خارج منطقة الجزاء. وتكرر الأمر أيضاً في لعبة خطيرة لألفارو موراتا.
وبالتالي، لو لم تنتهِ المباراة بفوز أتليتكو مدريد بهدفين دون رد، لظل جمهور النادي يندب حظه ويشكو من تقنية حكم الفيديو المساعد التي حرمت الفريق من هدفين محققين. ومن المؤكد أن متعة كرة القدم تكمن دائماً في الإثارة واختلاف الآراء، ويجب تأكيد أن تقنية حكم الفيديو المساعد ستكون أفضل بكثير مع مرور الوقت وإدخال التجهيزات المطلوبة.


مقالات ذات صلة

بنود أداء في عقد توخيل قد تهدد استمراره مع إنجلترا

رياضة عالمية توماس توخيل (د.ب.أ)

بنود أداء في عقد توخيل قد تهدد استمراره مع إنجلترا

يتضمن العقد الجديد الذي وقّعه توماس توخيل مع المنتخب الإنجليزي لكرة القدم بنوداً مرتبطة بالأداء في «كأس العالم»>

«الشرق الأوسط» (لندن )
رياضة عالمية داني أولمو (أ.ف.ب)

داني أولمو... حكاية موهبة إسبانية وُلدت في ملاعب كرواتيا

يستعد نجم خط وسط منتخب إسبانيا، داني أولمو، لخوض التجربة الأهم في مسيرته الرياضية، عندما يواجه الأرجنتين في نهائي «كأس العالم 2026»، الأحد المقبل.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
رياضة عالمية متحدث باسم داونينغ ستريت قال إنه قد لا تكون كأس العالم لنا لكن جزر فوكلاند بالتأكيد لنا (أ.ب)

داونينغ ستريت: قد لا تكون «كأس العالم» لنا... لكن «جزر فوكلاند» قطعاً لنا

دعا وزير الأعمال البريطاني بيتر كايل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لفتح تحقيق بعدما رفع لاعبو الأرجنتين لافتة كُتب عليها «جزر مالفيناس (فوكلاند) أرجنتينية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية نهائي كأس العالم بألوان «أديداس» بعد خروج جميع منتخبات «نايكي» (أ.ب)

نهائي كأس العالم بألوان «أديداس» بعد خروج جميع منتخبات «نايكي»

سيغيب شعار «سووش» الشهير ‌لشركة «نايكي» بصورة لافتة عن المشهد في نهائي كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة) )
رياضة سعودية حدد الاتحاد السعودي لكرة القدم البرنامج الزمني للانتخابات (الاتحاد السعودي)

رسمياً... 30 أغسطس موعداً لانتخابات الاتحاد السعودي لكرة القدم

أعلنت لجنة انتخابات مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم اليوم (الخميس)، البرنامج الزمني لانتخابات الدورة السادسة (2026-2030).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.