بودلير وجرح الطفولة الذي لم يندمل

شارل بودلير
شارل بودلير
TT

بودلير وجرح الطفولة الذي لم يندمل

شارل بودلير
شارل بودلير

هل تشعرون بالضجر هذا الصيف؟ هل تشعرون بالحاجة للانفصال عن الزمن العربي الحالي أو الهروب منه بأي شكل؟ أنصحكم وأنصح نفسي بأن نفتح الكتب النثرية لشارل بودلير حيث يعبر عن لواعجه وهمومه بشكل مباشر وحي. أنا واثق أنه سيعزيكم كثيرا. في عصر بودلير لم يكن هناك هاتف جوال ولا إيميل ولا إنترنت ولا أي نوع من أنواع الاتصالات الحديثة المنتشرة هذه الأيام. وبالتالي فكانت الرسالة المخطوطة باليد والمرسلة بالبريد هي الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الآخرين. وكانت تستغرق عدة أيام أو حتى عدة أسابيع لكي تصل. أما الآن فبنقرة واحدة تتواصل مع زوايا العالم الأربع. بل نحن قبل عشر سنوات فقط كنا لا نزال نمارس نفس الشيء. والآن أصبحوا يضحكون عليك إذا ما فكرت بإرسال رسالة بالبريد. أصبحت الرسائل القديمة تبدو كأنها تعود إلى العصر الحجري، إلى عصر ما قبل التاريخ.
ينبغي العلم بأن رسائل بودلير ذات أهمية كبرى. لماذا؟ لأنها تنضح بذاتيته المتوترة وتخبطاته الشخصية وتناقضاته التي لا حل لها اللهم إلا عندما تنفجر بالقصيدة العبقرية. بودلير موجود في رسائله كما هو موجود في ديوانه الشهير: أزهار الشر. بل إنه موجود فيها بشكل أفضل إذا جاز التعبير: أي بشكل أوضح لأنه متحرر من الوسائطية المعقدة واللامباشرة للفن. إنه موجود أيضا في كتابه الجميل «قلبي العاري» الذي يتخذ طابع السيرة الذاتية. وقد افتخر به مرة في رسالة إلى أمه قائلا: «أنا الآن بصدد تأليف كتاب سوف يجعل اعترافات جان جاك روسو باهتة»! ومعلوم أن اعترافات روسو رائعة أدبية عقدت كل أدباء فرنسا ومعظمهم حاول تقليدها أو الارتفاع إلى مستواها ولكن هيهات.. وحده شاتو بريان خرج من عملية المحاكاة بشكل مشرف إذ ألف كتابه الشهير: «مذكرات ما وراء القبر». ومع ذلك تبقى اعترافات روسو الخالدة أعظم وأهم.
بعد قراءة رسائل بودلير نخرج بالانطباع التالي: لقد كان شخصا محبطا إلى أقصى الحدود. كان يريد ما لا يستطيع. وربما كان يستطيع ما لا يريد: تدمير نفسه مثلا أو الإغراق في الشرب والمخدرات ثم الندم على ذلك وتبكيت الضمير حيث لا ينفع الندم.. باختصار كان يتمنى لو أنه شخص آخر: أي شخص إيجابي ناجح في الحياة. ولكنه كان ينتكس في كل مرة. كل محاولاته باءت بالفشل الذريع. إنها محاولات سيزيفية بالمعنى الحرفي للكلمة. من هنا ذلك التشاؤم الأسود الذي يطغى على عالمه أو أجوائه النفسية. بودلير شخص محبط، فاشل، مهزوم سلفا. وعن هذا الإحباط والفشل نتج الشعر كأعظم ما يكون! هل يعني ذلك أنه لكي تنجح في الأدب ينبغي أن تفشل في الحياة؟ هذا ما يعتقده جان بول سارتر وربما التحليل النفسي كله. فهو كان يريد أن يشتغل ولكنه لا يجد عملا. ثم على فرض أنه وجده لا يستطيع الدوام في الإدارات قبل الظهر وبعد الظهر كما يفعل معظم الناس. فاضطر إلى أن يعيش حياة البطالة والعطالة والتسكع في الشوارع. هذه هي وظيفته الوحيدة. ولكن هل كان سيصبح شاعرا لولا تلك التسكعات المجانية في شوارع باريس؟ كان بودلير يشعر بالحاجة إلى تبرير نفسه أمام أمه بشكل خاص. وكانت امرأة تقليدية بورجوازية تخجل به أمام الناس لأنه شخص فاشل لم يصل إلى أي مركز مرموق في المجتمع. لقد خيب كل الآمال التي علقتها عليه. لم تكن تعرف من هو. لم تكن تعرف أن ابنها أكبر شاعر في تاريخ فرنسا. أو قل بأنها عرفت ذلك ولكن بعد فوات الأوان. بعد عمره القصير (47 سنة) ووفاته شعرت فجأة بقيمته فبكته دما مرا. وكانت شهرته قد ابتدأت تنطلق وتشق الآفاق.. بودلير لم يشتهر في حياته ولذلك تنطبق عليه كلمة نيتشه: «هناك أناس يولدون بعد موتهم». كان الإحساس بالذنب يلاحق شارل بودلير باستمرار فيئن تحت وطأته. وفي أثناء ذلك كان يكتب أشعاره الخالدة. كان الحظ العاثر يلاحقه باستمرار إلى درجة أنه راح يتماهى مع واحد أتعس منه: إنه الكاتب الأميركي الشهير ادغار آلان بو. ومعلوم أنه أمضى قسما كبيرا من حياته في ترجمة مؤلفاته إلى اللغة الفرنسية وتقديمها والتعليق عليها. بودلير اشتهر كمترجم أولا قبل أن يعرف كشاعر لاحقا. في بعض رسائله كان يقول: «أعتقد أنه من الأفضل أن يعاني الناس الطيبون، الناس الأبرياء».. فالمعاناة هي كنزهم الوحيد الذي يتمايزون به عن بقية البشر. في الواقع أن تجربته في الحياة أثبتت له أن الإنسان الطيب تدوسه الناس في الغالب وتتآلب عليه. وبالتالي فينبغي أن يتحمل مسؤوليته ويقبل قدره ومصيره كإنسان مغلوب ومقهور. بمعنى من المعاني كان بودلير يقول في قرارة نفسه: اللهم اجعلني مظلوما لا ظالما. وذلك لأن المظلوم يتفوق على الظالم في نقطة أساسية: وهي أن ضميره مرتاح. ثم إن أعماقه الإنسانية أغلى من الذهب. ما معنى شخص مفرغ من المشاعر الإنسانية؟ ولذلك فإن بودلير كان يشعر بالانسحاق عندما يرى امرأة فقيرة تقف على أبواب المطاعم وعلى ذراعها طفل صغير جائع. كان يتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته ولا يرى هذا المشهد. كان يتمنى لو أنه غني لكي يعطيها كل فلوسه ويشعر بسعادة ما بعدها سعادة. هنا تكمن أعماق بودلير الحقيقية. كان إنسانا شارل بودلير!

بودلير والأكاديمية الفرنسية!

هل تريدون أن تضحكوا؟ هل تريدون أن تموتوا من الضحك؟ إذن اقرأوا قصة ترشحه للأكاديمية الفرنسية. لا أحد يعرف ما الذي «دعس على ذنبه» ودفعه إلى ترشيح نفسه وحظه يساوي الصفر أو أقل من الصفر! فقط الرغبة في الاستهزاء بأدباء فرنسا الرسميين التافهين في ذلك الزمان وفي كل زمان. بودلير، ككل مبدع كبير، كان يشعر بالخواء العدمي يكتسحه من الداخل اكتساحا. كان يكتب على حافة الهاوية ويعاني معاناة قاتلة. كان يعرف أنه مدان سلفا ولا منفذ ولا نجاة. اللهم إلا القصيدة عندما تنفجر من أعماقك انفجارا.. وهذا شيء لا يعرفه الكتاب الصغار أو أعضاء الأكاديميات الفارغون. ولذا فقد كان يشعر بالحاجة إلى التسلية، إلى الترفيه عن نفسه.. نعم كان يتحول أحيانا إلى شخص عبثي أو ساخر متهكم بالمؤسسات والوجاهات والمقامات. كان يجد متعة كبيرة في الاستهزاء بأولئك الذين يأخذون أنفسهم على محمل الجد وهم ليسوا شيئا في نهاية المطاف. وإلا فكيف يمكن أن نفهم سر ترشحه إلى الأكاديمية الفرنسية التي لا تضم إلا المستحاثات والديناصورات؟ هناك استثناءات بالطبع. فقد رشح نفسه وهو لا يزال كاتبا مغمورا وغير معترف به من قبل الأوساط الأكاديمية «المحترمة» بين قوسين. هذا أقل ما يمكن أن يقال. بل إن سمعته كانت «حامضة» إذا جاز التعبير. فهو مؤلف ديوان شعر مدان من قبل محاكم باريس بتهمة «الإساءة إلى الدين والأخلاق والقيم الحسنة». وهو مترجم لشاعر أميركي منبوذ مجرد ذكر اسمه يثير القرف والذعر في الأوساط الراقية.. وهو كاتب لا يجد ناشرا إلا بشق النفس. ومع ذلك فإنه يتجرأ على ترشيح نفسه إلى قدس الأقداس: الأكاديمية الفرنسية! في الواقع أنه فعل ذلك على سبيل الاستفزاز والإثارة ليس إلا. وقد كتب رسالة إلى فلوبير يخبره فيها بهذا الترشيح ويقول له «بأنه ارتكب حماقة جنونية فعلا ولكنه لا يستطيع التراجع عنها». ربما كان يريد أن يثير فضيحة في الأوساط الأدبية الباريسية. ربما كان يريد تحريك المستنقع الآسن ليس إلا. فالنتيجة معروفة سلفا: الرفض القاطع لشخص مثله يقف خارج كل الأعراف والتقاليد، شخص هامشي منبوذ لا هم له إلا التسكع في شوارع العاصمة والتردد على حاناتها ومواخيرها.. ولكن الشيء الذي يذكر هو أن معظم أعضاء الأكاديمية الفرنسية نسيت أسماؤهم الآن وكأنهم لم يوجدوا قط. هل سمعتم باسم شخص يدعى آبيل فيلمان؟ أو يوجين سكريب؟ أو جول ساندرو؟ أو إميل أوجيه؟ إلخ.. أتحداكم أن تجدوا لهم ذكرا حتى في أكبر القواميس والموسوعات. إنهم لا شيء، إنهم نكرة أو نكرات. ومع ذلك فهم الذين كانوا يتربعون على عرش الأكاديمية وليس شارل بودلير: مجد الآداب الفرنسية! بالمناسبة من شاء أن يطلع على القصة بحذافيرها ويقضي صيفا ولا أروع فليقرأ تلك الرواية «البوليسية» المكرسة كليا لهذا الموضوع: «كتاب التهريج: بودلير في الأكاديمية الفرنسية». تأليف ألين س. ويس.. منشورات سوي. باريس 2009.
أخيرا هل كان بودلير يريد أن يخسر الحياة، أن يفشل في الحياة، أن ينتحر، أن يجن، لكي يخلص لقضية واحدة هي: قضية الأدب والشعر؟ يحق لنا أن نطرح هذا السؤال، بل وينبغي أن نطرحه. فميوله إلى تدمير ذاته واضحة وليست بحاجة إلى برهان. وبهذا الصدد يمكن أن نؤلف كتابا ضخما بعنوان: «بودلير والتدمير الذاتي للذات». ولكنه ينطبق على آخرين. ماذا فعل نيتشه؟ ماذا فعل دوستيوفسكي؟ أو كيركيغارد؟ أو.. أو كافكا؟ إلخ.. يمكن القول بأن بودلير فعل كل شيء لكي يفشل، لكي يصبح مرفوضا ومنبوذا من قبل المجتمع. يقول في رسالة كتبها إلى أمه عام 1848: «الآن عمري ثمانية وعشرون عاما إلا أربعة أشهر. أشعر بأني أمتلك طموحا شعريا هائلا. ولكن في ذات الوقت أشعر بأني منفصل إلى الأبد عن المجتمع، عن العالم (المحترم). تفصلني عنه مذاقاتي ومبادئي ولكن لا يهم.. فأنا أجسد أحلامي الأدبية وبتجسيدي لها أحقق واجبا، أو ما أعتقد أنه واجب، وذلك على حساب تلك الأفكار السوقية المتمثلة بالوجاهات والمقامات والثروة والحظوة إلخ..».
الأمور واضحة إذن منذ البداية بالنسبة لبودلير: إنه لا يستطيع أن يرضي المجتمع من جهة، ثم الأدب والشعر من جهة أخرى. عليه أن يختار. وقد حسم أمره واختار قضية الشعر كأعظم قضية في الوجود. أو قل بأنها هي التي اختارته.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.