عُقد روسية ـ تركية أمام «اتفاق أضنة» و«مثلث الشمال» السوري

الأمم المتحدة تقترح ستة أسماء على قائمة «الضامنين» في اللجنة الدستورية

ازالة آثار الدمار في حي صلاح الدين في حلب شمال سوريا (أ.ف.ب)
ازالة آثار الدمار في حي صلاح الدين في حلب شمال سوريا (أ.ف.ب)
TT

عُقد روسية ـ تركية أمام «اتفاق أضنة» و«مثلث الشمال» السوري

ازالة آثار الدمار في حي صلاح الدين في حلب شمال سوريا (أ.ف.ب)
ازالة آثار الدمار في حي صلاح الدين في حلب شمال سوريا (أ.ف.ب)

تكثفت الاتصالات بين موسكو والمبعوث الدولي الجديد غير بيدرسون للاتفاق على تغيير ستة أسماء في قائمة «المجتمع المدني» التي اقترحتها الدول «الضامنة» الثلاث لعملية آستانة - سوتشي (روسيا، وتركيا، وإيران)، وتشكيل اللجنة الدستورية السورية، باعتبار أن هذا هو «الإنجاز» الوحيد للقمة الثلاثية الأخيرة في سوتشي.
وتناولت قمة الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب إردوغان، والإيراني حسن روحاني في المنتجع الروسي الأسبوع الماضي، ثلاثة ملفات: اللجنة الدستورية السورية، والمنطقة الأمنية شمال شرقي سوريا، ومستقبل «مثلث الشمال» الذي يضم إدلب وأرياف حلب الغربي وحماة الشمال واللاذقية الشرقي. وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط»: إن العُقد لا تزال قائمة في ملفي «المنطقة الأمنية» وإدلب، اللذين تم ترحيلهما إلى ما بعد الانتخابات المحلية التركية في نهاية مارس (آذار) المقبل، مقابل تقدم جزئي في اللجنة الدستورية.

- اللجنة الدستورية
أظهرت موسكو «انفتاحاً» بقبول ترشيح بيدرسون ستة أسماء إلى القائمة الثالثة الروسية - التركية - الإيرانية التي تضم 50 مرشحاً، إلى جانب قائمتي الحكومة والمعارضة التي تضم كلاً منهما خمسين مرشحاً. وقال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، أمس: «يجري حالياً تنسيق أسماء المرشحين في القائمة الثالثة للجنة الدستورية، التي يفترض أن تضم ممثلين عن المجتمع المدني»، مشيراً إلى أن «الأمم المتحدة تصر على استبدال 6 مرشحين سجلت أسماؤهم في القائمة الأصل. نأمل أن تنتهي العملية في أسرع وقت ممكن».
كانت دمشق رفضت قائمة وضعها المبعوث الدولي السابق ستيفان دي ميستورا، وضمت 50 اسماً من ممثلي المجتمع المدني. وتقدمت الدول «الضامنة» في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي لائحة بديلة وافقت عليها دمشق، لكن دي ميستورا رفضها قبل ترك منصبه، خصوصاً أنها لم تشمل أسماء اشتغلت على الدستور السوري في السنوات الأخيرة، وهي مختصة به.
وبقيت قائمة «الضامنين» الثلاثة على طاولة المداولات إلى أن بلغ الأمر أن اقترحت موسكو على المبعوث الدولي الجديد تغيير ستة أسماء، الأمر الذي فعله قبل أيام.
وبحسب مسؤولين غربيين ومعارضين سوريين، فإن بيدرسون، الذي سيقدم إحاطة إلى مجلس الأمن خلال أيام ويزور بروكسل خلال ساعات، أبلغ محاوريه بأنه متمسك بثلاثة أمور: تنفيذ المهمة الأممية الموكلة إليه بموجب القرار 2254، وبحث موضوع «الحكم»، وتشكيل لجنة دستورية وأهمية عملها في «بيئة محايدة»؛ الأمر الذي فسره معارضون بأنه يتناول المعتقلين والعمل السياسي والدور الحيادي لأجهزة الأمن والجيش.
وكان الرئيس بشار الأسد قال في كلمة قبل أيام: «الدستور هو مصير البلد، وبالتالي هو غير خاضع لأي مساومات أو مجاملات وأي تهاون فيه قد يكون ثمنه أكبر من ثمن الحرب نفسها». وأضاف: إن دور الأمم المتحدة محل ترحيب ما دام يحترم سيادة البلاد. ووصف مسؤولي المعارضة الذين تم اختيارهم للجنة الدستورية بأنهم «عملاء» تركيا.
بموجب عملية آستانة ومؤتمر الحوار السوري في بداية العام الماضي، تكفلت موسكو تسليم دي ميستورا مرشحي الحكومة، في حين تولت تركيا تسليم قائمة مرشحي المعارضة إلى دي ميستورا الذي كانت أوكلت إليه مهمة تشكيل «القائمة الثالثة». ولوحظ أن واشنطن بدأت في الفترة الأخيرة تدعم تشكيل اللجنة الدستورية بموافقة دي ميستورا.

- اتفاق أضنة
حضر موضوع الانسحاب الأميركي من شرق سوريا، على طاولة القمة الثلاثية في سوتشي الأسبوع الماضي. كان هناك «ترحيب حذر» من الدول الثلاث، لكن الملف الأهم كان هو بحث «ملء الفراغ»؛ إذ إن الرئيس بوتين اقترح على إردوغان تفعيل «اتفاق أضنة» بين أنقرة ودمشق بعد انسحاب أميركا من سوريا، خياراً بديلاً من عمل تركيا مع أميركا لإقامة «منطقة أمنية».
بحسب المصادر، فإن الرئيس إردوغان رفض تضمين الإشارة إلى «اتفاق أضنة» في بيان سوتشي الأخير، حيث جرى الاكتفاء بترحيب كل من الرئيسين بوتين وإردوغان في شكل انفرادي بتنفيذ الاتفاق.
ويسمح «اتفاق أضنة» الذي يعود إلى عام 1998 بقيام الجيش التركي بملاحقة «حزب العمال الكردستاني» بعمق خمسة كيلومترات شمال سوريا، وتشغيل خط ساخن بين أجهزة الأمن، وتعيين ضباط أمن في سفارتي البلدين.
وقالت المصادر: إن هناك نقطتي خلاف حول «اتفاق أضنة»: عمق التوغل التركي وطبيعة التنسيق بين أنقرة ودمشق. تريد تركيا أن يكون عمق التوغل يوازي المعروض عليها أميركياً، أي 28 - 32 كيلومتراً شمال سوريا وليس خمسة كيلومترات كما تقترح موسكو. في المقابل، تصر روسيا على قيام علاقات سياسية بين أنقرة ودمشق، في حين يرفض الجانب التركي «التطبيع السياسي» مع دمشق قبل الحل السياسي، لكنه يوافق على «تعاون أمني» بين الأجهزة المختصة.
ولا تزال أنقرة تترك خيار «المنطقة الأمنية» قائماً في محادثاتها مع واشنطن، حيث وصل إلى العاصمة الأميركية وفد عسكري تركي لإجراء مزيد من المحادثات لحل العقد القائمة: مصير «وحدات حماية الشعب» الكردية، عمق التوغل التركي، حماية هذه المنطقة، الانتشار على الحدود.

- «مثلث الشمال»
لم يحصل الرئيس بوتين على ما أراد من قمة سوتشي لجهة إعطاء شرعية لقيام قوات الحكومة السورية بـ«قضم» مناطق في شمال غربي سوريا. وبحسب المصادر، فإن الوفد التركي رفض الإشارة المباشرة في البيان الختامي إلى «هيئة تحرير الشام»، إضافة إلى رفضه الحديث في شكل واضح حول القيام بدوريات مشتركة في الشمال.
لكن الضغط السياسي الروسي مستمر على أنقرة؛ إذ إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال في ميونيخ قبل أيام: إن قمة سوتشي أقرت مبدأ «الخطوة خطوة» لمعالجة ملف الشمال، وإنه لا بد من «القضاء على بؤر الإرهاب». كما أكد بوغدانوف أمس «حتمية العملية العسكرية ضد الإرهابيين في إدلب وإنهاء سيطرتهم على المنطقة». وزاد: «إنه أمر لا مفر منه؛ لأن أولئك الذين لا يتخلون عن الإرهاب، ينبغي بالطبع القضاء عليهم».
ومن المقرر أن يجتمع مسؤولون عسكريون وأمنيون وأتراك للاتفاق على خطوات محددة، بينها موضوع الدوريات المشتركة. أنقرة ترفض ذلك، لكنها موافقة على «دوريات متوازية» بحيث تسير الدوريات الروسية في جانب مناطق الحكومة، في حين تنتشر دوريات الجيش التركي في مناطق المعارضة. ولوحظ قبل يومين أن الجيش التركي اتخذ إجراءات في نقطة مراقبة تابعة له في شمال حماة، بينها إنارة القاعدة، في إشارة إلى بقائها.
وتواصل قوات الحكومة شن غارات على مناطق عدة في شمال غربي سوريا، خصوصاً على خان شيخون ومعرة النعمان، وسط أنباء عن ضغط من دمشق للسيطرة على الطريق الرئيسي بين حماة وحلب الذي يمر بخان شيخون ومعرة النعمان وسراقب، إضافة إلى توقعات لـ«قضم» في مناطق بين جسر الشغور واللاذقية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.