واشنطن: العنف ضد المتظاهرين يهدد جهود إخراج السودان من قائمة الإرهاب

مظاهرات بمشاركة قادة المعارضة... والأمن يوصد الباب أمام أي مبادرة سلمية

واشنطن: العنف ضد المتظاهرين يهدد جهود إخراج السودان من قائمة الإرهاب
TT

واشنطن: العنف ضد المتظاهرين يهدد جهود إخراج السودان من قائمة الإرهاب

واشنطن: العنف ضد المتظاهرين يهدد جهود إخراج السودان من قائمة الإرهاب

رهن مسؤول أميركي بارز، يزور الخرطوم حالياً، حذف اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بوقف العنف ضد المتظاهرين السلميين، فيما منع عمّال غاضبون في بورتسودان (شرق) أحد مساعدي الرئيس عمر البشير ومرافقيه، من دخول الميناء، في تصعيد جديد للمحتجين هناك.
وتستعد مدن سودانية اليوم للخروج في موكب ينظمه «تجمع المهنيين السودانيين» والقوى الحليفة معه باسم «موكب التنحي»، ينتظر أن يشارك فيه قادة المعارضة علنّاً للمرة الأولى منذ اندلاع الاحتجاجات.
وحذر مدير شؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، سيريل سارتور، الذي يزور الخرطوم، من أن «العنف المفرط» الذي تستخدمه قوات الأمن السودانية، لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة، يمكن أن يهدد المحادثات لشطب السودان من قائمة واشنطن للدول الراعية للإرهاب.
ويشهد السودان منذ شهرين حركة احتجاجية شبه يومية، إثر قرار الحكومة رفع سعر الخبز. وسرعان ما تحولت هذه الحركة إلى مظاهرات تطالب بإسقاط الرئيس عمر البشير. وقال سارتور لوكالة الصحافة الفرنسية: «من غير المقبول مطلقاً أن تستخدم قوات الأمن القوة المفرطة لقمع المتظاهرين، إضافة إلى التوقيفات من دون اتهامات، وكذلك اللجوء إلى العنف والتعذيب». وأضاف: «بالتأكيد، ليس هناك أي سبب لقتل أي كان».
وتابع أن «التطورات التي تشهدها البلاد حالياً تهدد عملية التفاوض بين الولايات المتحدة وحكومة السودان، والتي قد تؤدي إلى شطب السودان من قائمة الدول التي تدعم الإرهاب».
وقال سارتور إن طرح حل للأزمة السياسية في السودان ليس من شأن الولايات المتحدة. وأوضح: «في الحقيقة يجب ألا تفرض أي قوة خارجية حلاً». وتابع: «ما نشهده هو أمر يتعلق بالشعب السوداني الذي يسعى إلى أن يكون له صوت ورأي، وأن يتم أخذ مخاوفهم في الاعتبار في الحوار السياسي». وأضاف: «ولذلك، فالأمر كله يتعلق بإيجاد الشعب السوداني طريقاً للتوصل إلى حل».
وأكد أن الولايات المتحدة ترغب في نجاح المحادثات بشأن القائمة السوداء، وهو ما سيشجع المؤسسات المالية العالمية على القدوم إلى السودان. وقال: «نحن لسنا في مرحلة وقف المحادثات» إلا أنه حذر من أن العملية قد تتوقف «بشكل مفاجئ». وأكد: «يجب أن توقف الحكومة الرد بالأساليب التي تستخدمها للتعامل مع الوضع الحالي... فهذه المسألة يمكن أن تثير الخلاف... ولكننا سنحاول بكل طريقة ممكنة العمل معاً».
وبشأن الوضع المتصاعد في مدينة بورتسودان، ميناء السودان على البحر الأحمر، فقد منع المحتجون الغاضبون، مساعد الرئيس البشير، موسى محمد أحمد، وبرفقته وزير النقل حاتم السر، ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى، من دخول الميناء للتحدث مع عمال الميناء لإثنائهم عن الإضراب عن العمل.
ودخل العمال في إضراب مفتوح عن العمال، منذ يومين، احتجاجاً على اتفاق وقّعته هيئة الموانئ البحرية، مع شركة فلبينية لتأجير ميناء الحاويات.
وقال عضو لجنة خصخصة الميناء أسامة الصائغ لـ«الشرق الأوسط» هاتفياً أمس، إن العمال المعتصمين رددوا هتافات مناوئة للحكومة، أعقبت وصول مدير هيئة الموانئ، المعاد تعيينه، «جلال شلية»، بديلاً للمدير السابق «عبد الحفيظ صالح» الذي أقيل بسبب تأييده مطالب العمال، ورفضه تأجير الميناء.
ونقلت تقارير صحافية عن رئيس النقابة (معارضة) عثمان طاهر، أن العاملين في ميناء الحاويات وعددهم 1800 عامل وموظف، نفذوا إضراباً كاملاً عن العمل، لرفضهم عقد الامتياز بين الحكومة السودانية والشركة الفلبينية لعشرين عاماً مقابل «530» مليون يورو سنوياً، وأن رفضهم دخول الشركة لخشيتهم فقدان وظائفهم بعد تسلم الإدارة الجديدة، ويقولون إن قيمة الصفقة أقل من عائدات الميناء.
وقال الصائغ، إن مساعد الرئيس محمد أحمد، كان من المقرر أن يجتمع بعمال الميناء صباح أمس، لكن تعيين مدير جديد للميناء، وظهوره في المكان، أثار غضب من يتهمونه بالإتيان بالشركة الأجنبية، لذلك قابلوه بهتافات مناوئة للاتفاقية، ما أفشل زيارة مساعد الرئيس ووفده، وتابع: «السلطات في الخرطوم عقّدت الأمور أكثر، بإقالة صالح، وتعيين شلية».
وأعلن ممثل عن المضربين أنهم يرفضون الجلوس مع أي جهة حكومية قبل إصدار قرار من رئيس الوزراء بإلغاء عقد الشركة الفلبينية، لأنهم يخشون إلغاء وظائفهم بعد تغيير إدارة الميناء.
ويمكن أن يتسبب إضراب طويل الأمد في ميناء بورتسودان، في تفاقم الأوضاع الاقتصادية التي يواجهها السودان، وفي ذات الوقت، يتناغم الإضراب مع مطالب المتظاهرين الذين يطالبون بتنحي الرئيس البشير وحكومته، والذين يواصلون التظاهر منذ أكثر من شهرين.
وفي الخرطوم، يتهيأ المعارضون لموجة مظاهرات جديدة دعا لها «تجمع المهنيين السودانيين» اليوم، وينتظر أن يشارك فيها قادة المعارضة، وأبرزهم رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، وسكرتير الحزب الشيوعي محمد مختار الخطيب، ووجوه من «تجمع المهنيين السودانيين»، وذلك لأول مرة بشكل معلن مسبقاً.
وقال سكرتير الشيوعي محمد مختار الخطيب لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن موكب اليوم يهدف إلى إلهاب جماهير الشعب وتعبئتها من أجل تنحي الرئيس البشير وحكومته، وإن كل قادة القوى السياسية سيشاركون في الموكب الذي ينتظر أن ينطلق من عدة مناطق في وسط العاصمة الخرطوم.
من جهته، أوصد مدير جهاز الأمن السوداني الفريق صلاح عبد الله «قوش» الباب أمام أي مبادرة للحل السياسي، بمواجهة مطالب المتظاهرين والمحتجين المطالبين بتنحي الحكومة ورئيسها.
وقال قوش، في تصريحات عقب شرح قدمه للبرلمان حول الأحداث في البلاد، أمس، إن هنالك عدداً من المبادرات المطروحة، وإنهم يرفضون أي مبادرة لحل أزمة البلاد خارج إطار ما أطلق عليه «الشرعية»، وأضاف: «أي مبادرات ينبغي أن تبنى على الشرعية الموجودة، وهي الدستور والقانون والبرلمان، ولا مكان لأي خروج عن الشرعية».
وقال المتحدث باسم «تجمع المهنيين» محمد يوسف أحمد المصطفى، لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن التجمع دعا كل الجهات للموكب، وبناء على ذلك فإنهم يتوقعون - كما هي الحال دائماً – أن تحدث استجابة ترضي التجمع والحراك، خاصة من الشباب والنساء.
وأوضح المصطفى أن موكب اليوم سيختلف عما سبقته من مواكب، بلغ عددها 9 مواكب، لأن عدداً من قيادات القوى الموقعة على «إعلان الحرية والتغيير» أعلن مشاركته في الموكب.
وتوقع المصطفى أن تواجه السلطات الموكب بما أسماه «النمط المتوقع والمجرب»، وقال: «نتوقع أن تواجهنا السلطات بطريقة عنيفة، قد تتخللها اعتقالات وضرب، لكننا لن نتوقف عن التظاهر وممارسة حقنا الدستوري في التعبير، وهو حق لا يقيده أي قانون سوداني، ونحن مصرّون على سلوك التغيير السلمي»، وتابع: «رغم إصرارنا على التجمع السلمي، نحن على يقين أن السلطة ستعاملنا بطريقة عنيفة كأننا مجرمون».
وقطع المصطفى بأن التجمع والقوى الحليفة له، يريدون وقف تدمير البلاد، لذلك سيصعّدون التظاهر السلمي، ضد ما أطلق عليه «النظام الفاسد الفاشل المتوحش القاسي والعنيف القائم»، وتابع: «لن نتنازل عن حقنا، لأن الحكومة ستضربنا، فالسودانيون تجاوزوا منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي كل هذه المخاوف والهواجس، وعرفوا أهمية التمسك بحقهم، مهما كانت التضحيات ضخمة».
وأثناء ذلك تداول نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي «تكهنات» عن تغييرات كبيرة، ينتظر أن يجريها الرئيس البشير على مستوى الحكومة والحزب الحاكم، عقب اجتماع للمكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني اليوم، بيد أن المتحدث باسم الحزب إبراهيم الصديق، نفى لـ«الشرق الأوسط» تلك التكهنات، وقطع بقوله: «لا يوجد اجتماع للمكتب القيادي اليوم (أمس) من حيث المبدأ».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.