تحقيقات حول هوية انتحاري لبناني مفترض عمره 19 سنة

السفير السعودي في بيروت يدين تفجير الضاحية ويدعو وسائل الإعلام إلى عدم «التجييش»

خبراء لبنانيون يأخذون أرقام هيكل السيارة المفخخة التي انفجرت في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
خبراء لبنانيون يأخذون أرقام هيكل السيارة المفخخة التي انفجرت في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

تحقيقات حول هوية انتحاري لبناني مفترض عمره 19 سنة

خبراء لبنانيون يأخذون أرقام هيكل السيارة المفخخة التي انفجرت في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
خبراء لبنانيون يأخذون أرقام هيكل السيارة المفخخة التي انفجرت في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

انصب اهتمام السلطات القضائية والأمنية اللبنانية على العمل الميداني في موقع التفجير الإرهابي الذي استهدف الشارع العريض بمنطقة حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، مساء أول من أمس، وأدى إلى سقوط خمسة قتلى ونحو 80 جريحا من المدنيين.
وأمضى النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود، ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، أمس، ساعات طويلة في موقع التفجير، وأشرفا على عمل الأدلة الجنائية والخبراء، وعمليات رفع الأدلة من المكان، وعلى التحقيقات الأولية التي تجريها الأجهزة الأمنية لا سيما الشرطة العسكرية ومخابرات الجيش اللبناني، قبل إنهاء الخبراء والفنيين عملهم ظهرا.
وبينما كشف القاضي حمود عن توافر بعض الخيوط التي يجري التحقيق فيها والتدقيق في صحتها، أكدت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» أن «الدليل الأساسي هو العثور على إخراج قيد عائد لشاب لبناني (19 عاما) يدعى قتيبة الصاطم، وهو من منطقة وادي خالد في شمال لبنان، في مسرح الجريمة، حيث وجد (إخراج القيد) في طابق علوي في المبنى الذي وقعه أمامه الانفجار، وهو محروق من أطرافه، ويبدو أن عصف الانفجار قذفه مع الأشلاء إلى هذا المكان».
وأوضحت المصادر نفسها أن «والد الصاطم الذي أحضر إلى التحقيق أمام فرع المخابرات في شمال لبنان، أفاد بأن ولده فقد قبل خمسة أيام وتحديدا في الثلاثين من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتقدم ببلاغ إلى قوى الأمن الداخلي بذلك، ونفى أن يكون على علم بأي علاقة لولده مع أي تنظيم إرهابي أو مجموعة متطرفة خصوصا أنه صغير في السن وهو في التاسعة عشرة من العمر». وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام، الرسمية في لبنان، أن والد قتيبة نقل أمس من مركز مخابرات الجيش في طرابلس إلى بيروت، لإجراء فحص الحمض النووي ومطابقته مع الفحوص التي أجريت على أشلاء الجثة التي يعتقد أنها تعود إلى نجله.
من جهة أخرى، كشفت المصادر الأمنية في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» عن «توقيف شخص على ذمة التحقيق كان موجودا في مكان قريب جدا من موقع التفجير، علما بأنه غريب عن المنطقة وتحوم شبهات حول علاقة ما له في العملية». وأشارت إلى أن «فرضية العمل الانتحاري ما زالت متقدمة مع ترجيح أن يكون الصاطم هو من نفذ هذه العملية، لا سيما أنه على علاقة وثيقة بابن عمه محمد أحمد الصاطم المعروف بتشدده الديني والموجود منذ أشهر في منطقة يبرود السورية ويقاتل إلى جانب المعارضة السورية».
وفي موازاة انتظار السلطات اللبنانية ظهور نتائج فحوص الحمض النووي التي تجرى على الأشلاء التي انتزعت من داخل السيارة المفخخة وجمعت من الموقع، مع عينات أخرى أخذت من ذوي الشاب، قالت المصادر الأمنية ذاتها إن «الخطوة التالية بعد التأكد من هويته ستتجه نحو التأكد إذا كان هو الانتحاري فعلا أم لا، والبحث عن التنظيم الذي ينتمي إليه الصاطم، والجهة التي زودته بالسيارة المفخخة، وما إذا كان فعلا قدم بها من سوريا أم أنها فخخت في لبنان».
لكن أهالي الشاب العكاري شككوا في فرضية أن يكون ابنهم قتيبة هو الانتحاري، خصوصا أن وسائل الإعلام اللبنانية أفادت نقلا عن شهود عيان بعد وقوع الانفجار بأن رجلا ترجل من السيارة بعد ركنها وقبل انفجارها بلحظات. وأبدت عشائر الصاطم التي يتحدر منها قتيبة، في منطقة وادي خالد العكارية، سلسلة ملاحظات في بيان صادر عنها، فأكدت أنه «لا يجيد قيادة السيارات»، وتساءلت عن «وجود هويته (إخراج القيد) من دون أن تتأذى في جثة متفحمة، وعما إذا يعقل أن يحمل الإرهابي هويته في جيبه»، مضيفة «كيف لفتى كقتيبة أن يتحرك بحرية بسيارة مفخخة داخل مربع أمني لحزب الله مجهول له تماما؟».
وأكد أحمد السيد، في بيان تلاه باسم وجهاء عشائر وعائلات وادي خالد، بعد لقاء تضامني عقدوه في دارة والد قتيبة في قرية حنيدر بوادي خالد، أن «ولدنا لم يكن ينتمي إلى أي جهة حزبية أو دينية، وهو شخص معتدل بسلوكياته، وهو طالب جامعي في السنة الثانية ويستعد للسفر إلى فرنسا لمتابعة تحصيله العلمي»، مطالبا «القضاء اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية بالتحقيق العادل والشفاف ليصار إلى تبيان الحقيقة كاملة». وفي موازاة استنكاره باسم الأهالي والعشائر الانفجار الذي طال الضاحية الجنوبية، أكد أن «ثقافة وادي خالد ليست دموية بل ثقافة اعتدال وتسامح وتعايش سلمي».
وكانت عمليات رفع الأنقاض بدأت بعد ظهر أمس، بإيعاز من النائب العام التمييزي، تمهيدا لفتح الطريق أمام المارة والسيارات، بعدما أنجزت الأجهزة الأمنية عملها الفني، من مسح للمنطقة ورفع للأدلة والعينات وجمع كل الأشلاء، وبعد انتهاء خبراء المتفجرات من الكشف التقني على الحفرة التي خلّفها الانفجار ومعاينة وضبط بعض حطام السيارة التي استخدمت في التفجير.
في موازاة ذلك، وفي حين لم يصدر حزب الله أي تعليق رسمي على تفجير حارة حريك، دعا وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال حسين الحاج حسن إلى «مواجهة الإرهاب الذي يضرب لبنان». وقال، بعد تعداده سلسلة الانفجارات التي ضربت لبنان في الأشهر الأخيرة، إنه بات من الواضح «أننا دخلنا مرحلة مختلفة لا يمكن فيها مواجهة الإرهاب بالمواقف التي تريد الإفادة من الظروف لتحصيل مكاسب سياسية»، معتبرا أن «الإرهاب لا يفرق بين منطقة وأخرى كما لا يفرق بين دين ودين أو بين مذهب ومذهب، أو بين حزب وتيار وحركة، ولا دور له إلا القتل». وشدد الحاج حسن على «اننا أمام مسؤولية وحدة وطنية تستدعي من الجميع تشكيل حكومة وتحقيق انتخابات الرئاسة في موعدها وليس مواقف لمزيد من الانشقاق، وهي مسؤولية الجميع في تعزيز عناصر الوحدة الوطنية لا زيادة الشرخ والانشقاق الذي هو انشقاق عمودي، والعقل والمنطق يقول بالذهاب إلى المزيد من الوحدة الوطنية». وكان رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، وفي مذكرة إدارية أصدرها أمس، أعلن «الحداد العام» اليوم على «أرواح الشهداء الضحايا الذين سقطوا مساء الخميس نتيجة للتفجير الإرهابي الآثم في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت في حارة حريك».
ودعا إلى «توقف العمل لمدة ساعة اعتبارا من الساعة الحادية عشرة ولغاية الساعة الثانية عشرة ظهرا على كل الأراضي اللبنانية، وعلى أن تعدّل البرامج العادية في محطات الإذاعة والتلفزيون هذه المدة (ساعة واحدة)، بما يتناسب مع هذه الواقعة الأليمة، وعلى أن يقف اللبنانيون لمدة خمس دقائق عند الساعة الثانية عشرة ظهرا، حيثما وجدوا، استنكارا لهذه الجريمة النكراء وتعبيرا لبنانيا وطنيا شاملا ضد الإرهاب وتضامنا مع عائلات الشهداء الأبرار والجرحى وعائلاتهم».
وفي إطار المواقف السياسية المستنكرة، أمل قائد اليونيفيل الجنرال باولو سيرا أن «تتمكن السلطات اللبنانية من تحديد مرتكبي الجريمة»، مستنكرا «هذا العمل الحقير والجبان الذي استهدف أرواح مدنيين». وقال «في هذه اللحظة المأساوية، أنا وأسرة اليونيفيل بأكملها نقف إلى جانب الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني في سعينا المشترك نحو السلام والأمن، وآمل أن تتمكن السلطات اللبنانية من تحديد مرتكبي هذه الجريمة النكراء وتقديمهم إلى العدالة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.