الوجه الآخر للنزوح السوري: مبالغة في المقاربة وفرصة ضائعة للبنان

الأرقام تُظهر استفادة المجتمعات المحلية من وجودهم

TT

الوجه الآخر للنزوح السوري: مبالغة في المقاربة وفرصة ضائعة للبنان

تدخل الأزمة السورية، الشهر المقبل، عامها الثامن ويتضاعف معها السجال اللبناني - اللبناني حول اللاجئين الذين يقدّر عددهم بمليون و300 ألف شخص؛ نحو 900 ألف منهم مسجلون في مفوضية شؤون اللاجئين.
بعيداً عن السياسة وما خلفها من هواجس وخلافات أدت إلى عدم الاتفاق على تنظيم وجودهم، تأتي الأرقام لتظهر وقائع تعكس خطأ لبنانياً في التعامل مع هذه القضية، أدى إلى زيادة الأزمة التي يعاني منها المجتمع اللبناني أساساً منذ ما قبل وصول النازحين، وهو الأمر الذي كان قد أشار إليه رئيس الحكومة سعد الحريري أخيراً، بالقول: «إذا وضعنا كل مشكلاتنا على النازحين، فنحن نكون نضحك على أنفسنا»، وسأل: «لماذا لا نستخدم الطاقات والنازحين الموجودين عندنا لتنفيذ المشروعات الاستثمارية ونحن نعلم أنهم في النهاية سيعودون إلى بلدهم؟».
وجهة النظر هذه يؤكد عليها مدير الأبحاث في «معهد عصام فارس» الدكتور ناصر ياسين، معتبراً أن لبنان أضاع فرصة كان يمكن أن يستفيد منها منذ بدء توافد النازحين إليه لو نجح في وضع خطة للتعامل معها، معتبراً في الوقت عينه أن تحميل النازحين سبب العجز والانكماش الاقتصادي، والقول إنهم ساهموا في خسارة لبنان 20 مليار دولار، أمر مبالغ فيه كثيراً، خصوصاً أن المساعدات التي تصل إلى لبنان تحت عنوان الاستجابة لحاجيات اللاجئين والمجتمعات المضيفة تقدّر بمليار دولار سنوياً. ويشدّد ياسين على أن النزوح الأكبر بدأ يسجّل بين عامي 2013 و2014، وليس عام 2011 عند بدء الأزمة، حين كان الوضع الاقتصادي اللبناني قد بدأ يتراجع بدرجة كبيرة.
ويتّفق ياسين مع الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، على أن المجتمع اللبناني كان يعاني أساساً من أزمة اقتصادية واجتماعية، بحيث أدى النزوح السوري الذي ارتكز على مناطق مهمّشة، يعيش فيها القسم الأكبر من فقراء لبنان، إلى مضاعفة هذه الأزمة فيما يتعلّق بشكل خاص بالبنى التحتية. ويختصر ياسين هذا الواقع بالقول «عندما يعيش مليون فقير مع مليون فقير آخر عندها يمكننا أن نتوقع كيف سيكون وضعهم جميعاً». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «لا شكّ أن لبنان يتعرض لضغط كبير نتيجة أزمة النزوح، حيث إن 70 في المائة من السوريين الهاربين من الحرب إليه يعيشون تحت خط الفقر، وسكنوا في أكثر المناطق فقراً في لبنان، التي تستوعب نحو 67 في المائة من فقراء لبنان، وهي بشكل أساس في الشمال والبقاع ومناطق ريفية أخرى».
وينطلق من هذه الأرقام ليؤكد أنه من الطبيعي أن يؤدي هذا الأمر إلى ضغط مضاعف على البنى التحتية والكهرباء والماء والنفايات وغيرها، لكنه في الوقت عينه يضع في الميزان وقائع أخرى من شأنها أن تظهر الوجه الآخر للنزوح، وهي قدرة هؤلاء التشغيلية في قطاعات عدة، أهمها الزراعة والبناء، إضافة إلى بعض الصناعات في ظل منعهم من العمل في قطاعات أخرى تنفيذاً للقانون اللبناني، إضافة إلى مساهمتهم بشكل مباشر في تحريك قطاعات أخرى كالعقارات والاستهلاك المحلي والتعليم الرسمي، وبشكل غير مباشر عبر تأمين وظائف لآلاف الشباب اللبنانيين في الجمعيات والمنظمات التي باتت تعمل في لبنان نتيجة أزمة النزوح.
في المقابل، يتطرق شمس الدين إلى منافسة اليد العاملة السورية لليد العاملة اللبنانية، بعدما تجاوز عملهم قطاعات البناء والزراعة، وتوسّع إلى قطاعات أخرى كالسياحة والفنادق والنقل وغيرها، وذلك نتيجة تراجع قطاع البناء إلى أدنى مستوياته بعدما كان يشكّل قطاع العمل الأهم لـ700 ألف عامل سوري، كحد أقصى، قبل الأزمة عام 2011، موافقاً كذلك ياسين في أن وجود هؤلاء مع أسرهم ساهم في زيادة نسبة الإيجارات، لكنه يرى أن نتائجه الإيجابية لم تظهر بفعل الضغط الذي انعكس على الكهرباء والمياه والبنى التحتية وغيرها.
ووفق المعلومات التي يشير إليها ياسين، فإن 74 في المائة من النازحين يعملون في البناء والزراعة، وهي المجالات التي لطالما كان لبنان يعتمد فيها على العمال السوريين، فيما يلفت إلى تسجيل بعض المنافسة في الوقت الحالي في قطاع السياحة والفنادق.
ويلفت بالأرقام إلى أن زيادة العمال السوريين في لبنان أدت إلى ارتفاع الطلب على إيجارات المنازل، وبالتالي تحريك عجلة العقارات التي كانت تعاني من ركود كبير، ويندرج ضمنها أيضاً حتى استئجار الأراضي لتشييد الخيم، بحيث تقدّر المبالغ التي تدفع هنا بنحو 390 مليون دولار أميركي في العام، أي أكثر من مليون دولار يومياً من مدخول الإيجارات. وهنا يشير أيضاً إلى أن المساعدات التي تقدم إلى المجتمعات المضيفة ساهمت في أحيان كثيرة في استفادة عائلات منها لبناء أو إعادة تأهيل غرف لتقطنها عائلات سورية مقابل بدل إيجار، إضافة إلى تحسين في البنى التحتية والإنارة وغيرها ما من شأنها التعويض عن الضغط المتزايد على هذه المناطق.
الأمر نفسه ينسحب، حسب ياسين، على الاستهلاك المحلي، حيث يقدّر عدد المؤسسات التجارية اللبنانية التي تستفيد من برنامج الغذاء العالمي بـ600، وهي التي يتم التعاقد معها ليحصل اللاجئون على حاجياتهم اليومية من خلال القسائم التي يحصلون عليها. وتشير التقديرات إلى أن مشروع القسائم الغذائية الذي ينفذه برنامج الأغذية العالمي، ضخّ أكثر من 700 مليون دولار في الاقتصاد اللبناني.
وإذا كان السوريون ينافسون في بعض الأحيان اليد العاملة اللبنانية، فإن أزمتهم في لبنان ساهمت في تأمين وظائف وزيادة مدخول لأكثر من 22 ألف شخص، وذلك في قطاع التعليم كما في الجمعيات والمنظمات العالمية التي تعمل في لبنان، في وقت لا يزيد ما يؤمنه قطاع المصارف سنوياً عن 700 وظيفة. وهنا يوضح ياسين أن الجمعيات الإنسانية فتحت الباب لـ10 آلاف فرصة عمل، في حين أنه بات يعمل أكثر من 12 ألف أستاذ بالمدارس الرسمية في الدوام الإضافي بعد الظهر المخصص لتعليم اللاجئين. وحسب أرقام «الدولية للمعلومات»، يلفت شمس الدين إلى أن هناك 54 ألف طالب سوري مسجلون في المدارس الرسمية مقابل 264 ألف لبناني في المراحل ما قبل الثانوي.
أمام كل هذه الوقائع والأرقام التي يصرّ البعض في لبنان على رؤية الجانب السلبي منها فقط، يؤكد ياسين أنه كان يمكن أن تشكل فرصة بالنسبة للبنان لو وضع خطة لها، منذ اليوم الأول للأزمة السورية حين أتى رجال الأعمال السوريون ولم يلقوا ترحيباً، فاتجهوا إلى تركيا ومصر، حيث أنشأوا مؤسسات وأمنوا فرص عمل كبيرة. ورغم مرور هذه السنوات، يؤكد أن هناك بعض الحلول التي يمكن للبنان أن يستفيد منها كتوسيع الاقتصاد والاستثمار في القطاعات كالبنى التحتية، وهو ما كان قد تضمنه «مؤتمر سيدر»، ما من شأنه أن يخلق فرص عمل للنازحين في قطاعات كثيرة على المدى القصير، ويتجاوز المشكلة المتزايدة التي قد يواجهها بعض الشباب اللبناني من خلال منافسة السوريين لهم.



إشادة أوروبية بتحسن الأوضاع الأمنية والسياسية في عدن

إشادة أوروبية بدور خفر السواحل في حماية الملاحة ومكافحة التهريب (إعلام حكومي)
إشادة أوروبية بدور خفر السواحل في حماية الملاحة ومكافحة التهريب (إعلام حكومي)
TT

إشادة أوروبية بتحسن الأوضاع الأمنية والسياسية في عدن

إشادة أوروبية بدور خفر السواحل في حماية الملاحة ومكافحة التهريب (إعلام حكومي)
إشادة أوروبية بدور خفر السواحل في حماية الملاحة ومكافحة التهريب (إعلام حكومي)

أشاد سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، باتريك سيمونيه، بالتحسن الملحوظ في الأوضاع الأمنية والخدمية والسياسية في العاصمة المؤقتة عدن، مؤكداً أن هذه التطورات تعكس جهود الحكومة الجديدة في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة المناسبة لعمل مؤسسات الدولة، ومشيراً إلى توجه أوروبي لتعزيز الدعم خلال المرحلة المقبلة.

وخلال لقاء مع مجموعة من الصحافيين في عدن، بحضور رئيس قسم التعاون في بعثة الاتحاد الأوروبي بوست مولمان، أكد رئيس البعثة أن جهود الحكومة اليمنية الجديدة لتطبيع الأوضاع وتوحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية شجعت الاتحاد على الوجود ميدانياً وتقديم الدعم اللازم، لافتاً إلى وجود فرصة حقيقية أمام الحكومة للقيام بواجباتها على أكمل وجه.

وجدد سيمونيه التأكيد على دعم الاتحاد الأوروبي الكامل لجهود الحكومة في تحسين الإيرادات عبر تقديم المساعدة الفنية، موضحاً أن تعزيز الموارد سينعكس إيجاباً على الخدمات والاستقرار الاقتصادي وتوفير فرص العمل.

كما أثنى السفير الأوروبي على اتساع هامش حرية التعبير في عدن، مشيداً بالدور الذي تضطلع به قوات خفر السواحل في حماية الملاحة الدولية وتأمين النقل البحري ومكافحة التهريب، وهو ما يعزز من موقع المدينة كمركز حيوي في حركة التجارة الإقليمية.

سفير الاتحاد الأوروبي في أحد المقاهي الشعبية بمدينة عدن (إكس)

واستعرض الدبلوماسي الأوروبي نتائج لقاءاته مع عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، ورئيس الحكومة وأعضائها، والسلطات المحلية، مشيراً إلى أن البعثة لمست جدية في تحسين الخدمات العامة وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. وأوضح أن هذه المؤشرات الإيجابية تدفع الاتحاد الأوروبي إلى التفكير بزيادة مستوى دعمه للحكومة، بما يمكنها من تنفيذ التزاماتها تجاه المواطنين.

وأكد أن الاتحاد سيواصل تقديم الدعم في مجالات متعددة، تشمل الإصلاح المؤسسي، وتعزيز قدرات الإدارة العامة، إلى جانب دعم الاستقرار الاقتصادي، مع التركيز على المشاريع التي تلامس احتياجات السكان بشكل مباشر، خصوصاً في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة.

شراكة سياسية وإنسانية

وتطرق السفير سيمونيه إلى التزامات الاتحاد الأوروبي تجاه اليمن، موضحاً أن الدعم لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يشمل كذلك دعم العملية السياسية والجهود الإنسانية، بالتوازي مع مساندة مساعي الأمم المتحدة لإحلال السلام. وأشار إلى أن الاتحاد ينظر إلى اليمن باعتباره بلداً ذا عمق حضاري وثقافي، وهو ما يفسر اهتمامه بالمجالات الثقافية والمجتمعية.

وفي هذا السياق، أعلن عن إعادة افتتاح سينما أروى في عدن بعد إعادة تأهيلها بدعم أوروبي عبر منظمة «اليونيسكو»، في خطوة تعكس توجهاً لإحياء المشهد الثقافي وتعزيز دور الفنون في المجتمع، بوصفها إحدى أدوات التعافي الاجتماعي بعد سنوات من الصراع.

وعند استعراضه لبرامج الدعم، أكد السفير أن الاتحاد الأوروبي يواصل دعم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في المحافظات المحررة، ويسعى إلى حشد مزيد من الدعم الدولي خلال الفترة المقبلة، بما يساعد الحكومة على تنفيذ برامجها الإصلاحية. كما أشاد بجهود البنك المركزي اليمني في الحفاظ على استقرار العملة رغم التحديات المعقدة.

تعهد أوروبي بزيادة الدعم للحكومة اليمنية لتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وكان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شائع الزنداني قد بحث مع السفير الأوروبي علاقات التعاون وسبل تطويرها، مشدداً على أهمية توجيه الدعم نحو القطاعات ذات الأولوية، بما يعزز قدرة الحكومة على تحسين الخدمات الأساسية.

وفي ظل التحديات المستمرة، تراهن الحكومة اليمنية على توسيع شراكاتها مع المانحين الدوليين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي؛ لتعزيز قدرتها على تنفيذ برامج الإصلاح، وتحسين مستوى الخدمات، وخلق بيئة مواتية للاستثمار.

كما أن تعزيز الأمن البحري، وتثبيت الاستقرار في عدن، يمثلان عاملين حاسمين في دعم النشاط الاقتصادي، وفتح آفاق أوسع أمام التجارة، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على تحسين الأوضاع المعيشية للسكان.

استقلالية البنك المركزي

في سياق آخر، جدد رئيس الوزراء اليمني تأكيد دعم الحكومة الكامل لاستقلالية البنك المركزي، وتمكينه من أداء دوره في تحقيق الاستقرار المالي والنقدي، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني. وأشار إلى أن البنك يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات الاقتصادية وحماية القطاع المصرفي.

وخلال اجتماع مع مجلس إدارة البنك المركزي، اطّلع الزنداني على مستجدات الأوضاع المالية والنقدية، بما في ذلك مؤشرات الأداء خلال الربع الأول من العام، ومستوى تنفيذ الموازنة، وحجم الاحتياطيات الخارجية، والتحديات المرتبطة بتداعيات الأزمات الإقليمية.

رئيس الحكومة اليمنية يشدد على استقلالية البنك المركزي (إعلام حكومي)

كما ناقش الاجتماع قضية شح السيولة والإجراءات المقترحة لمعالجتها، إلى جانب تطوير أدوات السياسة النقدية وتحسين كفاءة الأداء المؤسسي، بما يتماشى مع متطلبات المرحلة الراهنة.

وأكد رئيس الحكومة اليمنية أهمية التكامل بين السياسات المالية والنقدية، مشدداً على ضرورة تنسيق الجهود بين مختلف المؤسسات الحكومية لتحقيق التعافي الاقتصادي، والحد من تأثير الأزمات الخارجية على الوضع الداخلي.


تضرر عشرات المنازل التاريخية في صنعاء جراء الأمطار

مبنى أثري في صنعاء بعد تعرضه للانهيار بسبب الأمطار (فيسبوك)
مبنى أثري في صنعاء بعد تعرضه للانهيار بسبب الأمطار (فيسبوك)
TT

تضرر عشرات المنازل التاريخية في صنعاء جراء الأمطار

مبنى أثري في صنعاء بعد تعرضه للانهيار بسبب الأمطار (فيسبوك)
مبنى أثري في صنعاء بعد تعرضه للانهيار بسبب الأمطار (فيسبوك)

تشهد مدينة صنعاء القديمة، المدرجة على قائمة التراث العالمي، أوضاعاً مقلقة نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بعشرات المباني، والمنازل، والأسوار التاريخية بفعل الأمطار الغزيرة التي تضرب المدينة، ومناطق يمنية أخرى واسعة منذ أيام.

ووفق ما أفادت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، فقد تسبب هطول الأمطار خلال اليومين الماضيين بانهيارات جزئية، وتصدعات خطيرة في عدد من المباني التاريخية التي تُعد من أبرز معالم العمارة اليمنية الفريدة، حيث يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين. كما غمرت المياه أحياءً سكنية ضيقة، ما أدى إلى إضعاف البنية التحتية الهشة أصلاً.

وتُعرف صنعاء القديمة بمنازلها البرجية المزخرفة، ونوافذها الجصية المميزة، ما يجعلها واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، وهو ما يضاعف من خطورة هذه الأضرار على الإرث الثقافي العالمي.

واشتكى سكان في المدينة القديمة لـ«الشرق الأوسط» من تجاهل سلطات الجماعة الحوثية لنداءاتهم الاستغاثية المتكررة، إضافة إلى غياب أي تدخلات عاجلة، سواء عبر تصريف مياه الأمطار، أو ترميم المنازل المتضررة، الأمر الذي يفاقم من حجم الكارثة الإنسانية والمعمارية في آنٍ واحد.

يمنيون يقفون أمام منزل قديم في صنعاء بعد انهيار جزء منه جراء الأمطار (إكس)

وقال «حمدي»، وهو اسم مستعار لأحد سكان حارة الأبهر وسط المدينة: «المياه دخلت إلى منازلنا بشكل غير مسبوق جراء هطول الأمطار قبل أيام، الجدران بدأت تتشقق، وبعض الأسقف سقطت جزئياً. نحن نعيش حالة خوف مستمر، خاصة مع استمرار الطقس السيئ».

وأضاف: «لم نشاهد أي فرق طوارئ، أو دعم حقيقي على الأرض، رغم خطورة الوضع. الناس تحاول إنقاذ بيوتها بجهود فردية، بعيداً عن أي تدخلات واضحة».

إلى جانب «حمدي»، تقول ساكنة في حي النهرين القديم: «هذا البيت ورثناه عن أجدادنا، عمره مئات السنين. اليوم نشاهد أجزاء منه تتآكل أمام أعيننا، ولا يوجد أي تحرك من قبل المعنيين بالإنقاذ، أو حتى تقييم الأضرار».

مخاوف متصاعدة

بينما تعكس شهادات هؤلاء المتضررين، وغيرهم، حجم المعاناة، والخسائر التي خلّفتها السيول الأخيرة، وسط مخاوف متزايدة من انهيارات وشيكة لمنازل تاريخية أخرى في حال استمرار الأمطار، يؤكد مهتمون بالتراث المحلي «أن مباني صنعاء القديمة تحتاج إلى صيانة دورية، والسيول الحالية كشفت هشاشتها. إذا استمر الوضع هكذا، فسنفقد جزءاً كبيراً مما تبقى من هذا الإرث».

وأوضحوا أن سكان أغلب الأحياء والحارات في هذه المدينة باتوا يعيشون هذه الأيام واقعاً صعباً، وسط استمرار قساوة الظروف الجوية، وغياب المعالجات السريعة التي قد تحد من تفاقم الأضرار.

تضرر منزل تاريخي في صنعاء القديمة نتيجة سيول الأمطار (فيسبوك)

ويُحذر مختصون في الحفاظ على التراث من أن استمرار الأمطار دون اتخاذ إجراءات وقائية قد يؤدي إلى انهيارات أوسع، ما يهدد بفقدان جزء لا يُعوّض من الهوية التاريخية لمدينة صنعاء، والتي تمثل رمزاً حضارياً عريقاً لليمن، والعالم.

ويؤكد هؤلاء أن المنازل التقليدية في المدينة، رغم صمودها لقرون، تبقى شديدة الحساسية للعوامل المناخية القاسية، خصوصاً في حال غياب الصيانة الدورية. وأوضح أحد الخبراء أن «استمرار تسرّب المياه إلى أساسات المباني قد يؤدي إلى انهيارات تدريجية تبدأ بتشققات صغيرة، وتنتهي بسقوط كامل للمنزل».

اتهامات بالإهمال

مع تزايد الاتهامات الموجهة للجماعة الحوثية بالإهمال، والتقاعس في التعامل مع الأضرار التي لحقت ولا تزال بالمباني التاريخية في صنعاء القديمة جراء تدفق السيول، ومنع وسائل الإعلام الموالية لها والناشطين من التطرق لذلك، تُشير مصادر مطلعة إلى استمرار غياب التدخلات الطارئة، الأمر الذي يُظهر حالة من اللامبالاة تجاه واحد من أهم مواقع التراث العالمي.

وكشفت المصادر عن جرائم فساد ونهب منظم لمخصصات مالية كانت قد رُصدت سابقاً لأعمال صيانة وحماية العديد من المباني التاريخية، مؤكدة أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال لم يُوظف في مشاريع حقيقية على الأرض، بل ذهب إلى جيوب قيادات في الجماعة تتولى إدارة شؤون العاصمة المختطفة، ما ساهم في تفاقم هشاشة البنية المعمارية للمدينة.

ويقول أحد المهتمين بالشأن المحلي إن التمويلات الخاصة بصيانة مدينة صنعاء القديمة كان يمكن أن تُخفف كثيراً من آثار السيول، لكن سوء الإدارة الحوثية وغياب الشفافية أدّيا إلى تدهور الوضع الحالي.

أضرار كبيرة لحقت بمنازل تاريخية في صنعاء وسط غياب أي تدخلات (فيسبوك)

وأضاف: إنه في حال استمرار هذا الإهمال فسوف تتعرّض المدينة لخسارة جزء كبير من تراثها المعماري، في وقت تتصاعد فيه الدعوات المحلية والدولية لإنقاذ المدينة، ومحاسبة المتورطين بالفساد، والتقصير في حماية هذا الإرث التاريخي الفريد.

كما يُحذّر مهندسون معماريون من أن استمرار الإهمال قد يؤدي إلى فقدان خصائص معمارية نادرة تميز صنعاء القديمة، مثل الزخارف الجصية، والنوافذ التقليدية، التي تمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية اليمنية.

يأتي ذلك في وقت توقع فيه مركز الأرصاد والإنذار المبكر اليمني هطول أمطار رعدية خلال الأيام المقبلة على عدة محافظات يمنية تخضع غالبيتها تحت سيطرة الحوثيين، محذراً من عواصف رعدية، وانهيارات صخرية، وانزلاقات طينية، وجريان السيول أثناء وبعد هطول الأمطار.


وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)
أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)
TT

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)
أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن، وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة، مشيراً إلى وجود غرفة عمليات عسكرية موحدة وخطة شاملة تحت مظلة القيادة السياسية والعسكرية العليا.

أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وأوضح العقيلي أن العلاقات اليمنية - السعودية شهدت تحولاً نوعياً من مرحلة التحالف إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، مثمناً الدور المحوري للمملكة في دعم الشعب اليمني وقواته المسلحة.

وجاءت تصريحات وزير الدفاع خلال ترؤسه اجتماعاً عسكرياً موسعاً في محافظة مأرب (وسط البلاد)، ضم قيادة وزارة الدفاع، ورئاسة هيئة الأركان العامة، وقادة القوى والمناطق والهيئات والدوائر، لمناقشة المستجدات العسكرية والميدانية وتعزيز الجاهزية القتالية.

وأكد الوزير خلال الاجتماع توجه الحكومة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، مشيراً إلى أهمية هذه الإصلاحات في تمكين القوات المسلحة من نيل كامل حقوقها وتحسين أوضاع منتسبيها، حسبما نقلت وكالة «سبأ» الرسمية.

وقال اللواء الركن طاهر العقيلي إن «هناك تحولاً كبيراً في المعادلة الدولية والإقليمية لصالح القضية اليمنية»، داعياً إلى «ضرورة استثمار هذه المتغيرات».

وأضاف أن «المجتمع الدولي بات مجمعاً على تصنيف ميليشيات الحوثي جماعة إرهابية، كونها إحدى الأدوات المدعومة من إيران»، مشيراً إلى أن ذلك «يعزز من أهمية الدور الوطني للقوات المسلحة في استعادة العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة».

شدد العقيلي على أن العلاقات مع السعودية انتقلت من التحالف إلى الشراكة الاستراتيجية (سبأ)

وفي جانب العلاقات مع السعودية، ثمّن وزير الدفاع اليمني الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في دعم اليمن والشعب اليمني والقوات المسلحة، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين شهدت تحولاً نوعياً من مرحلة التحالف إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية.

وعلى الصعيد العسكري، أوضح الوزير أن مستوى التنسيق بلغ مراحل متقدمة من خلال وجود غرفة عمليات عسكرية موحدة وخطة شاملة تحت مظلة القيادة السياسية والعسكرية العليا، ممثلة بالقائد الأعلى للقوات المسلحة ووزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان، بما يسهم في توحيد القرار والجهد العسكري.

وأشاد العقيلي «بالدور البطولي الذي يجسده أبطال القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مأرب في مواجهة المشروع الإيراني والتصدي للمد الفارسي»، مثمناً «التضحيات الجسيمة التي قدموها في سبيل الدفاع عن الوطن».

كشف الوزير عن توجه الحكومة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة (سبأ)

من جانبه، أكد رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز استمرار تنفيذ البرامج التدريبية لمنسوبي القوات المسلحة وفق الخطط العملياتية لوزارة الدفاع ورئاسة الأركان، بهدف تأهيل القوات والوصول بها إلى مستويات احترافية متقدمة.

وشدد بن عزيز على «الجاهزية القتالية العالية التي يتمتع بها أبطال القوات المسلحة في مختلف الظروف».

كما أعرب رئيس هيئة الأركان عن إدانة القوات المسلحة للاعتداءات الإيرانية، مؤكداً تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية والدول العربية والصديقة، وموقفها الثابت في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.